حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

سُورَةُ سَبَإٍ

سُورَةُ سَبَأٍ يُقَالُ مُعَاجِزِينَ مُسَابِقِينَ . بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ . مُعَاجِزِي : مُسَابِقِي .

سَبَقُوا فَاتُوا . لا يُعْجِزُونَ لَا يُفَوِّتُونَ . يَسْبِقُونَا يُعْجِزُونَا .

قَوْلُهُ بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ . وَمَعْنَى مُعَاجِزِينَ مُغَالِبِينَ . يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ .

مِعْشَارَ عُشْرَ . يُقَالُ : الْأُكُلُ الثَّمَرَةُ . بَاعِدْ وَبَعِّدْ وَاحِدٌ .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لا يَعْزُبُ لَا يَغِيبُ . سَيْلَ الْعَرِمِ : السَّدُّ مَاءٌ أَحْمَرُ أَرْسَلَهُ فِي السَّدِّ فَشَقَّهُ وَهَدَمَهُ وَحَفَرَ الْوَادِي فَارْتَفَعَتَا عَنِ الْجَنْبَتيْنِ وَغَابَ عَنْهُمَا الْمَاءُ فَيَبِسَتَا ، وَلَمْ يَكُنِ الْمَاءُ الْأَحْمَرُ مِنَ السَّدِّ وَلَكِنْ كَانَ عَذَابًا أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ . وَقَالَ عمرو بْنُ شُرَحْبِيلَ : الْعَرِمِ الْمُسْنَاةُ بِلَحْنِ أَهْلِ الْيَمَنِ .

وَقَالَ غَيْرُهُ : الْعَرِمُ : الْوَادِي . السَّابِغَاتُ : الدُّرُوعُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ يُجَازَى : يُعَاقَبُ .

أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ بِطَاعَةِ اللَّهِ . مَثْنَى وَفُرَادَى وَاحِدٌ وَاثْنَيْنِ . التَّنَاوُشُ الرَّدُّ مِنَ الْآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا .

وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ . بِأَشْيَاعِهِمْ بِأَمْثَالِهِمْ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَالْجَوَابِ كَالْجَوْبَةِ مِنَ الْأَرْضِ .

الْخَمْطُ : الْأَرَاكُ . وَالْأَثْلُ : الطَّرْفَاءُ . الْعَرِمِ الشَّدِيدِ .

قَوْلُهُ : ( سُورَةُ سَبَأٍ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) سَقَطَ لَفْظُ سُورَةُ وَالْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . وَهَذِهِ السُّورَةُ سُمِّيَتْ بِقَوْلِهِ فِيهَا : لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ الْآيَةَ ، قَالَ : ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ : هُوَ سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ . وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ قَالَ : أُنْزِلَ فِي سَبَأٍ مَا أُنْزِلَ ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا سَبَأٌ ، أَرْضٌ أَوِ امْرَأَةٌ ؟ قَالَ : لَيْسَ بِأَرْضٍ وَلَا امْرَأَةٍ ، وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ وَلَدَ عَشَرَةً مِنَ الْعَرَبِ ، فَتَيَامَنَ سِتَّةٌ وَتَشَاءَمَ أَرْبَعَةٌ الْحَدِيثَ .

قَالَ : وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قُلْتُ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفَرْوَةَ صَحَّحَهُمَا الْحَاكِمُ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي حَدِيثِ فَرْوَةَ زِيَادَةً أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ سَبَأَ قَوْمٌ كَانَ لَهُمْ عِزٌّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَرْتَدُّوا فَأُقَاتِلَهُمْ ، قَالَ : مَا أُمِرْتُ فِيهِمْ بِشَيْءٍ ، فَنَزَلَتْ : لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ الْآيَاتِ .

فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا سَبَأٌ ؟ فَذَكَرَهُ . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْأَنْسَابِ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ . وَأَصْلُهُ قِصَّةُ سَبَأٍ .

وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ مُطَوَّلَةً فِي أَوَّلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ . وَأَخْرَجَ بَعْضَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَأَخْرَجَهَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ مُطَوَّلًا . قَوْلُهُ : مُعَاجِزِينَ مُسَابِقِينَ ، بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ ، مُعَاجِزِي مُسَابِقِي ، سَبَقُوا فَاتُوا ، لَا يَعْجِزُونَ لَا يَفُوتُونَ ، يَسْبِقُونَا يُعْجِزُونَا .

قَوْلُهُ : بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ وَمَعْنَى مُعَاجِزِينَ مُغَالِبِينَ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ ) أَمَّا قَوْلُهُ مُعَاجِزِينَ مُسَابِقِينَ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أَيْ مُسَابِقِينَ ، يُقَالُ : مَا أَنْتَ بِمُعْجِزِي أَيْ : سَابِقِي . وَهَذَا اللَّفْظُ أَيْ مُعَاجِزِينَ عَلَى إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْأَكْثَرِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ ، وَالْقِرَاءَةُ الْأُخْرَى لِابْنِ كَثِيرٍ ، وَأَبِي عَمْرٍو مُعْجِزِينَ بِالتَّشْدِيدِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ بِمَعْنَاهَا ، وَقِيلَ : مَعْنَى مُعَاجِزِينَ : مُعَانِدِينَ وَمُغَالِبِينَ ، وَمَعْنَى مُعْجِزِينَ : نَاسِبِينَ غَيْرَهُمْ إِلَى الْعَجْزِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : بِمُعْجِزِينَ فَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ : وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ : مُعَاجِزِي : مُسَابِقِي فَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ وَثَبَتَ عِنْدَهُمَا مُعَاجِزِينَ : مُغَالِبِينَ وَتَكَرَّرَ لَهُمَا بَعْدُ ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ بَقِيَّةُ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ كَمَا قَدَّمْتُهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : سَبَقُوا إِلَخْ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ فِي قَوْلِهِ : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا مَجَازُهُ فَاتُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ أَيْ : لَا يَفُوتُونَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : يَسْبِقُونَا فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا أَيْ يُعْجِزُونَا .

وَأَمَّا قَوْلُهُ : بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ فَكَذَا وَقَعَ مُكَرَّرًا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ ، وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : مُعَاجِزِينَ : مُغَالِبِينَ إِلَخْ . فَقَالَ الْفَرَّاءُ : مَعْنَاهُ : مُعَانِدِينَ .

وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : مُعَاجِزِينَ قَالَ : مُرَاغِمِينَ . وَكُلُّهَا بِمَعْنًى . قَوْلُهُ : ( مِعْشَارَ : عُشْرَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ أَيْ عُشْرَ مَا أَعْطَيْنَاهُمْ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الْمَعْنَى وَمَا بَلَغَ أَهْلُ مَكَّةَ مِعْشَارَ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْجِسْمِ وَالْوَلَدِ وَالْعَدَدِ ، وَالْمِعْشَارُ : الْعُشْرُ .

قَوْلُهُ : ( يُقَالُ الْأُكُلُ الثَّمَرَةُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ قَالَ : الْخَمْطُ : هُوَ كُلُّ شَجَرٍ ذِي شَوْكٍ ، وَالْأُكُلُ : الْجَنَى أَيْ بِفَتْحِ الْجِيمِ مَقْصُورٌ وَهُوَ بِمَعْنَى الثَّمَرَةِ . قَوْلُهُ : ( بَاعِدْ وَبَعِّدْ وَاحِدٌ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا مَجَازُهُ مَجَازُ الدُّعَاءِ ، وَقَرَأَهُ قَوْمٌ بَعِّدْ يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ . قُلْتُ : قِرَاءَةُ بَاعِدْ لِلْجُمْهُورِ ، وَقَرَأَهُ بَعِّدْ أَبُو عَمْرٍو ، وَابْنُ كَثِيرٍ ، وَهِشَامٌ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لا يَعْزُبُ لَا يَغِيبُ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ بِهَذَا . قَوْلُهُ : ( سَيْلَ الْعَرِمِ السُّدِّ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْحَمَوِيِّ الشَّدِيدُ بِمُعْجَمَةٍ وَزْنَ عَظِيمٍ . قَوْلُهُ : ( فَشَقَّهُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُعْجَمَةٍ قَبْلَ الْقَافِ الثَّقِيلَةِ ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَبَثَقَهُ بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ قَبْلَ الْقَافِ الْخَفِيفَةِ ، قَالَ : وَهُوَ الْوَجْهُ ، تَقُولُ : بَثَقْتَ النَّهْرَ إِذَا كَسَرْتَهُ لِتَصْرِفَهُ عَنْ مَجْرَاهُ .

قَوْلُهُ : ( فَارْتَفَعَتَا عَنِ الْجَنَبَتَيْنِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ فَوْقَانِيَّةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ نُونٌ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْحَمَوِيِّ بِتَشْدِيدِ النُّونِ بِغَيْرِ مُوَحَّدَةِ تَثْنِيَةُ جَنَّةٍ . وَاسْتُشْكِلَ هَذَا التَّرْتِيبُ لِأَنَّ السِّيَاقَ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ : ارْتَفَعَ الْمَاءُ عَلَى الْجَنَّتَيْنِ ، وَارْتَفَعَتِ الْجَنَّتَانِ عَنِ الْمَاءِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الِارْتِفَاعِ الزَّوَالُ أَيِ : ارْتَفَعَ اسْمُ الْجَنَّةِ مِنْهُمَا ، فَالتَّقْدِيرُ : فَارْتَفَعَتِ الْجَنَّتَانِ عَنْ كَوْنِهِمَا جَنَّتَيْنِ .

وَتَسْمِيَةُ مَا بُدِّلُوا بِهِ جَنَّتَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَكُنِ الْمَاءُ الْأَحْمَرُ مِنَ السُّدِّ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ ، وَلِلْمُسْتَمْلِيِّ مِنَ السَّيْلِ ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنَ السُّيُولِ . وَهَذَا الْأَثَرُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا وَقَالَ : السُّدُّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَقَالَ : فَشَقَّهُ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ الثَّقِيلَةِ ، وَقَالَ : عَلَى الْجَنَّتَيْنِ تَثْنِيَةُ جَنَّةٍ كَمَا لِلْأَكْثَرِ فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ ؛ الْعَرِمُ الْمُسَنَّاةُ بِلَحْنِ أَهْلِ الْيَمَنِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ . الْعَرِمُ الْوَادِي ) أَمَّا قَوْلُ عَمْرٍو فَوَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ وَهُوَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ فَذَكَرَهُ سَوَاءً ، وَاللَّحْنُ : اللُّغَةُ ، وَالْمُسَنَّاةُ : بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ ، وَضُبِطَ فِي أَصْلِ الْأَصِيلِيِّ ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : الْمُرَادُ بِهَا مَا يُبْنَى فِي عُرْضِ الْوَادِي لِيَرْتَفِعَ السَّيْلُ وَيَفِيضَ عَلَى الْأَرْضِ وَكَأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ عَرَامَةِ الْمَاءِ وَهُوَ ذَهَابُهُ كُلَّ مَذْهَبٍ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الْعَرِمُ الْمُسَنَّاةُ وَهِيَ مُسَنَّاةٌ كَانَتْ تَحْبِسُ الْمَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ مِنْهَا ، فَيُسَيِّبُونَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءَ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الْآخَرِ ، وَلَا يَنْفُذُ حَتَّى يَرْجِعَ الْمَاءُ السَّنَةَ الْمُقْبِلَةَ ، وَكَانُوا أَنْعَمَ قَوْمٍ ، فَلَمَّا أَعْرَضُوا عَنْ تَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَكَفَرُوا بَثَقَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الْمُسَنَّاةِ ، فَغَرِقَتْ أَرْضُهُمْ وَدَقَّتِ الرَّمْلُ بُيُوتَهُمْ وَمُزِّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ ، حَتَّى صَارَ تَمْزِيقُهُمْ عِنْدَ الْعَرَبِ مَثَلًا يَقُولُونَ : تَفَرَّقُوا أَيْدِيَ سَبَأٍ .

وَأَمَّا قَوْلُ غَيْرِهِ : فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : الْعَرِمُ اسْمُ الْوَادِي ، وَقِيلَ : الْعَرِمُ اسْمُ الْجُرَذِ الَّذِي خَرَّبَ السَّدَّ ، وَقِيلَ : هُوَ صِفَةُ السَّيْلِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَرَامَةِ ، وَقِيلَ : اسْمُ الْمَطَرِ الْكَثِيرِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : هُوَ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : سَيْلُ الْعَرِمِ وَاحِدَتُهَا عَرِمَةٌ ، وَهُوَ بِنَاءٌ يُحْبَسُ بِهِ الْمَاءُ يُبْنَى فَيُشْرَفُ بِهِ عَلَى الْمَاءِ فِي وَسَطِ الْأَرْضِ ، وَيُتْرَكُ فِيهِ سَبِيلٌ لِلسَّفِينَةِ ، فَتِلْكَ الْعَرِمَاتُ وَاحِدَتُهَا عَرِمَةٌ .

قَوْلُهُ : ( السَّابِغَاتُ الدُّرُوعُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ أَيْ دُرُوعًا وَاسِعَةً طَوِيلَةً . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يُجَازِي يُعَاقِبُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ قَالَ : هُوَ الْمُنَاقَشَةُ فِي الْحِسَابِ ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ ، وَهُوَ الْكَافِرُ لَا يُغْفَرُ لَهُ . ( تَنْبِيهٌ ) : قِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ جِهَةِ الْحَصْرِ فِي الْكُفْرِ ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الْكُفْرِ بِخِلَافِ ذَلِكَ .

وَمِثْلُهُ أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى وَقِيلَ : ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى وَقِيلَ : فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ وَقِيلَ : كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ وَقِيلَ : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْآيَةَ ، وَقِيلَ : آيَةُ الدَّيْنِ ، وَقِيلَ : وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ وَهَذَا الْأَخِيرُ نَقَلَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَقِبَ حَدِيثِ الْإِفْكِ ، وَفِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَوْلُهُ : ( أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ : بِطَاعَةِ اللَّهِ ، مَثْنَى وَفُرَادَى وَاحِدٍ وَاثْنَيْنِ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا . قَوْلُهُ : ( التَّنَاوُشُ : الرَّدُّ مِنَ الْآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ : ( وَأَنَّى لَهُمَا التَّنَاوُشُ ) قَالَ : رَدٌّ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ مِنَ الْآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا . وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ التَّمِيمِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ قَالَ : يَسْأَلُونَ الرَّدَّ ، وَلَيْسَ بِحِينِ رَدٍّ .

قَوْلُهُ : ( وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ : مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ ، وَلَمْ يَقُلْ . أَوْ زَهْرَةٍ . قَوْلُهُ : ( بِأَشْيَاعِهِمْ : بِأَمْثَالِهِمْ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ : كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ قَالَ : الْكُفَّارُ مِنْ قَبْلِهِمْ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَالْجَوَابِي كَالْجَوْبَةِ مِنَ الْأَرْضِ ) تَقَدَّمَ هَذَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ ، قِيلَ : الْجَوَابِي فِي اللُّغَةِ جَمْعُ جَابِيَةٍ وَهُوَ الْحَوْضُ الَّذِي يُجْبَى فِيهِ الشَّيْءُ أَيْ يُجْمَعُ ، وَأَمَّا الْجَوْبَةُ مِنَ الْأَرْضِ فَهِيَ الْمَوْضِعُ الْمُطْمَئِنُ فَلَا يَسْتَقِيمُ تَفْسِيرُ الْجَوَابِي بِهَا ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فَسَّرَ الْجَابِيَةَ بِالْجَوْبَةِ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ اشْتِقَاقَهُمَا وَاحِدٌ . قَوْلُهُ : ( الْخَمْطُ : الْأَرَاكُ ، وَالْأَثْلُ : الطَّرْفَاءُ ، الْعَرِمُ : الشَّدِيدُ ) سَقَطَ الْكَلَامُ الْأَخِيرُ لِلنَّسَفِيِّ ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا كُلِّهِ مُفَرَّقًا .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث