حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب قَوْلُهُ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا

سُورَةُ الزُّمَرِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ : يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ذِي عِوَجٍ : لَبْسٍ . وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ : صَالِحًا ، مَثَلٌ لِآلِهَتِهِمُ الْبَاطِلَةِ وَالْإِلَهِ الْحَقِّ .

وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينِ مِنْ دُونِهِ : بِالْأَوْثَانِ . خَوَّلْنَا : أَعْطَيْنَا . وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ : الْقُرْآنِ .

وَصَدَّقَ بِهِ : الْمُؤْمِنُ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ : هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ . مُتَشَاكِسُونَ : الرَّجُلُ الشَّكِسُ الْعَسِرُ لَا يَرْضَى بِالْإِنْصَافِ . وَرَجُلًا سَلَمًا وَيُقَالُ : سَالِمًا : صَالِحًا .

اشْمَأَزَّتْ : نَفَرَتْ بِمَفَازَتِهِمْ : مِنَ الْفَوْزِ . حَافِّينَ : أَطَافُوا بِهِ ، مُطِيفِينَ ( بِحِفَافِيهِ ) بِجَوَانِبِهِ . مُتَشَابِهًا : لَيْسَ مِنَ الِاشْتِبَاهِ .

وَلَكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي التَّصْدِيقِ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ الزُّمَرِ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يَتَّقِي بِوَجْهِهِ يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ قَالَ : وَيَقُولُ هِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ : أَفَمَنْ يُلْقَى إِلَخْ وَمُرَادُهُ بِالْمِثْلِيَّةِ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَحْذُوفًا ، وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ يُجَرُّ بِالْجِيمِ وَهُوَ الَّذِي فِي تَفْسِيرِ الْفِرْيَابِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَلِلْأَصِيلِيِّ وَحْدَهُ يَخِرُّ بِالْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ مِنْ فَوْقِ ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ تَمِيمٍ قَالَ : نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَبُو جَهْلٍ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّارٌ .

وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ قَالَ : يُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى النَّارِ مَكْتُوفًا ثُمَّ يُرْمَى بِهِ فِيهَا ، فَأَوَّلُ مَا يَمَسُّ وَجْهَهُ النَّارُ . وَذَكَرَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَنْ فِي قَوْلِهِ : ( أَفَمَنْ ) مَوْصُولَةٌ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أَهُوَ كَمَنْ أَمِنَ الْعَذَابَ . قَوْلُهُ : ذِي عِوَجٍ لَبْسٍ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، وَالطَّبَرِيُّ .

أَيْ لَيْسَ فِيهِ لَبْسٌ ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ لَبْسٌ يَسْتَلْزِمُ الْعِوَجَ فِي الْمَعْنَى . وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ ضَعِيفَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : غَيْرَ ذِي عِوَجٍ قَالَ : لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ . قَوْلُهُ : ( خَوَّلْنَا أَعْطَيْنَا ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ : وَإِذَا خَوَّلْنَاهُ قَالَ : أَعْطَيْنَاهُ .

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : كُلُّ مَالٍ أَعْطَيْتَهُ فَقَدْ خَوَّلْتَهُ . قَالَ أَبُو النَّجْمِ كُؤمُ الدرَى مِنْ خَوَلِ الْمُخَوَّلِ وَقَالَ زُهَيْرٌ هُنَالِكَ إِنْ يَسْتَخْوِلُوا الْمَالَ يُخَوَّلُوا . قَوْلُهُ : وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ الْقُرْآنِ ، وَصَدَّقَ بِهِ الْمُؤْمِنُ يَجِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ زَادَ النَّسَفِيُّ يَقُولُ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ : يَا أَبَا الْحَجَّاجِ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ قَالَ : هُمُ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِالْقُرْآنِ فَيَقُولُ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُمُونَا قَدْ عَمِلْنَا بِمَا فِيهِ .

وَوَصَلَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ قَالَ : هُمُ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بِالْقُرْآنِ قَدِ اتَّبَعُوهُ ، أَوْ قَالَ : اتَّبَعُوا مَا فِيهِ . وَأَمَّا قَتَادَةُ فَقَالَ : الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ النَّبِيُّ . وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ .

أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَصَدَّقَ بِهِ أَيْ صَدَّقَ بِالرَّسُولِ . وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ : الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ ، وَالصِّدْقُ الْقُرْآنُ ، وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

وَمِنْ طَرِيقِ أُسَيْدِ بْنِ صَفْوَانٍ ، عَنْ عَلِيٍّ : الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ ، وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ . وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ . وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ ، وَصَدَّقَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ .

قَوْلُهُ : وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ صَالِحًا ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ خَالِصًا ، وَسَقَطَتْ لِلنَّسَفِيِّ هَذِهِ اللَّفْظَةُ . زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ مَثَلًا لِآلِهَتِهِمُ الْبَاطِلِ وَالْإِلَهِ الْحَقِّ وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَلَفْظُهُ فِي قَوْلِهِ رَجُلًا سَالِمًا لِرَجُلٍ قَالَ : مَثَلُ آلِهَةِ الْبَاطِلِ وَمَثَلُ إِلَهِ الْحَقِّ ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرٌ آخَرُ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ : بِالْأَوْثَانِ سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ ، .

وَقَالَ ، عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ : قَالَ لِي رَجُلٌ : قَالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا أَوْ لَنَأْمُرَنَّهَا فَلَتُخْبِلَنَّكَ ، فَنَزَلَتْ : وَيُخَوِّفُونَكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : غَيْرُهُ مُتَشَاكِسُونَ الرَّجُلُ الشَّكِسُ الْعَسِرُ لَا يَرْضَى بِالْإِنْصَافِ . وَرَجُلا سَلَمًا وَيُقَالُ سَالِمًا : صَالِحًا ) سَقَطَ وَقَالَ غَيْرُهُ لِأَبِي ذَرٍّ فَصَارَ كَأَنَّهُ مِنْ بَقَايَا كَلَامِ مُجَاهِدٍ .

وَلِلنَّسَفِيِّ وَقَالَ بِغَيْرِ ذِكْرِ الْفَاعِلِ ، وَالصَّوَابُ مَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَهُوَ كَلَامُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : الشَّكِسُ : الْعَسِرُ لَا يَرْضَى بِالْإِنْصَافِ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ . وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ هُوَ مِنَ الرَّجُلِ الشَّكِسِ ، ( وَرَجُلًا سَالِمًا ) الرَّجُلُ سَالِمٌ وَسَلَمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مِنَ الصُّلَّحِ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَأَبُو عَمْرٍو سَالِمًا وَالْبَاقُونَ سَلَمًا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفِي الشَّوَاذِّ بِكَسْرِهِ ، وَهُمَا مَصْدَرَانِ وُصِفَ بِهِمَا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ وَاقِعٌ مَوْقِعَ اسْمِ الْفَاعِلِ وَهُوَ أَوْلَى لِيُوَافِقَ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى ، وَعَلَيْهِ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ الْمَذْكُورِ أَنَّهُمَا وَاحِدٌ أَيْ بِمَعْنًى .

وَقَوْلُهُ الشَّكِسُ بِكَسْرِ الْكَافِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا هُوَ السَّيِّئُ الْخُلُقِ ، وَقِيلَ : مَنْ كَسَرَ الْكَافَ فَتَحَ أَوَّلَهُ وَمَنْ سَكَّنَهَا كَسَرَ وَهُمَا بِمَعْنًى . قَوْلُهُ : اشْمَأَزَّتْ نَفَرَتْ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ : تَقُولُ الْعَرَبُ اشْمَأَزَّ قَلْبِي عَنْ فُلَانٍ أَيْ نَفَرَ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : اشْمَأَزَّتْ أَيْ نَفَرَتْ ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ : انْقَبَضَتْ . قَوْلُهُ : بِمَفَازَتِهِمْ مِنَ الْفَوْزِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ أَيْ بِنَجَاتِهِمْ وَهُوَ مِنَ الْفَوْزِ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ أَيْ : بِفَضَائِلِهِمْ .

قَوْلُهُ : حَافِّينَ أَطَافُوا بِهِ مُطِيفِينَ بِحِفَافِيهِ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَاءَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ بِجَانِبَيْهِ ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ ، وَالْأَصِيلِيِّ بِجَوَانِبِهِ ، وَلِلنَّسَفِيِّ بِحَافَّتِهِ بِجَوَانِبِهِ ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ ، وَهُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ طَافُوا بِهِ بِحِفَافِيهِ ، وَرِوَايَةُ الْمُسْتَمْلِيِّ بِالْمَعْنَى . قَوْلُهُ : مُتَشَابِهًا لَيْسَ مِنَ الِاشْتِبَاهِ وَلَكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي التَّصْدِيقِ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ مُتَشَابِهًا قَالَ : يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : كِتَابًا مُتَشَابِهًا قَالَ : يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، وَيَدُلُّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ .

وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوُهُ . وَقَوْلُهُ : مَثَانِيَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ مُتَشَابِهًا لِأَنَّ الْقِصَصَ الْمُتَكَرِّرَةَ تَكُونُ مُتَشَابِهَةٌ ، وَالْمَثَانِي جَمْعُ مَثْنَى بِمَعْنَى مُكَرَّرٍ ، لِمَا أُعِيدَ فِيهِ مِنْ قَصَصٍ وَغَيْرِهَا 1 - بَاب يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 4810 - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ يَعْلَى : إِنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا ، وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا ، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً . فَنَزَلَ : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَنَزَلَ : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ قَوْلُهُ ( بَابُ قَوْلِهِ : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الْآيَةَ ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا .

قَوْلُهُ : ( أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ ، قَالَ يَعْلَى ) أَيْ : قَالَ : قَالَ يَعْلَى - وَ قَالَ : تَسْقُطُ خَطًا وَتَثْبُتُ لَفْظًا ، وَيَعْلَى هَذَا هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ بِلَفْظِ أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ يَعْلَى وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجٍ هَذَا لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَهُمَا عَنْ يَعْلَى غَيْرُ مَنْسُوبٍ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ . وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِيهِ يَعْلَى بْنُ حَكِيمٌ وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِهِ ، وَلَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ يَعْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَيَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ بَصْرِيُّ الْأَصْلِ سَكَنَ مَكَّةَ مَشْهُورٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَبِرِوَايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ ، وَقَدْ رَوَى يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا .

قَوْلُهُ : ( لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ هُوَ وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ قَاتِلُ حَمْزَةَ وَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ نَزَلَتْ : إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا الْآيَةَ ، فَقَالَ : هَذَا شَرْطٌ شَدِيدٌ ، فَنَزَلَتْ : قُلْ يَا عِبَادِيَ الْآيَةَ . وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : اتَّعَدْتُ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ أَنْ نُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي قِصَّتِهِمْ وَرُجُوعِ رَفِيقِهِ فَنَزَلَتْ : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْآيَةَ قَالَ : فَكَتَبْتُ بِهَا إِلَى هِشَامٍ . قَوْلُهُ : ( وَنَزَلَ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ : فَقَالَ النَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَصَبْنَا مَا أَصَابَ وَحْشِيٌّ ، فَقَالَ : هِيَ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً .

وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَذِهِ الْآيَةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْآيَةَ . فَقَالَ رَجُلٌ : وَمَنْ أَشْرَكَ ؟ فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ : وَمَنْ أَشْرَكَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - وَاسْتُدِلَّ بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى غُفْرَانِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا سَوَاءٌ تَعَلَّقَتْ بِحَقِّ الْآدَمِيِّينَ أَمْ لَا ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا تُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ ، وَأَنَّهَا تُغْفَرُ لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ تَوْبَةٍ ، لَكِنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ إِذَا تَابَ صَاحِبُهَا مِنَ الْعَوْدِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَنْفَعُهُ التَّوْبَةُ مِنَ الْعَوْدِ ، وَأَمَّا خُصُوصُ مَا وَقَعَ مِنْهُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ رَدِّهِ لِصَاحِبِهِ أَوْ مُحَالَلَتِهِ مِنْهُ . نَعَمْ فِي سِعَةِ فَضْلِ اللَّهِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْرِضَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَنْ حَقِّهِ وَلَا يُعَذَّبَ الْعَاصِي بِذَلِكَ ، وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث