حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ

سُورَةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْزَارُهَا : آثَامُهَا . حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مُسْلِمٌ . عَرَفَهَا : بَيَّنَهَا .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَلِيُّهُمْ . عَزَمَ الْأَمْرُ : جَدَّ الْأَمْرُ . فَلَا تَهِنُوا : لَا تَضْعُفُوا .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَضْغَانَهُمْ : حَسَدَهُمْ . آسِنٍ : مُتَغَيِّرٍ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلِغَيْرِهِ : الَّذِينَ كَفَرُوا ، حَسْبُ .

قَوْلُهُ : أَوْزَارَهَا آثَامَهَا حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مُسْلِمٌ ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا قَالَ : حَتَّى لَا يَكُونَ شِرْكٌ ، قَالَ : وَالْحَرْبُ مَنْ كَانَ يُقَاتِلُهُ ، سَمَّاهُمْ حَرْبًا . قَالَ ابْنُ التِّينِ : لَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ غَيْرَ الْبُخَارِيِّ . وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَوْزَارِهَا السِّلَاحُ ، وَقِيلَ حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ انْتَهَى .

وَمَا نَفَاهُ قَدْ عَلِمَهُ غَيْرُهُ ؛ قَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ : هَذَا التَّفْسِيرُ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَرْبَ لَا آثَامَ لَهَا ، فَلَعَلَّهُ كَمَا قَالَ الْفَرَّاءُ : آثَامُ أَهْلِهَا ، ثُمَّ حَذَفَ وَأَبْقَى الْمُضَافَ إِلَيْهِ ، أَوْ كَمَا قَالَ النَّحَّاسُ : حَتَّى تَضَعَ أَهْلَ الْآثَامِ فَلَا يَبْقَى مُشْرِكٌ انْتَهَى . وَلَفْظُ الْفَرَّاءِ : الْهَاءُ فِي أَوْزَارِهَا لِأَهْلِ الْحَرْبِ أَيْ آثَامَهُمْ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى الْحَرْبِ وَالْمُرَادُ بِأَوْزَارِهَا سِلَاحُهَا انْتَهَى . فَجَعَلَ مَا ادَّعَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ احْتِمَالًا .

قَوْلُهُ : ( عَرَّفَهَا : بَيَّنَهَا ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : عَرَّفَهَا لَهُمْ بَيَّنَهَا لَهُمْ وَعَرَّفَهُمْ مَنَازِلَهُمْ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَلِيُّهُمْ ) كَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ لَهُ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا . قَوْلُهُ : فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ أَيْ جَدَّ الْأَمْرُ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ .

قَوْلُهُ : فَلا تَهِنُوا فَلَا تَضْعُفُوا ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ كَذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَضْغَانَهُمْ : حَسَدَهُمْ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ قَالَ : أَعْمَالَهُمْ ، خَبَثَهُمْ وَالْحَسَدَ . قَوْلُهُ : ( آسِنٌ : مُتَغَيِّرٌ ) كَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ هُنَا ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ السُّورَةِ .

قَوْلُهُ : ( آسِنٌ مُتَغَيِّرٌ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِثْلَهُ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ غَيْرُ مُنْتِنٍ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقٍ مُرْسَلٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاذٍ الْبَصْرِيِّ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا مَرْفُوعًا فِيهِ ذِكْرُ الْجَنَّةِ قَالَ : - أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ قَالَ : صَافٍ لَا كَدَرَ فِيهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

1- بَاب وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ 4830 - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتْ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ لَهُ : مَهْ ، قَالَتْ : هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ الْقَطِيعَةِ . قَالَ : أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ ؟ قَالَتْ : بَلَى يَا رَبِّ . قَالَ : فَذَاكِ .

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ قَوْلُهُ : بَابُ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ : قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالتَّشْدِيدِ وَيَعْقُوبُ بِالتَّخْفِيفِ . قَوْلُهُ : ( خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ ) أَيْ قَضَاهُ وَأَتَمَّهُ . قَوْلُهُ : ( قَامَتِ الرَّحِمُ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَالْأَعْرَاضُ يَجُوزُ أَنْ تَتَجَسَّدَ وَتَتَكَلَّمُ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفٍ أَيْ قَامَ مَلَكٌ فَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ ضَرْبِ الْمَثَلِ وَالِاسْتِعَارَةِ وَالْمُرَادُ تَعْظِيمُ شَأْنِهَا وَفَضْلُ وَاصِلِهَا وَإِثْمُ قَاطِعِهَا .

قَوْلُهُ : ( فَأَخَذَتْ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ مَفْعُولِ أَخَذَتْ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ بِحَقْوَيِ الرَّحْمَنِ بِالتَّثْنِيَةِ ، قَالَ الْقَابِسِيُّ : أَبَى أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ أَنْ يَقْرَأَ لَنَا هَذَا الْحَرْفَ لِإِشْكَالِهِ ، وَمَشَى بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى الْحَذْفِ فَقَالَ : أَخَذَتْ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : الْحَقْوُ مَعْقِدُ الْإِزَارِ ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُسْتَجَارُ بِهِ وَيُحْتَزَمُ بِهِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ ، لِأَنَّهُ مِنْ أَحَقِّ مَا يُحَامَى عَنْهُ وَيُدْفَعُ ، كَمَا قَالُوا نَمْنَعُهُ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا ، فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ مَجَازًا لِلرَّحِمِ فِي اسْتِعَاذَتِهَا بِاللَّهِ مِنَ الْقَطِيعَةِ انْتَهَى . وَقَدْ يُطْلَقُ الْحَقْوُ عَلَى الْإِزَارِ نَفْسِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ فَأَعْطَاهَا حَقْوَهُ فَقَالَ : أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ يَعْنِي إِزَارَهُ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا ، وَهُوَ الَّذِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ عِنْدَ الْإِلْحَاحِ فِي الِاسْتِجَارَةِ وَالطَّلَبِ ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا صَحِيحٌ مَعَ اعْتِقَادِ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْجَارِحَةِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : هَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ كَأَنَّهُ شَبَّهَ حَالَةَ الرَّحِمِ وَمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الِافْتِقَارِ إِلَى الصِّلَةِ وَالذَّبِّ عَنْهَا بِحَالِ مُسْتَجِيرٍ يَأْخُذُ بِحَقْوِ الْمُسْتَجَارِ بِهِ ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ مَا هُوَ لَازِمٌ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ مِنَ الْقِيَامِ فَيَكُونُ قَرِينَةً مَانِعَةً مِنْ إِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ ، ثُمَّ رُشِّحَتْ الِاسْتِعَارَةُ بِالْقَوْلِ وَالْأَخْذِ وَبِلَفْظِ الْحَقْوِ فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ أُخْرَى ، وَالتَّثْنِيَةُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالْيَدَيْنِ آكَدُ فِي الِاسْتِجَارَةِ مِنَ الْأَخْذِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ .

قَوْلُهُ : ( فَقَالَ لَهُ مَهْ ) هُوَ اسْمُ فِعْلٍ مَعْنَاهُ الزَّجْرُ أَيِ اكْفُفْ . وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ : هِيَ هُنَا مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ حُذِفَتْ أَلِفُهَا وَوُقِفَ عَلَيْهَا بِهَاءِ السَّكْتِ ، وَالشَّائِعُ أَنْ لَا يُفْعَلَ ذَلِكَ إِلَّا وَهِيَ مَجْرُورَةٌ ، لَكِنْ قَدْ سُمِعَ مِثْلُ ذَلِكَ فَجَاءَ عَنْ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ قَالَ : قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَلِأَهْلِهَا ضَجِيجٌ بِالْبُكَاءِ كَضَجِيجِ الْحَجِيجِ ، فَقُلْتُ : مَهْ ؟ فَقَالُوا . قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ ) هُوَ ابْنُ بِلَالٍ . قَوْلُهُ : ( هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ ) هَذِهِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْمَقَامِ أَيْ قِيَامِي فِي هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ هَذَا مَقَامُ عَائِذٍ مِنَ الْقَطِيعَةِ وَالْعَائِذُ الْمُسْتَعِيذُ ، وَهُوَ الْمُعْتَصِمُ بِالشَّيْءِ الْمُسْتَجِيرُ بِهِ .

قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : فَهَلْ عَسَيْتُمْ هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ الِاسْتِشْهَادَ مَوْقُوفٌ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَنْ رَفَعَهُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث