بَاب لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ سَمِعَ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ قَالَ : أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا . فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( أَنْبَأَنَا حَيْوَةُ ) هُوَ ابْنُ شُرَيْحٍ الْمِصْرِيُّ ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّوْفَلِيُّ الْمَعْرُوفُ بِيَتِيمِ عُرْوَةَ ، وَنِصْفُ هَذَا الْإِسْنَادِ مِصْرِيُّونَ وَنِصْفُهُ مَدَنِيُّونَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ .
قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ ) أَنْكَرَهُ الدَّاوُدِيُّ وَقَالَ : الْمَحْفُوظُ فَلَمَّا بَدَّنَ أَيْ كَبُرَ فَكَأَنَّ الرَّاوِيَ تَأَوَّلَهُ عَلَى كَثْرَةِ اللَّحْمِ انْتَهَى . وَتَعَقَّبَهُ أَيْضًا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَقَالَ : لَمْ يَصِفْهُ أَحَدٌ بِالسِّمَنِ أَصْلًا ، وَلَقَدْ مَاتَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا شَبِعَ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ ، وَأَحْسَبُ بَعْضَ الرُّوَاةِ لَمَّا رَأَى بَدَّنَ ظَنَّهُ كَثُرَ لَحْمُهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ بَدَّنَ تَبْدِينَا أَيْ أَسَنَّ ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ . قُلْتُ : وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ ، وَفِي اسْتِدْلَالِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ نَظَرٌ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُعْجِزَاتِ .
كَمَا فِي كَثْرَةِ الْجِمَاعِ وَطَوَافِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى تِسْعٍ وَإِحْدَى عَشْرَةَ مَعَ عَدَمِ الشِّبَعِ وَضِيقِ الْعَيْشِ ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ تَكْثِيرِ الْمَنِيِّ مَعَ الْجُوعِ وَبَيْنَ وُجُودِ كَثْرَةِ اللَّحْمِ فِي الْبَدَنِ مَعَ قِلَّةِ الْأَكْلِ ؟ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَثَقُلَ كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ جَالِسًا ، لَكِنْ يُمْكِنُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ ثَقُلَ أَيْ ثَقُلَ عَلَيْهِ حَمْلُ لَحْمِهِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لِدُخُولِهِ فِي السِّنِّ . قَوْلُهُ : ( صَلَّى جَالِسًا ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ) فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَامَ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ رَكَعَ أَخْرَجَاهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ أَبْوَابِ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ ، وَأَخْرَجَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهَا وَهُوَ قَائِمٌ ثُمَّ رَكَعَ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ إِنْسَانٌ أَرْبَعِينَ آيَةً ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ فِي صِفَةِ تَطَوُّعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِ وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ ، وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى حَالَتِهِ الْأُولَى قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي السِّنِّ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَالْبَحْثُ فِيهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَكَثِيرٌ مِنْ فَوَائِدِهِ أَيْضًا فِي آخِرِ أَبْوَابِ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ .