سُورَةُ وَالذَّارِيَاتِ
سُورَةُ والذَّارِيَاتِ قَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الذَّارِيَاتُ : الرِّيَاحُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : تَذْرُوهُ تُفَرِّقُهُ . ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ﴾تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ فِي مَدْخَلٍ وَاحِدٍ وَيَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ ، فَرَاغَ : فَرَجَعَ ، فَصَكَّتْ : فَجَمَعَتْ أَصَابِعَهَا ، فَضَرَبَتْ بِهِ جَبْهَتَهَا ، وَالرَّمِيمُ : نَبَاتُ الْأَرْضِ إِذَا يَبِسَ وَدَبَّسَ ، لَمُوسِعُونَ : أَيْ لَذُو سِعَةٍ ، وَكَذَلِكَ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ يَعْنِي الْقَوِيَّ ، زَوْجَيْنِ : الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، وَاخْتِلَافُ الْأَلْوَانِ : حُلْوٌ وَحَامِضٌ ، فَهُمَا زَوْجَانِ ، فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِ .
إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : خَلَقَهُمْ لِيَفْعَلُوا ، فَفَعَلَ بَعْضٌ ، وَتَرَكَ بَعْضٌ ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْقَدَرِ . وَالذَّنُوبُ : الدَّلْوُ الْعَظِيمُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ذَنُوبًا : سَبِيلًا . صَرَّةٍ : صَيْحَةٍ ، الْعَقِيمُ : الَّتِي لَا تَلِدُ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَالْحُبُكُ : اسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا . فِي غَمْرَةٍ فِي ضَلَالَتِهِمْ يَتَمَادُونَ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : تَوَاصَوْا تَوَاطَئُوا .
وَقَالَ غَيْرُهُ : مُسَوَّمَةً : مُعَلَّمَةً ، مِنَ السِّيمَا . قُتِلَ الإِنْسَانُ لُعِنَ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ وَالذَّارِيَاتِ .
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾) سَقَطَت ( سُورَةُ ) وَ( الْبَسْمَلَةُ ) لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَالْوَاوُ لِلْقَسَمِ ، وَالْفَاءَاتُ بَعْدَهَا عَاطِفَاتٌ مِنْ عَطْفِ الْمُتَغَايِرَاتِ وَهُوَ الظَّاهِرُ ، وَجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّهَا مِنْ عَطْفِ الصِّفَاتِ ، وَأَنَّ الْحَامِلَاتِ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ صِفَاتِ الرِّيحِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ عَلِيٌّ : الرِّيَاحُ ) كَذَا لَهُمْ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ ، وَقَالَ عَلِيٌّ : الذَّارِيَاتُ الرِّيَاحُ ، وَهُوَ عِنْدَ الْفِرْيَابِيِّ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ أَتَمَّ مِنْ هَذَا عَنِ ابْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ سَمِعْتُ أَبَا الطُّفَيْلِ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ الْكَوَّاءِ يَسْأَلُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنِ الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا قَالَ : الرِّيَاحُ ، وَعَنِ الْحَامِلَاتِ وِقْرًا ، قَالَ : السَّحَابُ ، وَعَنِ الْجَارِيَاتِ يُسْرًا ، قَالَ : السُّفُنُ ، وَعَنِ الْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا قَالَ : الْمَلَائِكَةُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ . وَابْنِ الْكَوَّاءِ بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ مَشْهُورٌ عَنْ عَلِيٍّ ، وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ ، وَقَدْ أَطْنَبَ الطَّبَرِيُّ فِي تَخْرِيجِ طُرُقِهِ إِلَى عَلِيٍّ ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ : شَهِدْتُ عَلِيًّا وَهُوَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ : سَلُونِي ، فَوَاللَّهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا حَدَّثْتُكُمْ بِهِ ، وَسَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ ، فَوَاللَّهِ مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ أَبِلَيْلٍ أُنْزِلَتْ أَمْ بِنَهَارٍ أَمْ فِي سَهْلٍ أَمْ فِي جَبَلٍ .
فَقَالَ ابْنُ الْكَوَّاءِ : وَأَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَلِيٍّ وَهُوَ خَلْفِي ، فَقَالَ : مَا الذَّارِيَاتُ ذَرْوًا ؟ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . وَقَالَ فِيهِ : وَيْلَكَ سَلْ تَفَقُّهًا وَلَا تَسْأَلْ تَعَنُّتًا وَفِيهِ سُؤَالُهُ عَنْ أَشْيَاءَ غَيْرِ هَذَا ، وَلَهُ شَاهِدٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ عَنْ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : تَذْرُوهُ تُفَرِّقُهُ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، قَالَ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ فِي قَوْلِهِ : تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ أَيْ تُفَرِّقُهُ ، ذَرَوْتُهُ وَأَذْرَيْتُهُ .
وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ الذَّارِيَاتِ : الرِّيَاحُ ، وَنَاسٌ يَقُولُونَ الْمُذَرَّيَاتُ ذَرَتْ وَأَذْرَتْ . قَوْلُهُ : ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ﴾تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ فِي مَدْخَلٍ وَاحِدٍ ، وَيَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ ) أَيِ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ . قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ يَعْنِي أَيْضًا آيَاتٍ ، إِنَّ أَحَدَكُمْ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مِنْ مَدْخَلٍ وَاحِدٍ وَيُخْرِجُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ ، ثُمَّ عَنَّفَهُمْ فَقَالَ : أَفَلا تُبْصِرُونَ وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : وَفِي أَنْفُسِكُمْ قَالَ : فِيمَا يَدْخُلُ مِنْ طَعَامِكُمْ وَمَا يَخْرُجُ ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُرَيْفِعِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، قَالَ : سَبِيلُ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ .
قَوْلُهُ : قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ أَيْ لُعِنُوا ، كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ قَالَ : لُعِنَ الْكَذَّابُونَ . وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ قَالَ : الْكَذَّابُونَ .
قَوْلُهُ : فَرَاغَ فَرَجَعَ ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ ، وَزَادَ : وَالرَّوْغُ وَإِنْ جَاءَ بِهَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّهُ لَا يُنْطَقُ بِهِ حَتَّى يَكُونَ صَاحِبُهُ لِذَهَابِهِ وَمَجِيئِهِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : ( فَرَاغَ ) أَيْ : عَدَلَ . قَوْلُهُ : فَصَكَّتْ فَجَمَعَتْ أَصَابِعَهَا فَضَرَبَتْ بِهِ جَبْهَتَهَا ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ جَمَعَتْ بِغَيْرِ فَاءٍ وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ .
وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : فَصَكَّتْ وَجْهَهَا قَالَ : ضَرَبَتْ بِيَدِهَا عَلَى جَبْهَتِهَا وَقَالَتْ يَا وَيْلَتَاهُ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : ضَرَبَتْ وَجْهَهَا عَجَبًا . وَمِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ : وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى جَبْهَتِهَا تَعَجُّبًا .
قَوْلُهُ : فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ مَنْ مَعَهُ ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ قَوْمِهِ ) هُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَثَبَتَ هَذَا هُنَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ . قَوْلُهُ : ( وَالرَّمِيمُ نَبَاتُ الْأَرْضِ إِذَا يَبِسَ وَدِيسَ ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ ، وَدِيسَ بِكَسْرِ الدَّالِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ مِنَ الدَّوْسِ وَهُوَ وَطْءُ الشَّيْءِ بِالْقَدَمِ حَتَّى يُفَتَّتَ ، وَمِنْهُ دِيَاسُ الْأَرْضِ ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : الرَّمِيمُ الشَّجَرُ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الرَّمِيمُ الْهَالِكُ .
قَوْلُهُ : لَمُوسِعُونَ أَيْ لَذُو سَعَةٍ ، وَكَذَلِكَ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ ) يَعْنِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ أَيْ مَنْ يَكُونُ ذَا سَعَةٍ ، قَالَ الْفَرَّاءُ : وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ أَيْ لَذُو سَعَةٍ لِخَلْقِنَا ، وَكَذَا قَوْلُهُ : عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ يَعْنِي الْقَوِيَّ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ : وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ قَالَ : أَنْ نَخْلُقَ سَمَاءً مِثْلَهَا . قَوْلُهُ : زَوْجَيْنِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَاخْتِلَافُ الْأَلْوَانِ حُلْوٌ وَحَامِضٌ فَهُمَا زَوْجَانِ ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا ، وَلَفْظُهُ : الزَّوْجَانِ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، وَمِنْ سِوَى ذَلِكَ اخْتِلَافُ أَلْوَانِ النَّبَاتِ وَطُعُومِ الثِّمَارِ بَعْضٌ حُلْوٌ وَبَعْضٌ حَامِضٌ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ مَعْنَاهُ .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ قَالَ : الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ ، وَالشَّقَاوَةُ وَالسَّعَادَةُ ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالَةُ ، وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، وَالسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ . قَوْلُهُ : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِ ) أَيْ مِنْ مَعْصِيَتِهِ إِلَى طَاعَتِهِ أَوْ مِنْ عَذَابِهِ إِلَى رَحْمَتِهِ ، هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا . قَوْلُهُ : إِلا لِيَعْبُدُونِ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ﴾مَا خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ ، هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ ، وَنَصَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي مُشْكِلِ الْقُرْآنِ لَهُ .
وَسَبَبُ الْحَمْلِ عَلَى التَّخْصِيصِ وُجُودُ مَنْ لَا يَعْبُدُهُ ، فَلَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَوَقَعَ التَّنَافِي بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ بَعْضُهُمْ : خَلَقَهُمْ لِيَفْعَلُوا ، فَفَعَلَ بَعْضٌ وَتَرَكَ بَعْضٌ ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْقَدَرِ ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا ، وَحَاصِلُ التَّأْوِيلَيْنِ أَنَّ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ مُرَادٌ بِهِ الْخُصُوصَ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُ السَّعَادَةِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، وَالثَّانِي بَاقٍ عَلَى عُمُومِهِ ، لَكِنْ بِمَعْنَى الِاسْتِعْدَادِ ، أَيْ خَلَقَهُمْ مُعَدِّينَ لِذَلِكَ ، لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ أَطَاعَ وَمِنْهُمْ مَنْ عَصَى ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمُ : الْإِبِلُ مَخْلُوقَةٌ لِلْحَرْثِ ، أَيْ قَابِلَةٌ لِذَلِكَ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَا لَا يَحْرُثُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْقَدَرِ فَيُرِيدُ الْمُعْتَزِلَةَ ، لِأَنَّ مُحَصَّلَ الْجَوَابِ : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَلْقِ خَلْقُ التَّكْلِيفِ لَا خَلْقُ الْجِبِلَّةِ ، فَمَنْ وَفَّقَهُ عَمِلَ لِمَا خُلِقَ لَهُ وَمَنْ خَذَلَهُ خَالَفَ ، وَالْمُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ ، وَالْجَوَابُ : أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ مُعَلَّلًا بِشَيْءٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُرَادًا وَأَنْ لَا يَكُونَ غَيْرُهُ مُرَادًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْقَدَرِ أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهَا عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مَعْلُولَةً ، فَقَالَ : لَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِ التَّعْلِيلِ فِي مَوْضِعِ وُجُوبِ التَّعْلِيلِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِجَوَازِ التَّعْلِيلِ لَا بِوُجُوبِهِ ، أَوْ لِأَنَّهُمُ احْتَجُّوا بِهَا عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُمْ لِإِسْنَادِ الْعِبَادَةِ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ : لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِسْنَادَ مِنْ جِهَةِ الْكَسْبِ ، وَفِي الْآيَةِ تَأْوِيلَاتٌ أُخْرَى يَطُولُ ذِكْرُهَا .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : خَلَقَهُمْ لِلْعِبَادَةِ ، فَمِنَ الْعِبَادَةِ مَا يَنْفَعُ وَمِنْهَا مَا لَا يَنْفَعُ . قَوْلُهُ : ( وَالذَّنُوبُ : الدَّلْوُ الْعَظِيمُ ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ لَكِنْ قَالَ : الْعَظِيمَةُ وَزَادَ : وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تَذْهَبُ بِهَا إِلَى الْحَظِّ وَالنَّصِيبِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الذَّنُوبُ : النَّصِيبُ ، وَأَصْلُهُ مِنَ الدَّلْوِ ، وَالذَّنُوبُ وَالسَّجْلُ وَاحِدٌ ، وَالسَّجْلُ أَقَلُّ مِلْأً مِنَ الدَّلْوِ قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ذَنُوبًا سَبِيلًا ) وَقَعَ هَذَا مُؤَخَّرًا عَنِ الَّذِي بَعْدَهُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَالَّذِي عِنْدَهُ أَوْلَى ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ قَالَ : سَجْلًا مِنَ الْعَذَابِ مِثْلَ عَذَابِ أَصْحَابِهِمْ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا قَالَ : سَبِيلًا .
قَالَ : وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سَجْلًا ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ مِثْلُهُ ، وَأَنْشَدَ عَلَيْهِ شَاهِدًا . قَوْلُهُ : صَرَّةٍ صَيْحَةٌ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ .
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : ( صَرَّةٌ ) شِدَّةُ صَوْتٍ ، يُقَالُ : أَقْبَلَ فُلَانٌ يَصْطَرُّ ، أَيْ يُصَوِّتُ صَوْتًا شَدِيدًا . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : أَقْبَلَتْ تَرِنُّ . قَوْلُهُ : ( الْعَقِيمُ الَّتِي لَا تَلِدُ ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ وَلَا تُلَقَّحُ شَيْئًا أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ : الْعَقِيمُ الَّتِي لَا تَلِدُ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : الْعَقِيمُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ خُصَيْفٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الرِّيحُ الْعَقِيمُ الَّتِي لَا تُلْقِحُ شَيْئًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَالْحُبُكُ اسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ .
وَأَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ لِأَنَّ سَمَاعَ الثَّوْرِيِّ مِنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ كَانَ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ . وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ذَاتِ الْحُبُكِ قَالَ : ذَاتُ الْخَلْقِ الْحَسَنِ .
وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : حُبِكَتْ بِالنُّجُومِ . وَمِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ : سُئِلَ عِكْرِمَةُ عَنْ قَوْلِهِ : ذَاتِ الْحُبُكِ قَالَ : ذَاتُ الْخَلْقِ الْحَسَنِ ، أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّسَّاجِ إِذَا نَسَجَ الثَّوْبُ ، قَالَ : مَا أَحْسَنَ مَا حَبَكَهُ . قَوْلُهُ : فِي غَمْرَةٍ فِي ضَلَالَتِهِمْ يَتَمَادُونَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ فِي غَمْرَتِهِمْ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِوُقُوعِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ ، لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي ضَلَالَتِهِمْ يُؤَيِّدُ الثَّانِي ، وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ كَذَلِكَ هُنَا لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْكَلِمَةِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ ﴾قَالَ : فِي ضَلَالَتِهِمْ يَتَمَادُونَ .
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ فِي صَلَاتِهِمْ أَوْ ضَلَالَتِهِمْ بِالشَّكِّ ، وَالْأَوَّلُ تَصْحِيفٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : تَوَاصَوْا بِهِ تَوَاطَئُوا ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : أَتَوَاصَوْا بِهِ تَوَاطَئُوا عَلَيْهِ وَأَخَذَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ، وَإِذَا كَانَتْ شِيمَةٌ غَالِبَةٌ عَلَى قَوْمٍ قِيلَ : كَأَنَّمَا تَوَاصَوْا بِهِ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : هَلْ أَوْصَى الْأَوَّلُ الْآخِرَ مِنْهُمْ بِالتَّكْذِيبِ ؟ قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : مُسَوَّمَةً مُعَلَّمَةً مِنَ السِّيمَا ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَوَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : مُسَوَّمَةً قَالَ : مُعَلَّمَةً .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : مُسَوَّمَةً قَالَ : مَخْتُومَةً بِلَوْنٍ أَبْيَضَ وَفِيهِ نُقْطَةٌ سَوْدَاءُ وَبِالْعَكْسِ . قَوْلُهُ : قُتِلَ الإِنْسَانُ لُعِنَ ) سَقَطَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قُتِلَ بِلُعِنَ فِي أَوَائِلِ السُّورَةِ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ : قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ قَالَ : هِيَ مِثْلُ الَّتِي فِي عَبَسَ : قُتِلَ الإِنْسَانُ ( تَنْبِيهٌ ) : لَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ فِي هَذِهِ السُّورَةِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا ، وَيَدْخُلُ فِيهَا عَلَى شَرْطِهِ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ .