حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ

سُورَةُ الْمُمْتَحِنَةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لَا تُعَذِّبْنَا بِأَيْدِيهِمْ . فَيَقُولُونَ : لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ عَلَى الْحَقِّ مَا أَصَابَهُمْ هَذَا . بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ : أُمِرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفِرَاقِ نِسَائِهِمْ .

كُنَّ كَوَافِرَ بِمَكَّةَ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ الْمُمْتَحِنَةِ ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِجَمِيعِهِمْ ، وَالْمَشْهُورُ فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ فَتْحُ الْحَاءِ ، وَقَدْ تُكْسَرُ وَبِهِ جَزَمَ السُّهَيْلِيُّ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ هِيَ صِفَةُ الْمَرْأَةِ الَّتِي نَزَلَتِ السُّورَةُ بِسَبَبِهَا ، وَالْمَشْهُورُ فِيهَا أَنَّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَقِيلَ : سَعِيدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ ، وَقِيلَ : أُمَيْمَةُ بِنْتُ بِشْرٍ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، كَمَا سَيَأْتِي إِيضَاحُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ . وَمَنْ كَسَرَ جَعَلَهَا صِفَةً لِلسُّورَةِ كَمَا قِيلَ لِبَرَاءَةٌ : الْفَاضِحَةُ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لَا تُعَذِّبْنَا بِأَيْدِيهِمْ . . إِلَخْ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ بِلَفْظِهِ وَزَادَ وَلَا بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِكَ . وَزَادَ فِي آخِرِهِ : مَا أَصَابَهُمْ مِثْلُ هَذَا .

وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ شَبَابَةَ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ كَذَلِكَ ، فَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِثْلَ هَذَا مِنْ طَرِيقِ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، فَزَادَ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَمَا أَظُنُّ زِيَادَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ إِلَّا وَهْمًا لِاتِّفَاقِ أَصْحَابِ وَرْقَاءَ عَلَى عَدَمِ ذِكْرِهِ . وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لَا تُسَلِّطْهُمْ عَلَيْنَا فَيَفْتِنُونَا وَهَذَا بِخِلَافِ تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ ، وَفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِمَا قُلْتُهُ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا قَالَ : لَا تُظْهِرْهُمْ عَلَيْنَا فَيَفْتِنُونَا ، يَرَوْنَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا ظَهَرُوا عَلَيْنَا بِحَقِّهِمْ ، وَهَذَا يُشْبِهُ تَأْوِيلَ مُجَاهِدٍ .

قَوْلُهُ : ( بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ : أُمِرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفِرَاقِ نِسَائِهِمْ كُنَّ كَوَافِرَ بِمَكَّةَ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ أَيْضًا ، وَلَفْظُهُ أُمِرَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِطَلَاقِ نِسَائِهِمْ كَوَافِرَ بِمَكَّةَ قَعَدْنَ مَعَ الْكُفَّارِ ، وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْمَرْأَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَلْحَقُ بِالْمُشْرِكِينَ فَتَكْفُرُ فَلَا يُمْسِكُ زَوْجُهَا بِعِصْمَتِهَا قَدْ بَرِئَ مِنْهَا . انْتَهَى . وَالْكَوَافِرُ : جَمْعُ كَافِرَةٍ ، وَالْعِصَمُ : جَمْعُ عِصْمَةٍ .

وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ الْفَارِسِيِّ : قَالَ لِي الْكَرْخِيُّ : الْكَوَافِرُ فِي الْآيَةِ يَشْمَلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ ، قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ : النُّحَاةُ لَا يُجِيزُونَ هَذَا إِلَّا فِي الْنِّسَاءِ جَمْعُ كَافِرَةٍ ، قَالَ : أَلَيْسَ يُقَالُ طَائِفَةٌ كَافِرَةٌ انْتَهَى . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَافِرَةٌ وَصْفًا لِلرِّجَالِ إِلَّا مَعَ ذِكْرِ الْمَوْصُوفِ ، فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

1 - بَاب لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ 4890 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَافِعٍ كَاتِبَ عَلِيٍّ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَالزُّبَيْرَ ، وَالْمِقْدَادَ ، فَقَالَ : انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا ، فَذَهَبْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ ، فَقُلْنَا : أَخْرِجِي الْكِتَابَ ، فَقَالَتْ : مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ ، فَقُلْنَا : لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا فَأَتَيْنَا بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا فِيهِ : مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ . . مِمَّنْ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا هَذَا يَا حَاطِبُ ؟ قَالَ : لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِنْ قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِمَكَّةَ ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي مِنْ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَصْطَنِعَ إِلَيْهِمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي ، وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ ، فَقَالَ عُمَرُ : دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ ، فَقَالَ : إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا ، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ . قَالَ عَمْرٌو : وَنَزَلَتْ فِيهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ قَالَ : لَا أَدْرِي الْآيَةَ فِي الْحَدِيثِ أَوْ قَوْلُ عَمْرٍو .

، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ : قِيلَ لِسُفْيَانَ : فِي هَذَا فَنَزَلَتْ لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ . . الْآيَةَ ؟ قَالَ سُفْيَانُ : هَذَا فِي حَدِيثِ النَّاسِ ، حَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍو ، مَا تَرَكْتُ مِنْهُ حَرْفًا ، وَمَا أُرَى أَحَدًا حَفِظَهُ غَيْرِي . قَوْلُهُ : بَابُ : لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَالْعَدُوُّ لَمَّا كَانَ بِزِنَةِ الْمَصَادِرِ وَقَعَ عَلَى الْوَاحِدِ فَمَا فَوْقَهُ .

وَقَوْلُهُ : تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ - تَفْسِيرٌ لِلْمُوَالَاةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا أَوْ صِفَةً ، وَفِيهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُمْ نُهُوا عَنِ اتِّخَاذِهِمْ أَوْلِيَاءَ مُطْلَقًا ، وَالتَّقْيِيدُ بِالصِّفَةِ أَوِ الْحَالِ يُوهِمُ الْجَوَازَ عِنْدَ انْتِفَائِهِمَا ، لَكِنْ عُلِمَ بِالْقَوَاعِدِ الْمَنْعُ مُطْلَقًا فَلَا مَفْهُومَ لَهُمَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْوِلَايَةُ تَسْتَلْزِمُ الْمَوَدَّةَ ، فَلَا تَتِمُّ الْوِلَايَةُ بِدُونِ الْمَوَدَّةِ فَهِيَ حَالٌ لَازِمَةٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ) أَيِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ .

قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ ) بِمُعْجَمَتَيْنِ ، وَمَنْ قَالَهَا بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ فَقَدْ صَحَّفَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي بَابِ الْجَاسُوسِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ وَفِي أَوَّلِ غَزْوَةِ الْفَتْحِ . قَوْلُهُ : ( لَنلْقِيَنَّ ) كَذَا فِيهِ ، وَالْوَجْهُ حَذْفُ التَّحْتَانِيَّةِ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا أُثْبِتَتْ لِمُشَاكَلَةِ لَتُخْرِجِنَّ . قَوْلُهُ : ( كُنْتُ امْرَأً مِنْ قُرَيْشٍ ) أَيْ : بِالْحِلْفِ ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ .

قَوْلُهُ : ( كُنْتُ امْرَأً مِنْ قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) لَيْسَ هَذَا تَنَاقُضًا ، بَلْ أَرَادَ أَنَّهُ مِنْهُمْ بِمَعْنَى أَنَّهُ حَلِيفُهُمْ ، وَقَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ : حَلِيفُ الْقَوْمِ مِنْهُمْ وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ لِإِثْبَاتِ الْمَجَازِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ ) بِتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ : قَالَ الصِّدْقُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ عُمَرُ : دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ ) إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عُمَرُ مَعَ تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَاطِبٍ فِيمَا اعْتَذَرَ بِهِ لِمَا كَانَ عِنْدَ عُمَرَ مِنَ الْقُوَّةِ فِي الدِّينِ وَبُغْضِ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى النِّفَاقِ ، وَظَنَّ أَنَّ مَنْ خَالَفَ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَحَقَّ الْقَتْلَ ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِذَلِكَ فَلِذَلِكَ اسْتَأْذَنَ فِي قَتْلِهِ ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ مُنَافِقًا لِكَوْنِهِ أَبْطَنَ خِلَافَ مَا أَظْهَرَ ، وَعُذْرُ حَاطِبٍ مَا ذَكَرَهُ ، فَإِنَّهُ صَنَعَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا أَنْ لَا ضَرَرَ فِيهِ .

وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ : أَلَيْسَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا ؟ قَالَ : بَلَى ، وَلَكِنَّهُ نَكَثَ وَظَاهَرَ أَعْدَاءَكَ عَلَيْكَ . قَوْلُهُ ( فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ ) أَرْشَدَ أَنَّ عِلَّةَ تَرْكِ قَتْلِهِ بِأَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا فَكَأَنَّهُ قِيلَ : وَهَلْ يُسْقِطُ عَنْهُ شُهُودُهُ بَدْرًا هَذَا الذَّنْبَ الْعَظِيمَ ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ وَمَا يُدْرِيكَ . . إِلَخْ .

قَوْلُهُ : ( لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ ) هَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِصِيغَةِ التَّرَجِّي ، وَهُوَ مِنَ اللَّهِ وَاقِعٌ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي بَابِ فَضْلِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي . قَوْلُهُ : ( اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ ) كَذَا فِي مُعْظَمِ الطُّرُقِ ، وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ فَإِنِّي غَافِرٌ لَكُمْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ غَفَرْتُ أَيْ أَغْفِرُ ، عَلَى طَرِيقِ التَّعْبِيرِ عَنِ الْآتِي بِالْوَاقِعِ مُبَالَغَةً فِي تَحَقُّقِهِ . وَفِي مَغَازِي ابْنِ عَائِذٍ مِنْ مُرْسَلِ عُرْوَةَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَسَأَغْفِرُ لَكُمْ ، وَالْمُرَادُ غُفْرَانُ ذُنُوبِهِمْ فِي الْآخِرَةِ ، وَإِلَّا فَلَوْ وَجَبَ عَلَى أَحَدِهِمْ حَدٌّ مَثَلًا لَمْ يَسْقُطْ فِي الدُّنْيَا .

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : لَيْسَ هَذَا عَلَى الِاسْتِقْبَالِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْمَاضِي ، تَقْدِيرُهُ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ أَيَّ عَمَلٍ كَانَ لَكُمْ فَقَدْ غُفِرَ ، قَالَ : لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْمُسْتَقْبَلِ كَانَ جَوَابُهُ فَسَأَغْفِرُ لَكُمْ ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ إِطْلَاقًا فِي الذُّنُوبِ وَلَا يَصِحُّ ، وَيُبْطِلُهُ أَنَّ الْقَوْمَ خَافُوا مِنَ الْعُقُوبَةِ بَعْدُ حَتَّى كَانَ عُمَرُ يَقُولُ : يَا حُذَيْفَةُ ، بِاللَّهِ هَلْ أَنَا مِنْهُمْ ؟ وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ اعْمَلُوا صِيغَةُ أَمْرٍ وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ لِلِاسْتِقْبَالِ ، وَلَمْ تَضَعِ الْعَرَبُ صِيغَةَ الْأَمْرِ لِلْمَاضِي لَا بِقَرِينَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَعْنَى الْإِنْشَاءِ وَالِابْتِدَاءِ ، وَقَوْلُهُ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ يُحْمَلُ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمَاضِي ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْإِيجَابِ فَتَعَيَّنَ لِلْإِبَاحَةِ . قَالَ : وَقَدْ ظَهَرَ لِي أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ خِطَابُ إِكْرَامٍ وَتَشْرِيفٍ ، تَضَمَّنَ أَنَّ هَؤُلَاءِ حَصَلَتْ لَهُمْ حَالَةٌ غُفِرَتْ بِهَا ذُنُوبُهُمُ السَّالِفَةُ ، وَتَأَهَّلُوا أَنْ يُغْفَرَ لَهُمْ مَا يُسْتَأْنَفُ مِنَ الذُّنُوبِ اللَّاحِقَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الصَّلَاحِيَّةِ لِلشَّيْءِ وُقُوعُهُ . وَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ صِدْقَ رَسُولِهِ فِي كُلِّ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا عَلَى أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى أَنْ فَارَقُوا الدُّنْيَا ، وَلَوْ قُدِّرَ صُدُورُ شَيْءٍ مِنْ أَحَدِهِمْ لَبَادَرَ إِلَى التَّوْبَةِ وَلَازَمَ الطَّرِيقَ الْمُثْلَى .

وَيَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ بِالْقَطْعِ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى سِيَرِهِمُ انْتَهَى . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ أَيْ : ذُنُوبُكُمْ تَقَعُ مَغْفُورَةً ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ ذَنْبٌ . وَقَدْ شَهِدَ مِسْطَحٌ بَدْرًا وَوَقَعَ فِي حَقِّ عَائِشَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ ، فَكَأَنَّ اللَّهَ لِكَرَامَتِهِمْ عَلَيْهِ بَشَّرَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ أَنَّهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ وَلَوْ وَقَعَ مِنْهُمْ مَا وَقَعَ .

وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ مَبَاحِثِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الصِّيَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَنَذْكُرُ بَقِيَّةَ شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( قَالَ عَمْرٌو ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : وَنَزَلَتْ فِيهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ سَقَطَ أَوْلِيَاءَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ .

قَوْلُهُ : ( قَالَ : لَا أَدْرِي . . الْآيَةُ فِي الْحَدِيثِ ، أَوْ قَوْلُ عَمْرٍو ) هَذَا الشَّكُّ مِنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كَمَا سَأُوَضِّحُهُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَلِيٌّ ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ( قَالَ : قِيلَ لِسُفْيَانَ : فِي هَذَا فَنَزَلَتْ : لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ الْآيَةَ ؟ قَالَ سُفْيَانُ : هَذَا فِي حَدِيثِ النَّاسِ ) يَعْنِي هَذِهِ الزِّيَادَةَ ، يُرِيدُ الْجَزْمَ بِرَفْعِ هَذَا الْقَدْرِ .

قَوْلُهُ : ( حَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍو ، مَا تَرَكْتُ مِنْهُ حَرْفًا ، وَمَا أَرَى أَحَدًا حَفِظَهُ غَيْرِي ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَمْ يَكُنْ سُفْيَانُ يَجْزِمُ بِرَفْعِهَا وَقَدْ أَدْرَجَهَا عَنْهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ ، فَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قَالَ : وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ ، وَعَمْرٍو النَّاقِدِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، وَالْفَضْلِ بْنِ الصَّبَّاحِ ، وَالنَّسَائِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ ، وَاسْتُدِلَّ بِاسْتِئْذَانِ عُمَرَ عَلَى قَتْلِ حَاطِبٍ لِمَشْرُوعِيَّةِ قَتْلِ الْجَاسُوسِ وَلَوْ كَانَ مُسْلِمًا ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّ عُمَرَ عَلَى إِرَادَةِ الْقَتْلِ لَوْلَا الْمَانِعُ ، وَبَيَّنَ الْمَانِعَ هُوَ كَوْنُ حَاطِبٍ شَهِدَ بَدْرًا ، وَهَذَا مُنْتَفٍ في غَيْرِ حَاطِبٍ ، فَلَوْ كَانَ الْإِسْلَامُ مَانِعًا مِنْ قَتْلِهِ لَمَا عَلَّلَ بِأَخَصَّ مِنْهُ . وَقَدْ بَيَّنَ سِيَاقُ عَلِيٌّ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُدْرَجَةٌ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، وَبَيَّنَ أَنَّ تِلَاوَةَ الْآيَةِ مِنْ قَوْلِ سُفْيَانَ .

وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَلِيٍّ الْجَزْمُ بِذَلِكَ ، لَكِنَّهُ مِنْ أَحَدِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ الْكُوفِيِّ أَحَدِ التَّابِعِينَ ، وَبِهِ جَزَمَ إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسِيرَ إِلَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَتَبَ إِلَيْهِمْ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ يُحَذِّرُهُمْ . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، إِلَى أَنْ قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ الْقُرْآنَ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ الْآيَةَ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ أَيْضًا : قَالَ عَمْرٌو ، أَيِ ابْنُ دِينَارٍ : وَقَدْ رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي رَافِعٍ ، وَكَانَ كَاتِبًا لِعَلِيٍّ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث