حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب قَوْلُهُ هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا

بَاب قَوْلُهُ : هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا يَنْفَضُّوا : يَتَفَرَّقُوا باب : وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ 4906 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : حَزِنْتُ عَلَى مَنْ أُصِيبَ بِالْحَرَّةِ ، فَكَتَبَ إِلَيَّ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ - وَبَلَغَهُ شِدَّةُ حُزْنِي - يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ . وَشَكَّ ابْنُ الْفَضْلِ فِي أَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ ، فَسَأَلَ أَنَسًا بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَقَالَ : هُوَ الَّذِي يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، هَذَا الَّذِي أَوْفَى اللَّهُ لَهُ بِأُذُنِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ : هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا كَذَا لَهُمْ ، وَزَادَ أَبُو ذَرٍّ : الْآيَةَ .

قَوْلُهُ : ( يَنْفَضُّوا : يَتَفَرَّقُوا ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : حَتَّى يَنْفَضُّوا : حَتَّى يَتَفَرَّقُوا . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ سَبَبُ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ أَصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ : لَا تُنْفِقُوا . الْآيَةَ فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ : لَا تُنْفِقُوا كَانَ سَبَبُهُ الشِّدَّةُ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ ، وَقَوْلُهُ : لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ سَبَبُهُ مُخَاصَمَةُ الْمُهَاجِرِيِّ وَالْأَنْصَارِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ .

قَوْلُهُ : ( الْكَسْعُ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدِكَ عَلَى شَيْءٍ أَوْ بِرِجْلِكَ ، وَيَكُونُ أَيْضًا إِذَا رَمَيْتَهُ بِسُوءٍ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ ، وَحَقُّ هَذَا أَنْ يُذْكَرَ قَبْلَ الْبَابِ أَوْ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ ، لِأَنَّ الْكَسْعَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : الْكَسْعُ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدِكَ عَلَى دُبُرِ شَيْءٍ أَوْ بِرِجْلِكَ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : أَنْ تَضْرِبَ عَجُزَ إِنْسَانٍ بِقَدَمِكَ ، وَقِيلَ : الضَّرْبُ بِالسَّيْفِ عَلَى الْمُؤَخَّرِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ : كَسَعَ الْقَوْمَ ضَرَبَ أَدْبَارَهُمْ بِالسَّيْفِ ، وَكَسَعَ الرَّجُلَ ضَرَبَ دُبُرَهُ بِظَهْرِ قَدَمِهِ ، وَكَذَا إِذَا تَكَلَّمَ فَأَثَّرَ كَلَامُهُ بِمَا سَاءَهُ ، وَنَحْوُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَزْهَرِيِّ .

قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ ) ؛ أَيِ ابْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ ، تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ ، مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ الرَّاوِي عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( حَزِنْتُ عَلَى مَنْ أُصِيبَ بِالْحَرَّةِ ) هُوَ بِكَسْرِ الزَّايِ مِنَ الْحُزْنِ ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ : مِنْ قَوْمِي ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ الْحَرَّةِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ ، وَسَبَبُهَا أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ خَلَعُوا بَيْعَةَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لَمَّا بَلَغَهُمْ مَا يَتَعَمَّدُهُ مِنَ الْفَسَادِ ، فَأَمَّرَ الْأَنْصَارُ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ ، وَأَمَّرَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ الْعَدَوِيَّ ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ الْمُرِّيَّ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ فَهَزَمَهُمْ وَاسْتَبَاحُوا الْمَدِينَةَ وَقَتَلُوا ابْنَ حَنْظَلَةَ ، وَقُتِلَ مِنْ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا .

وَكَانَ أَنَسٌ يَوْمَئِذٍ بِالْبَصْرَةِ ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَحَزِنَ عَلَى مَنْ أُصِيبَ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ - وَكَانَ يَوْمَئِذٍ بِالْكُوفَةِ - يُسَلِّيهِ ، وَمُحَصَّلُ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَصِيرُ إِلَى مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَا يَشْتَدُّ الْحُزْنُ عَلَيْهِ ، فَكَانَ ذَلِكَ تَعْزِيَةً لِأَنَسٍ فِيهِمْ . قَوْلُهُ : ( وَشَكَّ ابْنُ الْفَضْلِ فِي أَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ ) رَوَاهُ النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مَرْفُوعًا : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ . وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يُعَزِّيهِ فِيمَنْ أُصِيبَ مِنْ أَهْلِهِ وَبَنِي عَمِّهِ يَوْمَ الْحَرَّةِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ : إِنِّي أُبَشِّرُكَ بِبُشْرَى مِنَ اللَّهِ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِذَرَارِيِّ الْأَنْصَارِ وَلِذَرَارِيِّ ذَرَارِيِّهِمْ .

قَوْلُهُ : ( فَسَأَلَ أَنَسًا بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ ) هَذَا السَّائِلُ لَمْ أَعْرِفِ اسْمَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّضْرَ بْنَ أَنَسٍ ؛ فَإِنَّهُ رَوَى حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ كَمَا تَرَى ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الْقَابِسِيِّ : فَسَأَلَ أَنَسٌ بَعْضَ ، بِالنَّصْبِ ، وَأَنَسٌ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ ، قَالَ الْقَابِسِيُّ : الصَّوَابُ أَنَّ الْمَسْئُولَ أَنَسٌ . قَوْلُهُ : ( أَوْفَى اللَّهُ لَهُ بِأُذُنِهِ ) ؛ أَيْ بِسَمْعِهِ ، وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، وَيَجُوزُ فَتْحُهُمَا ، أَيْ أَظْهَرَ صِدْقَهُ فِيمَا أَعْلَمَ بِهِ ، وَالْمَعْنَى أَوْفَى صِدْقَهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ فِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ بِأُذُنِهِ فَقَالَ : وَفَّى اللَّهُ بِأُذُنِكَ يَا غُلَامُ ، كَأَنَّهُ جَعَلَ أُذُنَهُ ضَامِنَةً بِتَصْدِيقِ مَا ذَكَرَتْ أَنَّهَا سَمِعَتْ ، فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِتَصْدِيقِهِ صَارَتْ كَأَنَّهَا وَافِيَةٌ بِضَمَانِهَا .

( تَكْمِيلٌ ) : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : سَمِعَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَقُولُ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ : لَئِنْ كَانَ هَذَا صَادِقًا لِنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ . فَقَالَ زَيْدٌ : قَدْ وَاللَّهِ صَدَقَ ، وَلَأَنْتَ شَرٌّ مِنَ الْحِمَارِ . وَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَحَدَهُ الْقَائِلُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا الْآيَةَ ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَصْدِيقًا لِزَيْدٍ ، انْتَهَى .

وَهَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدٌ ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ حَذَفَهُ لِكَوْنِهِ عَلَى غَيْرِ شَرْطِهِ ، وَلَا مَانِعَ مِنْ نُزُولِ الْآيَتَيْنِ فِي الْقِصَّتَيْنِ فِي تَصْدِيقِ زَيْدٍ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث