سُورَةُ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ
سُورَةُ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ . ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾. وَقَالَ مُجَاهِدٌ : وِزْرَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، أَنْقَضَ : أَثْقَلَ ، مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : أَيْ إِنَّ مَعَ ذَلِكَ الْعُسْرِ يُسْرًا آخَرَ ، كَقَوْلِهِ : هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : فَانْصَبْ : فِي حَاجَتِكَ إِلَى رَبِّكَ . وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾شَرْحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلِلْبَاقِينَ أَلَمْ نَشْرَحْ حَسْبُ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : وِزْرَكَ : فِي الْجَاهِلِيَّةِ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْوِزْرِ ، أَيِ الْكَائِنُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِوَضَعَ . قَوْلُهُ : ( أَنْقَضَ : أَتْقَنَ ) قَالَ عِيَاضٌ : كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ أَتْقَنَ بِمُثَنَّاةٍ وَقَافٍ وَنُونٍ ، وَهُوَ وَهْمٌ وَالصَّوَابُ أَثْقَلَ بِمُثَلَّثَةٍ وَآخِرُهَا لَامٌ ، وَقَالَ الْأَصِيلِيُّ : هَذَا وَهْمٌ فِي رِوَايَةِ الْفَرَبْرِيِّ ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ السَّمَّاكِ أَثْقَلَ بِالْمُثَلَّثَةِ هُوَ أَصَحُّ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَهَذَا لَا يُعْرَفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ وَيُرْوَى أَثْقَلَ وَهُوَ الصَّوَابُ . قَوْلُهُ : ( وَيُرْوَى أَثْقَلَ وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ أَتْقَنَ ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ ، وَزَادَ فِيهِ : قَالَ الْفَرَبْرِيُّ : سَمِعْتُ أَبَا مَعْشَرٍ يَقُولُ : أَنْقَضَ ظَهْرَكَ أَثْقَلَ .
وَوَقَعَ فِي الْكِتَابِ خَطَأٌ ، قُلْتُ : أَبُو مَعْشَرٍ هُوَ حَمْدَوَيْهِ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبُخَارِيُّ ، كَانَ يَسْتَمْلِي عَلَى الْبُخَارِيِّ وَيُشَارِكُهُ فِي بَعْضِ شُيُوخِهِ ، وَكَانَ صَدُوقًا ، وَأُضِرَّ بِأُخْرَةٍ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾، قَالَ : أَثْقَلَ . قَالَ : وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، تَقُولُ الْعَرَبُ أَنْقَضَ الْحِمْلُ ظَهْرَ النَّاقَةِ إِذَا أَثْقَلَهَا وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّقِيضِ وَهُوَ الصَّوْتُ ، وَمِنْهُ سَمِعْتُ نَقِيضَ الرَّحْلِ أَيْ صَرِيرَهُ .
قَوْلُهُ : مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : أَيْ إِنَّ مَعَ ذَلِكَ الْعُسْرِ يُسْرًا آخَرَ ، كَقَوْلِهِ : هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَهَذَا مُصَيَّرٌ مِنَ ابْنِ عُيَيْنَةَ إِلَى اتِّبَاعِ النُّحَاةِ فِي قَوْلِهِمْ : إِنَّ النَّكِرَةَ إِذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَتْ غَيْرَ الْأُولَى ، وَمَوْقِعُ التَّشْبِيهِ أَنَّهُ كَمَا ثَبَتَ لِلْمُؤْمِنِينَ تَعَدُّدُ الْحُسْنَى كَذَا ثَبَتَ لَهُمْ تَعَدُّدُ الْيُسْرِ ، أَوْ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَحَدِ الْيُسْرَيْنِ الظَّفَرُ ، وَبِالْآخَرِ الثَّوَابُ ، فَلَا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ أَحَدِهِمَا . قَوْلُهُ : ( وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ) رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا ، وَرُوِيَ أَيْضًا مَوْقُوفًا ، أَمَّا الْمَرْفُوعُ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَلَفْظُهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّ مَعَ الْيُسْرِ يُسْرًا ﴿أَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾، وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ . وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ كَانَ الْعُسْرُ فِي جُحْرٍ لَدَخَلَ عَلَيْهِ الْيُسْرُ حَتَّى يُخْرِجَهُ ، وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ .
ثُمَّ قَالَ : ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾إِنَّ مَعَ الْيُسْرِ يُسْرًا وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَشَّرَ أَصْحَابَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ : لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ فَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ يَقُولُ : مَهْمَا يَنْزِلُ بِامْرِئٍ مِنْ شِدَّةٍ يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ بَعْدَهَا فَرَجًا ، وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ وَقَالَ الْحَاكِمُ : صَحَّ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عُمَرَ لَكِنْ مِنْ طَرِيقٍ مُنْقَطِعٍ ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ ، وَأَخْرَجَهُ الْفَرَّاءُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : فَانْصَبْ : فِي حَاجَتِكَ إِلَى رَبِّكَ ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴾فِي صَلَاتِكَ .
﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾قَالَ : اجْعَلْ نِيَّتَكَ وَرَغْبَتَكَ إِلَى رَبِّكَ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْجِهَادِ فَتَعَبَّدْ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ نَحْوَهُ . قَوْلُهُ : ( وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ) وَصَلَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِي إِسْنَادِهِ رَاوٍ ضَعِيفٌ .
( تَنْبِيهٌ ) : لَمْ يَذْكُرْ فِي سُورَةِ ( أَلَمْ نَشْرَحْ ) حَدِيثًا مَرْفُوعًا ، وَيَدْخُلُ فِيهَا حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ : يَقُولُ رَبُّكَ أَتَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي . وَهَذَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْحَاكِمُ فِي تَفْسِيرِهِمَا قِصَّةَ شَرْحِ صَدْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ .