حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ

بَاب أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ 4991 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ : ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ) أَيْ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ يَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِكُلِ وَجْهٍ مِنْهَا ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ وَلَا جُمْلَةٍ مِنْهُ تُقْرَأُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ غَايَةَ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ عَدَدُ الْقِرَاءَاتِ فِي الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ إِلَى سَبْعَةٍ ، فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّا نَجِدُ بَعْضَ الْكَلِمَاتِ يُقْرَأُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ سَبْعَةِ أَوْجُهٍ ، فَالْجَوَابُ أَنَّ غَالِبَ ذَلِكَ إِمَّا لَا يُثْبِتُ الزِّيَادَةَ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الِاخْتِلَافِ فِي كَيْفِيَّةِ الْأَدَاءِ كَمَا فِي الْمَدِّ وَالْإِمَالَةِ وَنَحْوِهِمَا . وَقِيلَ : لَيْسَ الْمُرَادُ بِالسَّبْعَةِ حَقِيقَةُ الْعَدَدِ ، بَلِ الْمُرَادُ التَّسْهِيلُ وَالتَّيْسِيرُ ، وَلَفْظُ السَّبْعَةِ يُطْلَقُ عَلَى إِرَادَةِ الْكَثْرَةِ فِي الْآحَادِ كَمَا يُطْلَقُ السَّبْعُونَ فِي الْعَشَرَاتِ وَالسَّبْعُمِائَةُ فِي الْمِئِينَ وَلَا يُرَادُ الْعَدَدُ الْمُعَيَّنُ ، وَإِلَى هَذَا جَنَحَ عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ .

وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ ، عَنِ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ بَلَغَ الِاخْتِلَافُ فِي مَعْنَى الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ إِلَى خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ قَوْلًا ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقُرْطُبِيُّ مِنْهَا سِوَى خَمْسَةٍ ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : أَكْثَرُهَا غَيْرُ مُخْتَارٍ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ حِبَّانَ فِي هَذَا بَعْدَ تَتَبُّعِي مَظَانَّهُ مِنْ صَحِيحِهِ ، وَسَأَذْكُرُ مَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مَعَ بَيَانِ الْمَقْبُولِ مِنْهَا وَالْمَرْدُودِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ مُصَغَّرٌ ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ ، وَهُوَ مِنْ حُفَّاظِ الْمِصْرِيِّينَ وَثِقَاتِهِمْ .

قَوْلُهُ : ( أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ) هَذَا مِمَّا لَمْ يُصَرِّحِ ابْنُ عَبَّاسٍ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَهُ ، وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ عَنْ أُبَيٍّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِهِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ . قَوْلُهُ : ( أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ ) فِي أَوَّلِ حَدِيثِ النَّسَائِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُورَةً ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ إِذْ سَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَؤُهَا يُخَالِفُ قِرَاءَتِي الْحَدِيثَ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ ، فَأَمَرَهُمَا فَقَرَآ ، فَحَسَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَأْنَهُمَا قَالَ : فَسُقِطَ فِي نَفْسِي وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَضَرَبَ فِي صَدْرِي فَفِضْتُ عَرَقًا ، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ فَرَقًا ، فَقَالَ لِي : يَا أُبَيُّ ، أُرْسِلَ إِلَيَّ أَنِ اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ الْحَدِيثَ .

وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَوَجَدْتُ فِي نَفْسِي وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهِي ، فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ : اللَّهُمَّ اخْسَأْ عَنْهُ الشَّيْطَانَ . وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أُبَيٍّ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ . قَالَ أُبَيٌّ : فَقُلْتُ : مَا كِلَانَا أَحْسَنَ وَلَا أَجْمَلَ ، قَالَ : فَضَرَبَ فِي صَدْرِي .

الْحَدِيثَ . وَبَيَّنَ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أُبَيٍّ الْمَكَانُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَفْظُهُ : إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ . الْحَدِيثَ .

وَبَيَّنَ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ أَنَّ السُّورَةَ الْمَذْكُورَةَ سُورَةُ النَّحْلِ . قَوْلُهُ : ( فَرَاجَعْتُهُ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أُبَيٍّ : فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : إِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ .

وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أُبَيٍّ : فَقَالَ لِيَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي : قُلْ عَلَى حَرْفَيْنِ ، حَتَّى بَلَغْتُ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : أَنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَتَيَانِي فَقَالَ جِبْرِيلُ : اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ ، فَقَالَ مِيكَائِيلُ اسْتَزِدْهُ . وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ نَحْوُهُ .

قَوْلُهُ : ( فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي ) فِي حَدِيثِ أُبَيٍّ : ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ : عَلَى حَرْفَيْنِ . ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ : عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ ، ثُمَّ جَاءَهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرَءُوا عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابُوا . وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرِيِّ : عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنَ الْجَنَّةِ وَفِي أُخْرَى لَهُ : مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْهَا فَهُوَ كَمَا قَرَأَ .

وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : ثُمَّ قَالَ : لَيْسَ مِنْهَا إِلَّا شَافٍ كَافٍ إِنْ قُلْتَ سَمِيعًا عَلِيمًا عَزِيزًا حَكِيمًا ، مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يَا جِبْرِيلُ إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةِ أُمِّيِّينَ ، مِنْهُمُ الْعَجُوزُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قَطُّ . الْحَدِيثَ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ : كُلُّهَا كَافٍ شَافٍ كَقَوْلِكَ هَلُمَّ وَتَعَالَ مَا لَمْ تَخْتِمْ الْحَدِيثَ .

وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُقَوِّي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْرُفِ اللُّغَاتُ أَوِ الْقِرَاآتُ ، أَيْ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ أَوْ قِرَاآتٍ ، وَالْأَحْرُفُ جَمْعُ حَرْفٍ مِثْلَ فَلْسٍ وَأَفْلُسٍ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ مِنَ اللُّغَاتِ لِأَنَّ أَحَدَ مَعَانِيَ الْحَرْفِ فِي اللُّغَةِ الْوَجْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ؟ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ إِطْلَاقِ الْحَرْفِ عَلَى الْكَلِمَةِ مَجَازًا لِكَوْنِهِ بَعْضَهَا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث