حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ . قَالَ سُفْيَانُ : تَفْسِيرُهُ يَسْتَغْنِي بِهِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سُفْيَانَ ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ .

قَوْلُهُ : ( عَنِ الزُّهْرِيِّ ) هُوَ ابْنُ شِهَابٍ الْمَذْكُورُ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى ، وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ قَالَ : لَمْ يَقُلْ لَنَا سُفْيَانُ قَطُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ قُلْتُ : قَدْ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ ، وَالْحُمَيْدِيُّ مِنْ أَعْرَفِ النَّاسِ بِحَدِيثِ سُفْيَانَ وَأَكْثَرِهِمْ تَثَبُّتًا عَنْهُ لِلسَّمَاعِ مِنْ شُيُوخِهِمْ . قَوْلُهُ : ( قَالَ سُفْيَانُ : تَفْسِيرُهُ يسْتَغْني بِهِ ) كَذَا فَسَّرَهُ سُفْيَانُ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَأْنَسَ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ الضُّرَيْسِ ، وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَهِيكٍ قَالَ : لَقِيَنِي سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَنَا فِي السُّوقِ فَقَالَ : تُجَّارٌ كَسَبَةٌ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَقَدِ ارْتَضَى أَبُو عُبَيْدٍ تَفْسِيرَ يَتَغَنَّى بِيَسْتَغْنِي وَقَالَ : إِنَّهُ جَائِزٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَأَنْشَدَ الْأَعْشَى : وَكُنْتُ امْرَءًا زَمَنًا بِالْعِرَاقِ خَفِيفَ الْمُنَاخِ طَوِيلَ التَّغَنِّي أَيْ كَثِيرَ الِاسْتِغْنَاءِ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ حَبْنَاءَ : كِلَانَا غَنِيٌّ عَنْ أَخِيهِ حَيَاتَهُ وَنَحْنُ إِذَا مِتْنَا أَشَدُّ تَغَانِيًا قَالَ : فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَعْنَى مَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِالْقُرْآنِ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنَ الدُّنْيَا فَلَيْسَ مِنَّا ، أَيْ عَلَى طَرِيقَتِنَا . وَاحْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ أَيْضًا بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ : مَنْ قَرَأَ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَهُوَ غَنِيٌّ وَنَحْوِ ذَلِكَ .

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : يَتَغَنَّى عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا : تَحْسِينُ الصَّوْتِ ، وَالثَّانِي : الِاسْتِغْنَاءُ ، وَالثَّالِثُ : التَّحَزُّنُ - قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - وَالرَّابِعُ : التَّشَاغُلُ بِهِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : تَغَنَّى بِالْمَكَانِ : أَقَامَ بِهِ . قُلْتُ : وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ حَكَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي الزَّاهِرِ قَالَ : الْمُرَادُ بِهِ التَّلَذُّذُ وَالِاسْتِحْلَاءُ لَهُ كَمَا يَسْتَلِذُّ أَهْلُ الطَّرَبِ بِالْغِنَاءِ ، فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ تَغَنِّيًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُفْعَلُ عِنْدَهُ مَا يُفْعَلُ عِنْدَ الْغِنَاءِ ، وَهُوَ كَقَوْلِ النَّابِغَةِ : بُكَاءُ حَمَامَةٍ تَدْعُو هَدِيلًا مُفَجَّعَةً عَلَى فَنَنٍ تُغَنِّي أَطْلَقَ عَلَى صَوْتِهَا غِنَاءً ؛ لِأَنَّهُ يُطْرِبُ كَمَا يُطْرِبُ الْغِنَاءُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غِنَاءً حَقِيقَةً ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ : الْعَمَائِمُ تِيجَانُ الْعَرَبِ ، لِكَوْنِهَا تَقُومُ مَقَامَ التِّيجَانِ ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ حَسَنٌ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَهُ هِجِّيرَاهُ كَمَا يَجْعَلُ الْمُسَافِرُ وَالْفَارِغُ هِجِّيرَاهُ الْغِنَاءَ ، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : كَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا رَكِبَتِ الْإِبِلَ تَتَغَنَّى ، وَإِذَا جَلَسَتْ فِي أَفْنِيَتِهَا وَفِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهَا ، فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ أَحَبَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَكُونَ هِجِّيرَاهُمُ الْقِرَاءَةَ مَكَانَ التَّغَنِّي .

وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الرَّابِعَ بَيْتُ الْأَعْشَى الْمُتَقَدِّمُ ؛ فَإِنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : طَوِيلُ التَّغَنِّي طُولَ الْإِقَامَةِ لَا الِاسْتِغْنَاءَ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِوَصْفِ الطُّولِ مِنَ الِاسْتِغْنَاءِ ، يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ مُلَازِمًا لِوَطَنِهِ بَيْنَ أَهْلِهِ كَانُوا يَتَمَدَّحُونَ بِذَلِكَ . كما قَالَ حَسَّانُ : أَوْلَادُ جَفْنَةَ حَوْلَ قَبْرِ أَبِيهِمُ قَبْرِ ابْنِ مَارِيَةَ الْكَرِيمِ الْمُفَضَّلِ أَرَادَ أَنَّهُمْ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الِانْتِجَاعِ وَلَا يَبْرَحُونَ مِنْ أَوْطَانِهِمْ ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْحَثَّ عَلَى مُلَازَمَةِ الْقُرْآنِ وَأَنْ لَا يُتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ ، وَهُوَ يَئُولُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى إِلَى مَا اخْتَارَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ تَخْصِيصِ الِاسْتِغْنَاءِ وَأَنَّهُ يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ مَنْ لَمْ يُغْنِهِ الْقُرْآنُ وَيَنْفَعْهُ فِي إِيمَانِهِ وَيُصَدِّقْ بِمَا فِيهِ مِنْ وَعْدٍ وَوَعِيدٍ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يَرْتَحْ لِقِرَاءَتِهِ وَسَمَاعِهِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا اخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ يُحَصِّلُ بِهِ الْغِنَى دُونَ الْفَقْرِ ، لَكِنَّ الَّذِي اخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ غَيْرُ مَدْفُوعٍ إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْغِنَى الْمَعْنَوِيُّ وَهُوَ غِنَى النَّفْسِ وَهُوَ الْقَنَاعَةُ لَا الْغِنَى الْمَحْسُوسُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْفَقْرِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ مُلَازَمَةِ الْقِرَاءَةِ إِلَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ بِالْخَاصِّيَّةِ ، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَأْبَى الْحَمْلَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى الْحَثِّ عَلَى تَكَلُّفِ ذَلِكَ ، وَفِي تَوْجِيهِهِ تَكَلُّفٌ كَأَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَطَلَّبِ الْغِنَى بِمُلَازَمَةِ تِلَاوَتِهِ ، وَأَمَّا الَّذِي نَقَلَهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ الْخَبَرِ . وَإِنَّمَا قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ : وَأُحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ حَدْرًا وَتَحْزِينًا انْتَهَى .

قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : حَدَرْتُ الْقِرَاءَةَ أَدْرَجْتُهَا وَلَمْ أَمْطُطْهَا ، وَقَرَأَ فُلَانٌ تَحْزِينًا إِذَا رَقَّقَ صَوْتَهُ وَصَيَّرَهُ كَصَوْتِ الْحَزِينِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةً فَحَزَّنَهَا شِبْهَ الرَّثْيِ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : يَتَغَنَّى بِهِ يَتَحَزَّنُ بِهِ وَيُرَقِّقُ بِهِ قَلْبَهُ . وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَأْوِيلِ ابْنِ عُيَيْنَةَ لِلتَّغَنِّي بِالِاسْتِغْنَاءِ فَلَمْ يَرْتَضِهِ وَقَالَ : لَوْ أَرَادَ الِاسْتِغْنَاءَ لَقَالَ : لَمْ يَسْتَغْنِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَحْسِينَ الصَّوْتِ .

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِلَفْظِ : مَا أُذِنَ لِنَبِيٍّ فِي التَّرَنُّمِ فِي الْقُرْآنِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَعِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ مَا أُذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ وَهَذَا اللَّفْظُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَالطَّحَاوِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : حَسَنِ التَّرَنُّمِ بِالْقُرْآنِ . قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَالتَّرَنُّمُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالصَّوْتِ إِذَا حَسَّنَهُ الْقَارِئُ وَطَرِبَ بِهِ ، قَالَ : وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ الِاسْتِغْنَاءَ لَمَا كَانَ لِذِكْرِ الصَّوْتِ وَلَا لِذِكْرِ الْجَهْرِ مَعْنًى . وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْكَجِّيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ مَرْفُوعًا : اللَّهُ أَشَدُّ أَذَنًا - أَيِ اسْتِمَاعًا - لِلرَّجُلِ الْحَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ مِنْ صَاحِبِ الْقَيْنَةِ إِلَى قَيْنَتِهِ وَالْقَيْنَةُ : الْمُغَنِّيَةُ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَفَعَهُ : تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَغَنُّوا بِهِ وَأَفْشُوهُ .

كَذَا وَقَعَ عِنْدَهُ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ غَيْرِهِ فِي الْحَدِيثِ وَتَغَنُّوا بِهِ وَالْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ التَّغَنِّيَ التَّرْجِيعُ بِالصَّوْتِ كَمَا قَالَ حَسَّانُ : تَغَنَّ بِالشِّعْرِ إِمَّا أَنْتَ قَائِلُهُ إِنَّ الْغِنَاءَ بِهَذَا الشِّعْرِ مِضْمَارٌ قَالَ : وَلَا نَعْلَمُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ تَغَنَّى بِمَعْنَى اسْتَغْنَى وَلَا فِي أَشْعَارِهِمْ ، وَبَيْتُ الْأَعْشَى لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ أَرَادَ طُولَ الْإِقَامَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا وَقَالَ : بَيْتُ الْمُغِيرَةِ أَيْضًا لَا حُجَّةَ فِيهِ ، لِأَنَّ التَّغَانِيَ تَفَاعُلٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَلَيْسَ هُوَ بِمَعْنَى تَغَنَّى ، قَالَ : وَإِنَّمَا يَأْتِي تَغَنَّى مِنَ الْغِنَى الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْفَقْرِ بِمَعْنَى تَفَعَّلَ أَيْ يُظْهِرُ خِلَافَ مَا عِنْدَهُ ، وَهَذَا فَاسِدُ الْمَعْنَى . قُلْتُ : وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى تَكَلَّفَهُ أَيْ تَطَلَّبَهُ وَحَمَلَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ وَلَوْ شَقَّ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ : فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكُوا وَهُوَ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ . وَأَمَّا إِنْكَارُهُ أَنْ يَكُونَ تَغَنَّى بِمَعْنَى اسْتَغْنَى فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَمَرْدُودٌ ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ فِي حَدِيثِ الْخَيْلِ : وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَعَفُّفًا وَتَغَنِّيًا وَهَذَا مِنَ الِاسْتِغْنَاءِ بِلَا رَيْبٍ ، وَالْمُرَادُ بِهِ يَطْلُبُ الْغِنَى بِهَا عَنِ النَّاسِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعَفُّفًا .

وَمِمَّنْ أَنْكَرَ تَفْسِيرَ يَتَغَنَّى بِيَسْتَغْنِي أَيْضًا الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ : الِاسْتِغْنَاءُ بِهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِمَاعٍ ، لِأَنَّ الِاسْتِمَاعَ أَمْرٌ خَاصٌّ زَائِدٌ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِهِ ، وَأَيْضًا فَالِاكْتِفَاءُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ أَمْرٌ وَاجِبٌ عَلَى الْجَمِيعِ ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ . ثُمَّ سَاقَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ : يَقُولُونَ إِذَا رَفَعَ صَوْتَهُ فَقَدْ تَغَنَّى . قُلْتُ : الَّذِي نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ بِمَعْنَى يُسْتَغْنَى أَتْقَنُ لِحَدِيثِهِ ، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ مِثْلَهُ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ تَفْسِيرَ يَسْتَغْنِي مِنْ جِهَتِهِ وَيَرْفَعُ عَنْ غَيْرِهِ ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ : ذَكَرْتُ لِأَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ تَفْسِيرَ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ : لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا ، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : كَانَ دَاوُدُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَتَغَنَّى - يَعْنِي حِينَ يَقْرَأُ - وَيَبْكِي وَيَبْكِي وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ دَاوُدَ كَانَ يَقْرَأُ الزَّبُورَ بِسَبْعِينَ لَحْنًا ، وَيَقْرَأُ قِرَاءَةً يَطْرَبُ مِنْهَا الْمَحْمُومُ .

وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبْكِيَ نَفْسَهُ لَمْ تَبْقَ دَابَّةٌ فِي بَرٍّ وَلَا بَحْرٍ إِلَّا أَنْصَتَتْ لَهُ وَاسْتَمَعَتْ وَبَكَتْ . وَسَيَأْتِي حَدِيثُ : إِنَّ أَبَا مُوسَى أُعْطِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ دَاوُدَ فِي بَابِ حُسْنِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ . وَفِي الْجُمْلَةِ مَا فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ لَيْسَ بِمَدْفُوعٍ ، وَإِنْ كَانَتْ ظَوَاهِرُ الْأَخْبَارِ تُرَجِّحُ أَنَّ الْمُرَادَ تَحْسِينُ الصَّوْتِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ : يَجْهَرُ بِهِ فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ مَرْفُوعَةً قَامَتِ الْحُجَّةُ ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْفُوعَةٍ فَالرَّاوِي أَعْرَفُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فَقِيهًا ، وَقَدْ جَزَمَ الْحَلِيمِيُّ بِأَنَّهَا مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْعَرَبُ تَقُولُ : سَمِعْتُ فُلَانًا يَتَغَنَّى بِكَذَا .

أَيْ يَجْهَرُ بِهِ . وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ : أَخَذَ بِيَدَيَّ ابْنُ جُرَيْجٍ فَأَوْقَفَنِي عَلَى أَشْعَبَ فَقَالَ : غَنِّ ابْنَ أَخِي مَا بَلَغَ مِنْ طَمَعِكَ ؟ فَذَكَرَ قِصَّةً . فَقَوْلُهُ : غَنِّ أَيْ أَخْبِرْنِي جَهْرًا صَرِيحًا .

وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ : أُحِبُّ الْمَكَانَ الْقَفْرَ مِنْ أَجْلِ أَنَّنِي بِهِ أَتَغَنَّى بِاسْمِهَا غَيْرَ مُعْجِمٍ أَيْ أَجْهَرُ وَلَا أُكَنِّي ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرِ التَّأْوِيلَاتِ الْمَذْكُورَةِ ، وَهُوَ أَنَّهُ يُحَسِّنُ بِهِ صَوْتَهُ جَاهِرًا بِهِ مُتَرَنِّمًا عَلَى طَرِيقِ التَّحَزُّنِ ، مُسْتَغْنِيًا بِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَخْبَارِ ، طَالِبًا بِهِ غِنَى النَّفْسِ رَاجِيًا بِهِ غِنَى الْيَدِ ، وَقَدْ نَظَمْتُ ذَلِكَ فِي بَيْتَيْنِ : تَغَنَّ بِالْقُرْآنِ حَسِّنْ بِهِ الصَّوْتَ حَزِينًا جَاهِرًا رَنِّمِ وَاسْتَغْنِ عَنْ كُتْبِ الْأُلَى طَالِبًا غِنَى يَدٍ وَالنَّفْسِ ثُمَّ الْزَمِ وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِحُسْنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ فِي تَرْجَمَةٍ مُفْرَدَةٍ . وَلَا شَكَّ أَنَّ النُّفُوسَ تَمِيلُ إِلَى سَمَاعِ الْقِرَاءَةِ بِالتَّرَنُّمِ أَكْثَرَ مِنْ مَيْلِهَا لِمَنْ لَا يَتَرَنَّمُ ، لِأَنَّ لِلتَّطْرِيبِ تَأْثِيرًا فِي رِقَّةِ الْقَلْبِ وَإِجْرَاءِ الدَّمْعِ . وَكَانَ بَيْنَ السَّلَفِ اخْتِلَافٌ فِي جَوَازِ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ ، أَمَّا تَحْسِينُ الصَّوْتِ وَتَقْدِيمُ حُسْنِ الصَّوْتِ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا نِزَاعَ فِي ذَلِكَ ، فَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ تَحْرِيمَ الْقِرَاءَةِ بِالْأَلْحَانِ ، وَحَكَاهُ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ ، وَالْمَاوَرْدِيُّ ، وَابْنُ حَمْدَانَ الْحَنْبَلِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ ، وَعِيَاضٌ ، وَالْقُرْطُبِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْمَاوَرْدِيُّ ، وَالْبَنْدَنِيجِيُّ ، وَالْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - الْكَرَاهَةَ ، وَاخْتَارَهُ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ عُقَيْلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الْجَوَازَ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ وَنَقَلَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَقَالَ الْفُورَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْإِبَانَةِ يَجُوزُ بَلْ يُسْتَحَبُّ ، وَمَحَلُّ هَذَا الِاخْتِلَافِ إِذَا لَمْ يَخْتَلَّ شَيْءٌ مِنَ الْحُرُوفِ عَنْ مَخْرَجِهِ ، فَلَوْ تَغَيَّرَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِهِ وَلَفْظُهُ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَحْسِينِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الْقِرَاءَةِ بِالتَّمْطِيطِ ، فَإِنْ خَرَجَ حَتَّى زَادَ حَرْفًا أَوْ أَخْفَاهُ حَرُمَ ، قَالَ : وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالْأَلْحَانِ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ عَلَى كَرَاهَتِهِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَا بَأْسَ بِهِ ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ : لَيْسَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ ، بَلْ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِالْأَلْحَانِ عَلَى الْمَنْهَجِ الْقَوِيمِ جَازَ وَإِلَّا حَرُمَ .

وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِالْأَلْحَانِ إِذَا انْتَهَتْ إِلَى إِخْرَاجِ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ عَنْ مَخَارِجِهَا حَرُمَ وَكَذَا حَكَى ابْنُ حَمْدَانَ الْحَنْبَلِيُّ فِي الرِّعَايَةِ ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ ، وَالْبَنْدَنِيجِيُّ وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ : إِنْ لَمْ يُفْرِطْ فِي التَّمْطِيطِ الَّذِي يُشَوِّشُ النَّظْمَ اسْتُحِبَّ وَإِلَّا فَلَا . وَأَغْرَبَ الرَّافِعِيُّ فَحَكَى عَنْ أَمَالِي السَّرَخْسِيِّ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ التَّمْطِيطُ مُطْلَقًا ، وَحَكَاهُ ابْنُ حَمْدَانَ رِوَايَةً عَنِ الْحَنَابِلَةِ ، وَهَذَا شُذُوذٌ لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ . وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنَ الْأَدِلَّةِ أَنَّ حُسْنَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ مَطْلُوبٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا فَلْيُحَسِّنْهُ مَا اسْتَطَاعَ كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ ذَلِكَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ .

وَمِنْ جُمْلَةِ تَحْسِينِهِ أَنْ يُرَاعِيَ فِيهِ قَوَانِينَ النَّغَمِ فَإِنَّ الْحَسَنَ الصَّوْتِ يَزْدَادُ حُسْنًا بِذَلِكَ ، وَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي حُسْنِهِ ، وَغَيْرُ الْحَسَنِ رُبَّمَا انْجَبَرَ بِمُرَاعَاتِهَا مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ شَرْطِ الْأَدَاءِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَ أَهْلِ الْقِرَاآتِ ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا لَمْ يَفِ تَحْسِينُ الصَّوْتِ بِقُبْحِ الْأَدَاءِ ، وَلَعَلَّ هَذَا مُسْتَنَدُ مَنْ كَرِهَ الْقِرَاءَةَ بِالْأَنْغَامِ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى مَنْ رَاعَى الْأَنْغَامَ أَنْ لَا يُرَاعِيَ الْأَدَاءَ ، فَإِنْ وُجِدَ مَنْ يُرَاعِيهِمَا مَعًا فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ أَرْجَحُ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالْمَطْلُوبِ مِنْ تَحْسِينِ الصَّوْتِ وَيَجْتَنِبُ الْمَمْنُوعَ مِنْ حُرْمَةِ الْأَدَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث4 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث