بَاب هَلْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِأَحَدٍ
بَاب هَلْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِأَحَدٍ 5113 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ مِنْ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : أَمَا تَسْتَحِي الْمَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ ؟ فَلَمَّا نَزَلَتْ : تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ . رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، وَعَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ قَوْلُهُ : ( بَابُ هَلْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِأَحَدٍ ) ؛ أَيْ فَيَحِلَّ لَهُ نِكَاحُهَا بِذَلِكَ ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ صُورَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا مُجَرَّدُ الْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مَهْرٍ ، وَالثَّانِي : الْعَقْدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ . فَالصُّورَةُ الْأُولَى ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى بُطْلَانِ النِّكَاحِ ، وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَلَكِنْ قَالُوا : يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ تَزَوَّجَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ ، وَشَرَطَ أَنْ لَا مَهْرَ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ .
وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ قَوْلُهُ تَعَالَى : خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فَعَدُّوا ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ يَتَزَوَّجُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ بِغَيْرِ مَهْرٍ فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ . وَأَجَابَ الْمُجِيزُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْوَاهِبَةَ تَخْتَصُّ بِهِ لَا مُطْلَقُ الْهِبَةِ . وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ : ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَطَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ أَوِ التَّزْوِيجِ ؛ لِأَنَّهُمَا الصَّرِيحَانِ اللَّذَانِ وَرَدَ بِهِمَا الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ .
وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ بِالْكِنَايَاتِ ، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لَهُمْ بِالْقِيَاسِ عَلَى الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِصَرَائِحِهِ وَبِكِنَايَاتِهِ مَعَ الْقَصْدِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا هِـشَامٌ ) ، هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ( قَالَ : كَانَتْ خَوْلَةُ ) ، هَذَا مُرْسَلٌ ؛ لِأَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يُدْرِكِ زَمَنَ الْقِصَّةِ ، لَكِنَّ السِّيَاقَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْ عَائِشَةَ . وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ عَقِبَ هَذِهِ الطَّرِيقِ رِوَايَةَ مَنْ صَرَّحَ فِيهِ بِذِكْرِ عَائِشَةَ تَعْلِيقًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ كَذَلِكَ مَوْصُولًا .
قَوْلُهُ : ( بِنْتُ حَكِيمٍ ) : أَيِ ابْنِ أُمَيَّةَ بْنِ الْأَوْقَصِ السِّلَمِيَّةُ ، وَكَانَتْ زَوْجَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ، وَهِيَ مِنَ السَّابِقَاتِ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَأُمُّهَا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ . قَوْلُهُ : ( مِنَ اللَّائِي وَهَبْنَ ) وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ الْمَذْكُورَةِ قَالَتْ : كُنْتُ أَغَارُ مِنَ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِتَعَدُّدِ الْوَاهِبَاتِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُنَّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبِ الْآتِي ذِكْرُهَا فِي الْمُعَلَّقَاتِ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ : الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى تَأْوِيلِ أَنَّهَا السَّابِقَةُ إِلَى ذَلِكَ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي الْحَصْرَ الْمُطْلَقَ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَتْ عَائِشَةُ : أَمَا تَسْتَحِي الْمَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا ) ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ الْمَوْصُولَةِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُعَيِّرُ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ .
قَوْلُهُ : ( أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ بِغَيْرِ صَدَاقٍ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا نَزَلَتْ : تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ فِي رِوَايَةِ عَبَدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تُرْجِئ ، وَهَذَا أَظْهَرُ فِي أَنَّ نُزُولَ الْآيَةِ بِهَذَا السَّبَبِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ حَمَلَتْ عَائِشَةَ عَلَى هَذَا القيبحِ الْغَيْرَةُ الَّتِي طُبِعَتْ عَلَيْهَا النِّسَاءُ وَإِلَّا فَقَدْ عَلِمَتْ أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ لِنَبِيِّهِ ذَلِكَ ، وَأَنَّ جَمِيعَ النِّسَاءِ لَوْ مُلِكْنَ لَهُ رِقَّهُنَّ لَكَانَ قَلِيلًا . قَوْلُهُ : ( مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ : إِنِّي لِأَرَى رَبَّكَ يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ : أَيْ فِي رِضَاكَ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا قَوْلٌ أَبْرَزَهُ الدَّلَالُ وَالْغَيْرَةُ ، وَهُوَ مِنْ نَوْعِ قَوْلِهَا مَا أَحْمَدُكُمَا وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ ، وَإِلَّا فَإِضَافَةُ الْهَوَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى وَلَا يَفْعَلُ بِالْهَوَى ، وَلَوْ قَالَتْ إِلَى مَرْضَاتِكَ لَكَانَ أَلْيَقَ ، وَلَكِنَّ الْغَيْرَةَ يُغْتَفَرُ لِأَجْلِهَا إِطْلَاقُ مِثْلِ ذَلِكَ .
قَوْلُهُ : ( رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، وَعَبَدَةُ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) ، أَمَّا رِوَايَةُ أَبِي سَعِيدٍ ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي الْوَضَّاحِ فَوَصَلَهَا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ أَبِي مُزَاحِمٍ عَنْهُ مُخْتَصَرًا كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ : قَالَتِ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ حَسْبُ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ فَوَصَلَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ بِتَمَامِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةٍ وَفَائِدَةٍ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عَبَدَةَ وَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَهِيَ نَحْوُ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ