حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَنْ قَالَ لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ

بَاب مَنْ قَالَ : لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ فَدَخَلَ فِيهِ الثَّيِّبُ ، وَكَذَلِكَ الْبِكْرُ وَقَالَ : وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَقَالَ : وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ 5127 - حدثنا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ : أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ : فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ ، يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا . وَنِكَاحٌ آخَرُ كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا : أَرْسِلِي إِلَى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ ، وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلَا يَمَسُّهَا أَبَدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الِاسْتِبْضَاعِ . وَنِكَاحٌ آخَرُ يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا ، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا ، تَقُولُ لَهُمْ : قَدْ عَرَفْتُمْ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ ، وَقَدْ وَلَدْتُ ، فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ ، تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ ، فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ .

وَنِكَاحُ الرَّابِعِ : يَجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ لَا تمْنعُ منْ جَاءَهَا ، وَهُنَّ الْبَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا ، فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ ، فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا ، وَدَعَوْا لَهُمْ الْقَافَةَ ، ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ ، فَالْتَاطَته بِهِ ، وَدُعِيَ ابْنَهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ . فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ ، إِلَّا نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ قَالَ : لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ ) اسْتَنْبَطَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحُكْمَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي سَاقَهَا ؛ لِكَوْنِ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ بِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ عَلَى غَيْرِ شَرْطِهِ ، وَالْمَشْهُورُ فِيهِ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا بِلَفْظِهِ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، لَكِنْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ : وَأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ وَصَلَهُ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَرْسَلَهُ شُعْبَةَ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ لَيْسَ فِيهِ أَبُو مُوسَى رِوَايَةٌ ، وَمَنْ رَوَاهُ مَوْصُولًا أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُمْ سَمِعُوهُ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَشُعْبَةُ ، وَسُفْيَانُ وَإِنْ كَانَا أَحْفَظَ وَأَثْبَتَ مِنْ جَمِيعِ مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ لَكِنَّهُمَا سَمِعَاهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ .

ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَسْأَلُ أَبَا إِسْحَاقَ : أَسَمِعْتَ أَبَا بُرْدَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : وَإِسْرَائِيلُ ثَبَتَ فِي أَبِي إِسْحَاقَ . ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ : مَا فَاتَنِي الَّذِي فَاتَنِي مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إِلَّا لِمَا اتَّكَلْتُ بِهِ عَلَى إِسْرَائِيلَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي بِهِ أَتَمَّ . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ : إِسْرَائِيلُ فِي أَبِي إِسْحَاقَ أَثْبَتُ مِنْ شُعْبَةَ ، وَسُفْيَانَ .

وَأَسْنَدَ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ ، وَالذُّهْلِيِّ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ صَحَّحُوا حَدِيثَ إِسْرَائِيلَ . وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا ذَكَرْتُهُ عَرَفَ أَنَّ الَّذِينَ صَحَّحُوا وَصْلَهُ لَمْ يَسْتَنِدُوا فِي ذَلِكَ إِلَى كَوْنِهِ زِيَادَةَ ثِقَةٍ فَقَطْ ، بَلْ لِلْقَرَائِنِ الْمَذْكُورَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِتَرْجِيحِ رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ الَّذِي وَصَلَهُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَسَأُشِيرُ إِلَى بَقِيَّةِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ . عَلَى أَنَّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ فِي مَنْعِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ نَظَرًا ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ : فَمَنْ قَدَّرَهُ نَفْيَ الصِّحَّةِ اسْتَقَامَ لَهُ ، وَمَنْ قَدَّرَهُ نَفْيَ الْكَمَالِ عَكَّرَ عَلَيْهِ ، فَيَحْتَاجُ إِلَى تَأْيِيدِ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ بِالْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ وَمَا بَعْدَهُ .

قَوْلُهُ : ( لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ ؛ أَيْ لَا تَمْنَعُوهُنَّ . وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ مَعْقِلٍ آخِرِ أَحَادِيثِ الْبَابِ بَيَانُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ مِنْهَا لِلتَّرْجَمَةِ . قَوْلُهُ : ( فَدَخَلَ فِيهِ الثَّيِّبُ وَكَذَلِكَ الْبِكْرُ ) ثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَعَلَيْهِ شَرْحُ ابْنِ بَطَّالٍ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِعُمُومِ لَفْظِ النِّسَاءِ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ مِنَ الْآيَةِ وَالَّتِي بَعْدَهَا أَنَّهُ تَعَالَى خَاطَبَ بِإِنْكَاحِ الرِّجَالِ وَلَمْ يُخَاطِبْ بِهِ النِّسَاءِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا تُنْكِحُوا أَيُّهَا الْأَوْلِيَاءُ مَوْلَيَاتِكُمْ لِلْمُشْرِكِينَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ ، وَالْأَيَامَى : جَمْعُ أَيِّمٍ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ : الْأَوَّلُ : حَدِيثُ عَائِشَةَ ، ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَنْبَسَةَ بْنِ خَالِدٍ جَمِيعًا عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، الزُّهْرِيِّ ، وَقَوْلُهُ : وَقَالَ : يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ هُوَ الْجُعْفِيُّ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى لَفْظِ عَنْبَسَةَ .

وَأَمَّا لَفْظُ ابْنِ وَهْبٍ فَلَمْ أَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ إِلَى الْآنَ ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَصْبَغَ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَالْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ . قَوْلُهُ : ( عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ ) جَمْعُ نَحْوٍ ؛ أَيْ ضَرْبٍ وَزْنًا وَمَعْنًى ، وَيُطْلَقُ النَّحْوُ أَيْضًا عَلَى الْجِهَةِ وَالنَّوْعِ ، وَعَلَى الْعِلْمِ الْمَعْرُوفِ اصْطِلَاحًا . قَوْلُهُ : ( أَرْبَعَةُ ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْرُهُ : بَقِيَ عَلَيْهَا أَنْحَاءٌ لَمْ تَذْكُرْهَا : الْأَوَّلُ نِكَاحُ الْخِدْنِ ، وَهُوَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ كَانُوا يَقُولُونَ : مَا اسْتَتَرَ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَمَا ظَهَرَ فَهُوَ لَوْمٌ .

الثَّانِي : نِكَاحُ الْمُتْعَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ . الثَّالِثُ : نِكَاحُ الْبَدَلِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : كَانَ الْبَدَلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : انْزِلْ لِي عَنِ امْرَأَتِكَ وَأَنْزِلُ لَكَ عَنِ امْرَأَتِي وَأَزِيدُكَ وَلَكِنْ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا . قُلْتُ : وَالْأَوَّلُ لَا يُرَدُّ لِأَنَّهَا أَرَادَتْ ذِكْرَ بَيَانِ نِكَاحِ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا ، أَوْ مَنْ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِي ذَلِكَ ، وَالثَّانِي : يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُرَدَّ ؛ لِأَنَّ الْمَمْنُوعَ مِنْهُ كَوْنُهُ مُقَدَّرًا بِوَقْتٍ لَا أَنَّ عَدَمَ الْوَلِيِّ فِيهِ شَرْطٌ ، وَعَدَمُ وُرُودِ الثَّالِثِ أَظْهَرُ مِنَ الْجَمِيعِ .

قَوْلُهُ : ( وَلِيَّتَهُ أَوِ ابْنَتَهُ ) هُوَ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ . قَوْلُهُ : ( فَيُصْدِقُهَا ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ( ثُمَّ يَنْكِحُهَا ) ؛ أَيْ يُعَيِّنُ صَدَاقَهَا ، وَيُسَمِّي مِقْدَارَهُ ثُمَّ يَعْقِدُ عَلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( وَنِكَاحُ الْآخَرِ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِالْإِضَاقَةِ ؛ أَيْ وَنِكَاحُ الْصَنف الْآخَرِ ، وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ عَلَى رَأْي الْكُوفِيِّينَ .

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ وَنِكَاحٌ آخَرُ بِالتَّنْوِينِ بِغَيْرِ لَامٍ وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ ؛ أَيْ حَيْضِهَا ، وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُسْرِعَ عُلُوقُهَا مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ ) بِمُوَحَّدَةٍ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ ؛ أَيِ اطْلُبِي مِنْهُ الْمُبَاضَعَةَ وَهُوَ الْجِمَاعُ .

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَصْبَغَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ : اسْتَرْضِعِي بِرَاءٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ . قَالَ رَاوِيَةُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيِّ : الْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ يَعْنِي بِالْمُوَحَّدَةِ ، وَالْمَعْنَى : اطْلُبِي مِنْهُ الْجِمَاعَ لِتَحْمِلِي مِنْهُ ، وَالْمُبَاضَعَةُ الْمُجَامَعَةُ ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْبُضْعِ وَهُوَ الْفَرْجُ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ ) : أَيِ اكْتِسَابًا مِنْ مَاءِ الْفَحْلِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ ذَلِكَ مِنْ أَكَابِرِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ فِي الشَّجَاعَةِ أَوِ الْكَرَمِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ .

قَوْلُهُ : ( فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الِاسْتِبْضَاعِ ) بِالنَّصْبِ ، وَالتَّقْدِيرُ يُسَمَّى ، وَبِالرَّفْعِ أَيْ هُوَ . قَوْلُهُ : ( وَنِكَاحٌ آخَرُ يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الرَّهْطِ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا النِّكَاحُ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ ضَبْطِ الْعَدَدِ الزَّائِدِ ؛ لِئَلَّا يَنْتَشِرَ . قَوْلُهُ : ( كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا ) أَيْ يَطَؤُهَا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ رِضًا مِنْهَا وَتَوَاطُؤٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا .

قَوْلُهُ : ( وَمَرَّ لَيَالٍ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ : وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالٍ . قَوْلُهُ : ( قَدْ عَرَفْتُمْ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَرَفْتَ عَلَى خِطَابِ الْوَاحِدِ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ وَلَدْتُ ) بِالضَّمِّ ؛ لِأَنَّهُ كَلَامُهَا .

قَوْلُهُ : ( فَهُوَ ابْنُكَ ) ؛ أَيْ إِنْ كَانَ ذَكَرًا ، فَلَوْ كَانَتْ أُنْثَى لَقَالَتْ : هِيَ ابْنَتُكَ ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَ ذَكَرًا لِمَا عُرِفَ مِنْ كَرَاهَتِهِمْ فِي الْبِنْتِ ، وَقَدْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَقْتُلُ بِنْتَهُ الَّتِي يَتَحَقَّقُ أَنَّهَا بِنْتٌ فَضْلًا عَمَّنْ تَجِيءُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ . قَوْلُهُ : ( فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلِغَيْرِهِ فَيَلْتَحَقُ بِزِيَادَةِ مُثَنَّاةٍ . قَوْلُهُ : ( لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْهُ .

قَوْلُهُ : ( وَنِكَاحُ الرَّابِعِ ) تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ . قَوْلُهُ : ( لَا تَمْنَعُ مَنْ جَاءَهَا ) ، وَلِلْأَكْثَرِ لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا . قَوْلُهُ : ( وَهُنَّ الْبَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ عَلَامَةً .

وَأَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : تَبَرَّزَ عُمَرُ بِأَجْيَادَ ، فَدَعَا بِمَاءٍ ، فَأَتَتْهُ أُمُّ مَهْزُولٍ - وَهِيَ مِنَ الْبَغَايَا التِّسْعِ اللَّاتِي كُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ - فَقَالَتْ : هَذَا مَاءٌ وَلَكِنَّهُ فِي إِنَاءٍ لَمْ يُدْبَغْ ، فَقَالَ : هَلُمَّ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْمَاءَ طَهُورًا ، وَمِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ يُقَالُ لَهَا أُمُّ مَهْزُولٍ تُسَافِحُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَرَادَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَنَزَلَتْ : الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ : هُنَّ بَغَايَا ، كُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَعْلُومَاتٍ لَهُنَّ رَايَاتٌ يُعْرَفْنَ بِهَا ، وَمِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلُهُ ، وَزَادَ كَرَايَاتِ الْبَيْطَارِ ، وَقَدْ سَاقَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ فِي كِتَابِ الْمَثَالِبِ أَسَامِيَ صَوَاحِبَاتِ الرَّايَاتِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَسَمَّى مِنْهُنَّ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ نِسْوَةٍ مَشْهُورَاتٍ تَرَكْتُ ذِكْرَهُنَّ اخْتِيَارًا . قَوْلُهُ : ( لِمَنْ أَرَادَهُنَّ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِ : فَمَنْ أَرَادَهُنَّ . قَوْلُهُ : ( الْقَافَةُ ) جَمْعُ قَائِفٍ بِقَافٍ ثُمَّ فَاءٍ ، وَهُوَ الَّذِي يَعْرِفُ شَبَهَ الْوَلَدِ بِالْوَالِدِ بِالْآثَارِ الْخَفِيَّةِ .

قَوْلُهُ : ( فَالْتَاطَتْهُ ) ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَالْتَاطَ بِغَيْرِ مُثَنَّاةٍ أَيِ اسْتَلْحَقَتْهُ بِهِ ، وَأَصْلُ اللَّوْطِ بِفَتْحِ اللَّامِ اللُّصُوقُ . قَوْلُهُ : ( هَدَمَ نِكَاحُ الْجَاهِلِيَّةِ ) فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ : نِكَاحُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( كُلَّهُ ) دَخَلَ فِيهِ مَا ذَكَرْتُ وَمَا اسْتَدْرَكَ عَلَيْهَا .

قَوْلُهُ : ( إِلَّا نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ ) أَيِ الَّذِي بَدَأْتُ بِذِكْرِهِ ، وَهُوَ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فَيُزَوِّجَهُ . احْتَجَّ بِهَذَا عَلَى اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عَائِشَةَ وَهِيَ الَّتِي رَوَتْ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَتْ تُجِيزُ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، كَمَا رَوَى مَالِكٌ أَنَّهَا زَوَّجَتْ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخِيهَا وَهُوَ غَائِبٌ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ : مِثْلِي يُفْتَاتُ عَلَيْهِ فِي بَنَاتِهِ ؟ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ فِي الْخَبَرِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا بَاشَرَتِ الْعَقْدَ ، فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبِنْتُ الْمَذْكُورَةُ ثَيِّبًا ، وَدَعَتْ إِلَى كُفْءٍ ، وَأَبُوهَا غَائِبٌ فَانْتَقَلَتِ الْوِلَايَةُ إِلَى الْوَلِيِّ الْأَبْعَدِ أَوْ إِلَى السُّلْطَانِ . وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا : أَنْكَحَتْ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَخِيهَا فَضَرَبَتْ بَيْنَهُمْ بِسِتْرٍ ، ثُمَّ تَكَلَّمَتْ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَقْدُ أَمَرَتْ رَجُلًا فَأَنْكَحَ ، ثُمَّ قَالَتْ : لَيْسَ إِلَى النِّسَاءِ نِكَاحٌ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ .

ورد في أحاديث4 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث