حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب لَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَدَعَ

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ الْأَعْرَجِ قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَأْثُرُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، وَلَا تَجَسَّسُوا ، وَلَا تَحَسَّسُوا ، وَلَا تَبَاغَضُوا ، وَكُونُوا إِخْوَانًا . 5144 وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ . قَوْلُهُ : فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ( اللَّيْثُ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ) لِلَّيْثٍ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِهِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فِي قِصَّةِ الْخِطْبَةِ فَقَطْ ؛ وَسَأَذْكُرُ لَفْظَهُ .

قَوْلُهُ : ( قَالَ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةُ يَأْثُرُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ تَقُولُ : آثَرْتُ الْحَدِيثَ آثُرُهُ بِالْمَدِّ أَثْرًا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ، ثُمَّ سُكُونٍ إِذَا ذَكَرْتَهُ عَنْ غَيْرِكَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا . قَوْلُهُ : ( إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ إِلَخْ ) يَأْتِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ مَعَ شَرْحِهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِلْحَانِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ شَيْخَ الْبُخَارِيِّ فِيهِ ، فَزَادَ فِي الْمَتْنِ زِيَادَاتٍ ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ مُفَرَّقَةً ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ ، قَالَ الْجُمْهُورُ : هَذَا النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا النَّهْيُ لِلتَّأْدِيبِ ، وَلَيْسَ بِنَهْيِ تَحْرِيمٍ يُبْطِلُ الْعَقْدَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ، كَذَا قَالَ ، وَلَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ كَوْنِهِ لِلتَّحْرِيمِ وَبَيْنَ الْبُطْلَانِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، بَلْ هُوَ عِنْدَهُمْ لِلتَّحْرِيمِ وَلَا يُبْطِلُ الْعَقْدَ ، بَلْ حَكَى النَّوَوِيُّ أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلتَّحْرِيمِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِهِ فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ : مَحِلُّ التَّحْرِيمِ مَا إِذَا صَرَّحَتِ الْمَخْطُوبَةُ أَوْ وَلِيُّهَا الَّذِي أَذِنَتْ لَهُ حَيْثُ يَكُونُ إِذْنُهَا مُعْتَبَرًا بِالْإِجَابَةِ ، فَلَوْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالرَّدِّ فَلَا تَحْرِيمَ ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمِ الثَّانِي بِالْحَالِ فَيَجُوزُ الْهُجُومُ عَلَى الْخِطْبَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ ، وَإِنْ وَقَعَتِ الْإِجَابَةُ بِالتَّعْرِيضِ كَقَوْلِهَا : لَا رَغْبَةَ عَنْكَ فَقَوْلَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، الْأَصَحُّ وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ لَا يَحْرُمُ أَيْضًا ، وَإِذَا لَمْ تَرُدَّ وَلَمْ تَقْبَلْ فَيَجُوزُ ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ قَوْلُ فَاطِمَةَ : خَطَبَنِي مُعَاوِيَةُ ، وَأَبُو جَهْمٍ فَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا ؛ بَلْ خَطَبَهَا لِأُسَامَةَ ، وَأَشَارَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ إِلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَا خَطَبَا مَعًا أَوْ لَمْ يَعْلَمِ الثَّانِي بِخِطْبَةِ الْأَوَّلِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ بِأُسَامَةَ وَلَمْ يَخْطُبْ . وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ خَطَبَ فَكَأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ لَهَا مَا فِي مُعَاوِيَةَ ، وَأَبِي جَهْمٍ ظَهَرَ مِنْهَا الرَّغْبَةُ عَنْهُمَا فَخَطَبَهَا لِأُسَامَةَ .

وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ إِذَا خَطَبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَرَضِيَتْ بِهِ ، وَرَكَنَتْ إِلَيْهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَتِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِرِضَاهَا وَلَا رُكُونِهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَخْطُبَهَا ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ قِصَّةُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَإِنَّهَا لَمْ تُخْبِرْهُ بِرِضَاهَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلَوْ أَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ لَمْ يُشِرْ عَلَيْهَا بِغَيْرِ مَنِ اخْتَارَتْ فَلَوْ لَمْ تُوجَدْ مِنْهَا إِجَابَةٌ وَلَا رَدٌّ ، فَقَطَعَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِالْجَوَازِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَى الْقَوْلَيْنِ . وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْبِكْرِ عَلَى أَنَّ سُكُوتَهَا رِضًا بِالْخَاطِبِ ، وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ لَا تُمْنَعُ الْخِطْبَةِ إِلَّا عَلَى خِطْبَةِ مَنْ وَقَعَ بَيْنَهُمَا التَّرَاضِي عَلَى الصَّدَاقِ . وَإِذَا وُجِدَتْ شُرُوطُ التَّحْرِيمِ ، وَوَقَعَ الْعَقْدُ لِلثَّانِي فَقَالَ الْجُمْهُورُ : يَصِحُّ مَعَ ارْتِكَابِ التَّحْرِيمِ ، وَقَالَ دَاوُدُ : يُفْسَخُ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ خِلَافٌ كَالْقَوْلَيْنِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُفْسَخُ قَبْلَهُ لَا بَعْدَهُ ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ الْخِطْبَةُ ، وَالْخِطْبَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ فَلَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ بِوُقُوعِهَا غَيْرَ صَحِيحَةٍ ، وَحَكَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ : إنَّ هَذَا النَّهْيُ مَنْسُوخٌ بِقِصَّةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، ثُمَّ رَدَّهُ وَغَلَّطَهُ بِأَنَّهَا جَاءَتْ مُسْتَشِيرَةً فَأُشِيرَ عَلَيْهَا بِمَا هُـوَ الْأَوْلَى وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خِطْبَةٌ عَلَى خِطْبَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، ثُمَّ إِنَّ دَعْوَى النَّسْخِ فِي مِثْلِ هَذَا غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَشَارَ إِلَى عِلَّةِ النَّهْيِ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ بِالْأُخُوَّةِ ، وَهِيَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ ، وَعِلَّةٌ مَطْلُوبَةٌ لِلدَّوَامِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَلْحَقَهَا النَّسْخُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْخَاطِبَ الْأَوَّلَ إِذَا أَذِنَ لِلْخَاطِبِ الثَّانِي فِي التَّزْوِيجِ ارْتَفَعَ التَّحْرِيمُ ، وَلَكِنْ هَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْمَأْذُونِ لَهُ أَوْ يَتَعَدَّى لِغَيْرِهِ ؟ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْإِذْنِ الصَّادِرِ مِنَ الْخَاطِبِ الْأَوَّلِ دَالٌّ عَلَى إِعْرَاضِهِ عَنْ تَزْوِيجِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ وَبِإِعْرَاضِهِ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَخْطُبَهَا ، الظَّاهِرُ الثَّانِي فَيَكُونُ الْجَوَازُ لِلْمَأْذُونِ لَهُ بِالتَّنْصِيصِ وَلِغَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ بِالْإِلْحَاقِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي مِنَ الْبَابِ أَوْ يَتْرُكَ . وَصَرَّحَ الرُّويَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ مَحِلَّ التَّحْرِيمِ إِذَا كَانَتِ الْخِطْبَةُ مِنَ الْأَوَّلِ جَائِزَةً ، فَإِنْ كَانَتْ مَمْنُوعَةً كَخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ لَمْ يَضُرَّ الثَّانِيَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَنْ يَخْطُبَهَا وَهُوَ وَاضِحٌ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ بِذَلِكَ حَقٌّ ، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ أَنَّ مَحِلَّ التَّحْرِيمِ إِذَا كَانَ الْخَاطِبُ مُسْلِمًا ، فَلَوْ خَطَبَ الذِّمِّيُّ ذِمِّيَّةً ، فَأَرَادَ الْمُسْلِمُ أَنْ يَخْطُبَهَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَوَافَقَهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ جُوَيْرِيَةَ ، وَالْخَطَّابِيُّ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عِنْدِ مُسْلِمٍ : الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَتِهِ حَتَّى يَذَرَ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَطَعَ اللَّهُ الْأُخُوَّةُ بَيْنَ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ فَيَخْتَصُّ النَّهْيُ بِالْمُسْلِمِ .

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : الْأَصْلُ فِي هَذَا الْإِبَاحَةِ حَتَّى يَرِدَ الْمَنْعُ ، وَقَدْ وَرَدَ الْمَنْعُ مُقَيَّدًا بِالْمُسْلِمِ فَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى إِلْحَاقِ الذِّمِّيِّ بِالْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ ، وَأَنَّ التَّعْبِيرَ بِأَخِيهِ خُرِّجَ عَلَى الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ وَكَقَوْلِهِ : وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَبَنَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هَلْ هُوَ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ وَاحْتِرَامِهِ أَوْ مِنْ حُقُوقِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ فَالرَّاجِحُ مَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ ، وَعَلَى الثَّانِي فَالرَّاجِحُ مَا قَالَ غَيْرُهُ ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْبِنَاءِ اخْتِلَافُهُمْ فِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِلْكَافِرِ فَمَنْ جَعَلَهَا مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ أَثْبَتَهَا لَهُ ، وَمَنْ جَعَلَهَا مِنْ حُقُوقِ الْمَالِكِ مَنَعَ ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْبَحْثِ مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ صَاحِبِ مَالِكٍ أَنَّ الْخَاطِبَ الْأَوَّلَ إِذَا كَانَ فَاسِقًا جَازَ لِلْعَفِيفِ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَتِهِ ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْهُمْ ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْمَخْطُوبَةُ عَفِيفَةً فَيَكُونُ الْفَاسِقُ غَيْرَ كُفْءٍ لَهَا ، فَتَكُونُ خِطْبَتُهُ كَلَا خِطْبَةٍ . وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْجُمْهُورُ ذَلِكَ إِذَا صَدَرَتْ مِنْهَا عَلَامَةُ الْقَبُولِ ، وَقَدْ أَطْلَقَ بَعْضُهُمُ الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ ، وَيَلْتَحِقُ بِهَذَا مَا حَكَاهُ بَعْضُهُمْ مِنَ الْجَوَازِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْخَاطِبُ الْأَوَّلُ أَهْلًا فِي الْعَادَةِ لَخِطْبَةِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ ، كَمَا لَوْ خَطَبَ سُوقِيٌّ بِنْتَ مَلِكٍ وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى التَّكَافُؤِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ خِطْبَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى خِطْبَةِ امْرَأَةٍ أُخْرَى ؛ إِلْحَاقًا لِحُكْمِ النِّسَاءِ بِحُكْمِ الرِّجَالِ ، وَصُورَتُهُ أَنْ تَرْغَبَ امْرَأَةٌ فِي رَجُلٍ وَتَدْعُوهُ إِلَى تَزْوِيجِهَا فَيُجِيبُهَا كَمَا تَقَدَّمَ ، فَتَجِيءُ امْرَأَةٌ أُخْرَى فَتَدْعُوهُ ، وَتُرَغِّبُهُ فِي نَفْسِهَا وَتُزَهِّدُهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِاسْتِحْبَابِ خِطْبَةِ أَهْلِ الْفَضْلِ مِنَ الرِّجَالِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحِلَّ هَذَا إِذَا كَانَ الْمَخْطُوبُ عَزَمَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ ، فَأَمَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَلَا تَحْرِيمَ ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ سِتَّةِ أَبْوَابٍ فِي بَابِ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا تَحِلُّ فِي النِّكَاحِ مَزِيدُ بَحْثٍ فِي هَذَا .

قَوْلُهُ : ( حَتَّى يَنْكِحَ ) ؛ أَيْ حَتَّى يَتَزَوَّجَ الْخَاطِبُ الْأَوَّلُ فَيَحْصُلُ الْيَأْسُ الْمَحْضُ ، وَقَوْلُهُ : ( أَوْ يَتْرُكَ ) ؛ أَيِ الْخَاطِبُ الْأَوَّلُ التَّزْوِيجَ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ لِلثَّانِي الْخِطْبَةُ ، فَالْغَايَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ : الْأُولَى تَرْجِعُ إِلَى الْيَأْسِ ، وَالثَّانِيَةُ تَرْجِعُ إِلَى الرَّجَاءِ ، وَنَظِيرُ الْأُولَى قَوْلُهُ تَعَالَى : حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث