حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْوَلِيمَةِ وَلَوْ بِشَاةٍ

بَاب الْوَلِيمَةِ وَلَوْ بِشَاةٍ 5167 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : سَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ، وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ : كَمْ أَصْدَقْتَهَا ؟ قَالَ : وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ . وَعَنْ حُمَيْدٍ ، قال : سَمِعْتُ أَنَسًا ، قَالَ : لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ نَزَلَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَارِ ، فَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَلَى سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ، فَقَالَ : أُقَاسِمُكَ مَالِي وَأَنْزِلُ لَكَ عَنْ إِحْدَى امْرَأَتَيَّ ؟ قَالَ : بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ ، فَخَرَجَ إِلَى السُّوقِ فَبَاعَ وَاشْتَرَى ، فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ فَتَزَوَّجَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ . قَوْلُهُ ( بَابُ الْوَلِيمَةِ وَلَوْ بِشَاةٍ ) أَيْ لِمَنْ كَانَ مُوسِرًا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ كُلَّهَا عَنْ أَنَسٍ : الْأَوَّلُ وَالثَّانِي قِصَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، قَطَعَهَا قِطْعَتَيْنِ .

قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا عَلِيٌّ ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِتَحْدِيثِ حُمَيْدٍ لَهُ وَسَمَاعِ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ فَأُمِنَ تَدْلِيسُهُمَا ، لَكِنَّهُ فَرَّقَهُ حَدِيثَيْنِ : فَذَكَرَ فِي الْأَوَّلِ سُؤَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَنْ قَدْرِ الصَّدَاقِ ، وَفِي الثَّانِي أَوَّلَ الْقِصَّةِ ، قَالَ : لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ نَزَلَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَارِ ، وَعَبَّرَ فِي هَذَا بِقَوْلِهِ : وَعَنْ حُمَيْدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا كَمَا قَالَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ ، وَهَذَا مَعْطُوفٌ فِيمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى الْأَوَّلِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، سَمِعْتُ أَنَسًا ، وَسَاقَ الْحَدِيثَيْنِ مَعًا ، وَأَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَنْ سُفْيَانَ بِالْحَدِيثِ كُلِّهِ مُفَرَّقًا ، وَقَالَ فِي كُلِّ مِنْهُمَا : حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ ، وَمِنْ طَرِيقِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، فَقَالَ : عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَسَاقَ الْجَمِيعُ حَدِيثًا وَاحِدًا ، وَقَدَّمَ الْقِصَّةَ الثَّانِيَةَ عَلَى الْأُولَى كَمَا فِي وَرَايَةِ غَيْرِ سُفْيَانَ ؛ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ وَفِي بَابِ الصُّفْرَةِ لِلْمُتَزَوِّجِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَفِي فَضْلِ الْأَنْصَارِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَفِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، وَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ كُلُّهُمْ عَنْ حُمَيْدٍ . وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ مَا يُدْعَى لِلْمُتَزَوِّجِ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ ، وَفِي بَابِ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، وَقَتَادَةَ كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ ، وَأَوْرَدَهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ نَفْسِهِ ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتِهِمْ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ .

وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ بَيَانُ مَنْ زَادَ فِي رِوَايَتِهِ ، فَجَعَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَأَكْثَرُ الطُّرُقِ تَجْعَلُهُ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسٍ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ الطُّرُقِ أَنَّهُ حَضَرَ الْقِصَّةَ وَإِنَّمَا نُقِلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْهَا مَا لَمْ يَقَعْ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ ( لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ لَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ . قَوْلُهُ ( نَزَلَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَارِ ) تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ .

قَوْلُهُ ( فَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَلَى سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ لَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ : قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَآخَى ، وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ نَفْسِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ حُمَيْدٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَالطَّبَرَانِيِّ : آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ . فَآخَى بَيْنَ سَعْدٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ : قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَآخَى ، زَادَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ : وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ : لَقَدْ عَلِمَتِ الْأَنْصَارُ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فِي فَضَائِلِ الْأَنْصَارِ ، وَقِصَّةُ مَوْتِهِ فِي غَزْوَةِ أَحَدٍ ، وَوَقَعَ عِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَى بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ؛ فَقَالَ عُثْمَانُ ، لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ : إِنَّ لِي حَائِطَيْنِ الْحَدِيثَ ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ رَاوِيهِ عُمَارَةَ بْنِ زَاذَانَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : أُقَاسِمُكَ مَالِي وَأَنْزِلُ لَكَ عَنْ إِحْدَى امْرَأَتَيَّ ) ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ : فَانْطَلَقَ بِهِ سَعْدٌ إِلَى مَنْزِلِهِ ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَا ، وَقَالَ : لِيَ امْرَأَتَانِ وَأَنْتَ أَخِي لَا امْرَأَةَ لَكَ ، فَأَنْزِلُ عَنْ إِحْدَاهُمَا فَتَتَزَوَّجَهَا ، قَالَ : لَا وَاللَّهِ ، قَالَ : هَلُمَّ إِلَى حَدِيقَتِي أُشَاطِرْكَهَا ، قَالَ : فَقَالَ : لَا ، وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ : فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَاسِمَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ : وَلِيَ امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَأُطَلِّقُهَا ، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْهَا ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي ، وَانْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ هَوَيْتَ فَأَنْزِلُ لَكَ عَنْهَا فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَفِي لَفْظٍ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لِي فَأُطَلِّقْهَا ، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ عِنْدَ أَحْمَدَ : فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : أَيْ أَخِي ، أَنَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالًا ، فَانْظُرْ شَطْرَ مَالِي فَخُذْهُ ، وَتَحْتِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَيَّهُمَا أَعْجَبُ إِلَيْكَ حَتَّى أُطَلِّقَهَا ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ امْرَأَتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ إِلَّا أَنَّ ابْنَ سَعْدٍ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ أُمُّ سَعْدٍ وَاسْمُهَا جَمِيلَةُ وَأُمُّهَا عَمْرَةُ بِنْتُ حَزْمٍ ، وَتَزَوَّجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أُمَّ سَعْدٍ فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَهُ خَارِجَةَ ، فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا تَسْمِيَةُ إِحْدَى امْرَأَتَيْ سَعْدٍ .

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي التَّفْسِيرِ قِصَّةَ مَجِيءِ امْرَأَةِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْ سَعْدٍ لَمَّا اسْتُشْهِدَ ، فَقَالَتْ : إِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مِيرَاثَهُمَا ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمَوَارِيثِ ، وَسَمَّاهَا إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ بِسَنَدٍ لَهُ مُرْسَلٍ عَمْرَةَ بِنْتَ حَزْمٍ . قَوْلُهُ ( بَارَكَ اللَّهُ فِي أَهْلِكِ وَمَالِكِ ) فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ ، هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ ؟ قَالَ : سُوقُ بَنِي قَيْنُقَاعَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُ قَيْنُقَاعَ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ فَدَلُّوهُ . قَوْلُهُ ( فَخَرَجَ إِلَى السُّوقِ فَبَاعَ وَاشْتَرَى ، فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ ) ، فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ : فَاشْتَرَى وَبَاعَ فَرَبِحَ ، فَجَاءَ بِشَيْءٍ مِنْ سَمْنٍ وَأَقِطٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ ، فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ ، وَفِيهِ حَذْفٌ بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا فَأَتَى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ ، وَنَحْوُهُ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَكَذَا لِأَحْمَدَ ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ .

قَوْلُهُ ( فَتَزَوَّجَ ) زَادَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ثُمَّ تَابَعَ الْغَدْوَ ؛ يَعْنِي إِلَى السُّوقِ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ فَمَكَثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ وَضَرُ صُفْرَةٍ وَنَحْوُهُ لِابْنِ عُلَيَّةَ ، وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ ، وَالْأَنْصَارِيِّ : فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، زَادَ ابْنُ سَعْدٍ : فِي سِكَّةٍ مِنْ سِكَكِ الْمَدِينَةِ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ أَثَرَ صُفْرَةٍ ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَعَلَيْهِ رَدْعُ زَعْفَرَانٍ ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنْ ثَابِتٍ عِنْدَ أَحْمَدَ : وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ خَلُوقٍ ، وَأَوَّلُ حَدِيثِ مَالِكٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَفْسِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ : فَرَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَاشَةَ الْعُرْسِ وَالْوَضَرَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ رَاءٌ هُوَ فِي الْأَصْلِ الْأَثَرُ ، وَالرَّدْعُ بِمُهْمَلَاتٍ - مَفْتُوحُ الْأَوَّلِ سَاكِنُ الثَّانِي - هُوَ أَثَرُ الزَّعْفَرَانِ ، وَالْمُرَادُ بِالصُّفْرَةِ سُفْرَةُ الْخَلُوقِ ، وَالْخَلُوقُ طِيبٌ يُصْنَعُ مِنْ زَعْفَرَانٍ وَغَيْرِهِ . قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ( سَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ أَيْ سَأَلَهُ حِينَ تَزَوَّجَ ، وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ جَزَمَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي كِتَابِ النَّسَبِ أَنَّهَا بِنْتُ أَبِي الْحَيْسَرِ أَنَسِ بْنِ رَافِعِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ ، وَفِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِنْ طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّهَا بِنْتُ أَبِي الْحَشَّاشِ وَسَاقَ نَسَبَهُ ، وَأَظُنُّهُمَا ثِنْتَيْنِ ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ قَالَ : وَلَدَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ، الْقَاسِمَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ : وَلَدَتْ لَهُ إِسْمَاعِيلَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ ، وَذَكَرَ ابْنُ الْقَدَّاحِ فِي نَسَبِ الْأَوْسِ أَنَّهَا أُمُّ إِيَاسٍ بِنْتُ أَبِي الْحَيْسَرِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ رَاءٌ وَاسْمُهُ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ الْأَوْسِيُّ ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ : فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ ، وَابْنِ عُلَيَّةَ ، وَابْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِمْ ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَهْيَمْ ؟ وَمَعْنَاهُ : مَا شَأْنُكَ أَوْ مَا هَـذَا ؟ وَهِيَ كَلِمَةُ اسْتِفْهَامٍ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّكُونِ ، وَهَلْ هِيَ بَسِيطَةٌ أَوْ مَرْكَبَةٌ ؟ قَوْلَانِ لِأَهْلِ اللُّغَةِ . وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ : هِيَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَخْبِرْ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ لِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ فَقَالَ لَهُ : مَهْيَمْ ؟ وَكَانَتْ كَلِمَتَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الشَّيْءِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ مَهْيَنْ بِنُونٍ آخِرَهُ بَدَلَ الْمِيمِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ .

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ ثَابِتٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ : قَالَ : مَا هَـذَا ؟ ، وَقَالَ فِي جَوَابِهِ : تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ : أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنَ بْنَ عَوْفٍ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ خُضِبَ بِالصُّفْرَةِ ، فَقَالَ : مَا هَـذَا الْخِضَابُ ، أَعْرَسْتَ ؟ قَالَ نَعَمْ الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ ( كَمْ أَصْدَقْتَهَا ) كَذَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَمَعْمَرٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ : عَلَى كَمْ ، وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ ، وَزُهَيْرٍ : مَا سُقْتَ إِلَيْهَا وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَفْسِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ : كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا . قَوْلُهُ ( وَزْنَ نَوَاةٍ ) بِنَصْبِ النُّونِ عَلَى تَقْدِيرِ فِعْلٍ أَيْ أَصْدَقْتُهَا ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أَيِ الَّذِي أَصْدَقْتُهَا هُـوَ .

قَوْلُهُ ( مِنْ ذَهَبٍ ) كَذَا وَقَعَ الْجَزْمُ بِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، وَحُمَيْدٍ ، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ ، وَابْنِ عُلَيَّةَ : نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ ، أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَفْسِهِ بِالشَّكِّ ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ ، وَعَنْ قَتَادَةَ : عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَمِثْلُ الْأَخِيرِ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ . قَالَ : فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : مِنْ ذَهَبٍ ، وَرَجَّحَ الدَّاوُدِيُّ رِوَايَةَ مَنْ قَالَ : عَلَى نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ، وَاسْتَنْكَرَ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى وَزْنَ نَوَاةٍ ، وَاسْتِنْكَارُهُ هُوَ الْمُنْكَرُ لِأَنَّ الَّذِينَ جَزَمُوا بِذَلِكَ أَئِمَّةٌ حُفَّاظٌ ، قَالَ عِيَاضٌ : لَا وَهْمَ فِي الرِّوَايَةِ لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ نَوَاةَ تَمْرٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ كَانَ لِلنَّوَاةِ قَدْرٌ مَعْلُومٌ صَلُحَ أَنْ يُقَالَ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَزْنُ نَوَاةٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ نَوَاةٌ ، فَقِيلَ : الْمُرَادُ وَاحِدَةُ نَوَى التَّمْرِ كَمَا يُوزَنُ بِنَوَى الْخَرُّوبِ وَأَنَّ الْقِيمَةَ عَنْهَا يَوْمَئِذٍ كَانَتْ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ، وَقِيلَ : كَانَ قَدْرُهَا يَوْمَئِذٍ رُبْعُ دِينَارٍ ، وَرُدَّ بِأَنَّ نَوَى التَّمْرِ يَخْتَلِفُ فِي الْوَزْنِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ مِعْيَارًا لِمَا يُوزَنُ بِهِ ؟ وَقِيلَ : لَفْظُ النَّوَاةُ مِنْ ذَهَبٍ عِبَارَةٌ عَمَّا قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ مِنَ الْوَرِقِ ، وَجَزَمَ بِهِ الْخَطَّابِيُّ وَاخْتَارَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَنَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قُوِّمَتْ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ، وَقِيلَ : وَزْنُهَا مِنَ الذَّهَبِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ، حَكَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ فَارِسٍ ، وَجَعَلَهُ الْبَيْضَاوِيُّ الظَّاهِرَ ، وَاسْتُبْعِدَ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثَةَ مَثَاقِيلَ وَنِصْفًا . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ ، عَنْ قَتَادَةَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ : قُوِّمَتْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَثُلُثًا وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، وَلَكِنْ جَزَمَ بِهِ أَحْمَدُ ، وَقِيلَ : ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ ، وَقِيلَ : ثَلَاثَةٌ وَرُبْعٌ ، وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ : النَّوَاةُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ رُبْعُ دِينَارٍ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ فِي آخِرِ حَدِيثٍ ، قَالَ أَنَسٌ : جَاءَ وَزْنُهَا رُبْعَ دِينَارٍ ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : النَّوَاةُ رُبْعُ النَّشِّ ، وَالنَّشُّ نِصْفُ أُوقِيَّةٍ وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَيَكُونُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ دَفَعَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ، وَهِيَ تُسَمَّى نَوَاةً كَمَا تُسَمَّى الْأَرْبَعُونَ أُوقِيَّةً ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عَوَانَةَ وَآخَرُونَ .

قَوْلُهُ في آخِرَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : ( فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ) لَيْسَتْ لَوْ هَذِهِ الِامْتِنَاعِيَّةَ وَإِنَّمَا هـيَ الَّتِي لِلتَّقْلِيلِ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ : فَقَالَ : بَارَكَ اللَّهُ لَكَ قَبْلَ قَوْلِهِ أَوْلِمْ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، وَحُمَيْدٍ ، وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَلَوْ رَفَعْتُ حَجَرًا لَرَجَوْتُ أَنْ أُصِيبَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً ، فَكَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ بِأَنْ يُبَارِكَ اللَّهُ لَهُ . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ : أَعْرَسْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَوْلَمْتَ ؟ قَالَ : لَا .

فَرَمَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ، فَقَالَ : أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ، وَهَذَا لَوْ صَحَّ كَانَ فِيهِ أَنَّ الشَّاةَ مِنْ إِعَانَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ يُعَكِّرُ عَلَى مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ أَقَلُّ مَا يُشْرَعُ لِلْمُوسِرِ ، وَلَكِنَّ الْإِسْنَادَ ضَعِيفٌ كَمَا تَقَدَّمَ . وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنْ ثَابِتٍ : قَالَ أَنَسٌ : فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ قُسِمَ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِائَةُ أَلْفٍ . قُلْتُ : مَاتَ عَنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَيَكُونُ جَمِيعُ تَرِكَتِهِ ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِتَرِكَةِ الزُّبَيْرِ الَّتِي تَقَدَّمَ شَرْحُهَا فِي فَرْضِ الْخُمُسِ قَلِيلٌ جِدًّا ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ دَنَانِيرَ وَتِلْكَ دَرَاهِمَ لِأَنَّ كَثْرَةَ مَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَشْهُورَةٌ جِدًّا ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَوْكِيدِ أَمْرِ الْوَلِيمَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ .

وَعَلَى أَنَّهَا تَكُونُ بَعْدَ الدُّخُولِ ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهَا تُسْتَدْرَكُ إِذَا فَاتَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ ، وَعَلَى أَنَّ الشَّاةَ أَقَلُّ مَا تُجْزِئُ عَنِ الْمُوسِرِ ، وَلَوْلَا ثُبُوتُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَمَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ كَمَا سَيَأْتِي بِأَقَلَّ مِنَ الشَّاةِ لَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ أَقَلُّ مَا تُجْزِئُ فِي الْوَلِيمَةِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالْقَادِرِ عَلَيْهَا ، وَأَيْضًا فَيُعَكِّرُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ خِطَابٌ وَاحِدٌ ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ هَلْ يَسْتَلْزِمُ الْعُمُومَ أَوْ لَا ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ ، قَالَ : لَا أَعْلَمُهُ أَمَرَ بِذَلِكَ غَيْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَلَا أَعْلَمُهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ الْوَلِيمَةَ فَجَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا فِي كَوْنِ الْوَلِيمَةِ لَيْسَتْ بِحَتْمٍ ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ السِّيَاقِ طَلَبُ تَكْثِيرِ الْوَلِيمَةِ لِمَنْ يَقْدِرْ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهَا ، وَأَمَّا أَقَلُّهَا فَكَذَلِكَ ، وَمَهْمَا تَيَسَّرَ أَجْزَأَ ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنَّهَا عَلَى قَدْرِ حَالِ الزَّوْجِ ، وَقَدْ تَيَسَّرَ عَلَى الْمُوسِرِ الشَّاةُ فَمَا فَوْقَهَا ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي تَكْرَارِهَا فِي الْأَيَّامِ بَعْدَ قَلِيلٍ . وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مَنْقَبَةٌ لِسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فِي إِيثَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا ذَكَرَ ، وَلِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي تَنَزُّهِهِ عَنْ شَيْءٍ يَسْتَلْزِمُ الْحَيَاءَ وَالْمُرُوءَةَ اجْتِنَابُهُ وَلَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمُؤَاخَاةِ وَحُسْنِ الْإِيثَارِ مِنَ الْغَنِيِّ لِلْفَقِيرِ حَتَّى بِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ ، وَاسْتِحْبَابُ رَدِّ مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ آثَرَ بِهِ لِمَا يَغْلِبُ فِي الْعَادَةِ مِنْ تُكَلِّفِ مِثْلِ ذَلِكَ ، فَلَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّفْ جَازَ .

وَفِيهِ أَنَّ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ بِقَصْدٍ صَحِيحٍ عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّكَسُّبِ ، وَأَنْ لَا نَقْصَ عَلَى مَنْ يَتَعَاطَى مِنْ ذَلِكَ مَا يَلِيقُ بِمُرُوءَةِ مِثْلِهِ ، وَكَرَاهَةُ قَبُولِ مَا يَتَوَقَّعُ مِنْهُ الذُّلُّ مِنْ هِبَةٍ وَغَيْرِهَا ، وَأَنَّ الْعَيْشَ مِنْ عَمَلِ الْمَرْءِ بِتِجَارَةٍ أَوْ حِرْفَةٍ أَوْلَى لِنَزَاهَةِ الْأَخْلَاقِ مِنَ الْعَيْشِ بِالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ لِلْمُتَزَوِّجِ ، وَسُؤَالِ الْإِمَامِ وَالْكَبِيرِ أَصْحَابَهُ وَأَتْبَاعَهُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا رَأَى مِنْهُمْ مَا لَمْ يَعْهَدْ . وَجَوَازُ خُرُوجِ الْعَرُوسِ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْعُرْسِ مِنْ خَلُوقٍ وَغَيْرِهِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّزَعْفُرِ لِلْعَرُوسِ ، وَخَصَّ بِهِ عُمُومَ النَّهْيِ عَنِ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الصُّفْرَةِ كَانَتْ فِي ثِيَابِهِ دُونَ جَسَدِهِ ، وَهَذَا الْجَوَابُ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ فِي جَوَازِهِ فِي الثَّوْبِ دُونَ الْبَدَنِ ، وَقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ مَالِكٌ عَنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ ، وَفِيهِ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ رَجُلٍ فِي جَسَدِهِ شَيْءٌ مِنْ خَلُوقٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، فَإِنَّ مَفْهُومَهَ أَنَّ مَا عَدَا الْجَسَدَ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْوَعِيدُ ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا فِي الثَّوْبِ أَيْضًا ، وَتَمَسَّكُوا بِالْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ وَهِيَ صَحِيحَةٌ ، وَفِيهَا مَا هُـوَ صَرِيحٌ فِي الْمُدَّعِي كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ ، وَعَلَى هَذَا فَأُجِيبُ عَنْ قِصَّةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى تَارِيخٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ سِيَاقَ قِصَّةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ ، وَأَكْثَرُ مَنْ رَوَى النَّهْيَ مِمَّنْ تَأَخَّرَتْ هِجْرَتُهُ .

ثَانِيهَا أَنَّ أَثَرَ الصُّفْرَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنْ جِهَةِ زَوْجَتِهِ فَكَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَقْصُودٍ لَهُ ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَعَزَاهُ لِلْمُحَقِّقِينَ ، وَجَعَلَهُ الْبَيْضَاوِيُّ أَصْلًا رَدَّ إِلَيْهِ أَحَدَ الِاحْتِمَالَيْنِ أَبَدَاهُمَا فِي قَوْلِهِ مَهْيَمْ ؛ فَقَالَ : مَعْنَاهُ : مَا السَّبَبُ فِي الَّذِي أَرَاهُ عَلَيْكَ ؟ فَلِذَلِكَ أَجَابَ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَ ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّضَمُّخِ بِالْخَلُوقِ ، فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ : تَزَوَّجْتُ ، أَيْ فَتَعَلَّقَ بِي مِنْهَا وَلَمْ أَقْصِدْ إِلَيْهِ . ثَالِثُهَا أَنَّهُ كَانَ قَدِ احْتَاجَ إِلَى التَّطَيُّبِ لِلدُّخُولِ عَلَى أَهْلِهِ فَلَمْ يَجِدْ مَنْ طِيبِ الرِّجَالِ حِينَئِذٍ شَيْئًا فَتَطَيَّبَ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ ، وَصَادَفَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ صُفْرَةٌ فَاسْتَبَاحَ الْقَلِيلَ مِنْهُ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ فِي التَّطَيُّبِ لِلْجُمْعَةِ وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ فَبَقِيَ أَثَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ . رَابِعُهَا كَانَ يَسِيرًا وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَثَرُهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرْ .

خَامِسُهَا وَبِهِ جَزَمَ الْبَاجِيُّ أَنَّ الَّذِي يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ زَعْفَرَانٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ ، وَأَمَّا مَا كَانَ لَيْسَ بِطِيبٍ فَهُوَ جَائِزٌ . سَادِسُهَا أَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ لَيْسَ عَلَى التَّحْرِيمِ بِدَلَالَةِ تَقْرِيرِهِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . سَابِعُهَا أَنَّ الْعَرُوسَ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ شَابًّا ، ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدٍ ، قَالَ : وَكَانُوا يرخصون لِلشَّابِّ فِي ذَلِكَ أَيَّامَ عُرْسِهِ ، قَالَ : وَقِيلَ : كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مَنْ تَزَوَّجَ لَبِسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا عَلَامَةً لِزَوَاجِهِ لِيُعَانَ عَلَى وَلِيمَةِ عُرْسِهِ ، قَالَ : وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ .

قُلْتُ : وَفِي اسْتِفْهَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالتَّزْوِيجِ ، لَكِنْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ : فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَأَى عَلَيَّ بَشَاشَةَ الْعُرْسِ ، فَقَالَ : أَتَزَوَّجْتَ ؟ قُلْتُ : تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَقَدْ يُتَمَسَّكُ بِهَذَا السِّيَاقِ لِلْمُدَّعِي وَلَكِنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ ، وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : مَهْيَمْ أَوْ مَا هَـذَا فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَبَشَاشَةُ الْعُرْسِ أَثَرُهُ وَحُسْنُهُ أَوْ فَرَحُهُ وَسُرُورُهُ ، يُقَالُ : بَشَّ فُلَانٌ بِفُلَانٍ أَيْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَرِحًا بِهِ مُلَطِّفًا بِهِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ صَدَاقٍ لِاسْتِفْهَامِهِ عَلَى الْكَمْيَّةِ ، وَلَمْ يَقُلْ هَلْ أَصْدَقَهَا أَوْ لَا ؟ وَيُشْعِرُ ظَاهِرُهُ بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ لِإِطْلَاقِ لَفْظِ كَمْ الْمَوْضُوعَةِ لِلتَّقْدِيرِ ، كَذَا قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الِاسْتِخْبَارَ عَنِ الْكَثْرَةِ أَوِ الْقِلَّةِ فَيُخْبِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا يَلِيقُ بِحَالِ مِثْلِهِ ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ الْقَدْرَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ بَلْ أَقَرَّهُ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَقْلِيلِ الصَّدَاقِ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ كَانَ مِنْ مَيَاسِيرِ الصَّحَابَةِ ، وَقَدْ أَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِصْدَاقِهِ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهُ الْيَسَارُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ مُلَازَمَةِ التِّجَارَةِ حَتَّى ظَهَرَتْ مِنْهُ مِنَ الْإِعَانَةُ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ مَا اشْتَهَرَ ، وَذَلِكَ بِبَرَكَةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْمُوَاعَدَةِ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا إِذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَأَوْفَتِ الْعِدَّةَ ، لِقَوْلِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ : انْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ أَعْجَبُ إِلَيْكَ حَتَّى أُطَلِّقَهَا فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا تَزَوَّجْتَهَا وَوَقَعَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ ، وَيُعَكِّرُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ الْمَرْأَةَ عَلِمَتْ بِذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا وَلَمْ يَقَعْ تَعْيِينُهَا ، لَكِنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى أَحْوَالِهِمْ إِذْ ذَاكَ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا عَلِمَتَا مَعًا لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْحِجَابِ فَكَانُوا يَجْتَمِعُونَ ، وَلَوْلَا وُثُوقُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالرِّضَا مَا جَزَمَ بِذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : لَا يَسْتَلْزِمُ الْمُوَاعَدَةَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ وُقُوعُ الْمُوَاعَدَةِ بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ وَالْمَرْأَةِ ، لِأَنَّهَا إِذَا مُنِعَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ مِنْ خِطْبَتِهَا تَصْرِيحًا فَفِي هَذَا يَكُونُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهَا إِذَا طُلِّقَتْ دَخَلَتِ الْعِدَّةَ قَطْعًا ، قَالَ : وَلَكِنَّهَا وَإِنِ اطَّلَعَتْ عَلَى ذَلِكَ فَهِيَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْخِيَارِ ، وَالنَّهْيُ إِنَّمَا وَقَعَ عَنِ الْمُوَاعَدَةِ بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ وَالْمَرْأَةِ أَوْ وَلِيِّهَا لَا مَعَ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ .

وَفِيهِ جَوَازُ نَظَرِ الرَّجُلِ إِلَى الْمَرْأَةِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا . ( تَنْبِيهٌ ) : حَقُّهُ أَنْ يَذْكُرَ فِي مَكَانِهِ مِنْ كِتَابِ الْأَدَبِ ، لَكِنْ تَعَجَّلْتُهُ هُنَا لِتَكْمِيلِ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ تَرْجَمَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ بَابُ الْإِخَاءِ وَالْحَلِفِ ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ، عَنْ حُمَيْدٍ وَاخْتَصَرَهُ ، فَاقْتَصَرَ مِنْهُ عَلَى قَوْلِهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَآخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ، فَرَأَى ذَلِكَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فَظَنَّ أَنَّهُ حَدِيثٌ مُسْتَقِلٌّ ؛ فَتَرْجَمَ فِي أَبْوَابِ الْوَلِيمَةِ : ذِكْرُ الْوَلِيمَةِ لِلْإِخَاءِ ، ثُمَّ سَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَقَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ . وَكَوْنُ هَذَا طُرَفًا مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى مُمَارَسَةٍ بِهَذَا الْفَنِّ ، وَالْبُخَارِيُّ يَصْنَعُ ذَلِكَ كَثِيرًا ، وَالْأَمْرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِالْوَلِيمَةِ إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ الزَّوَاجِ لَا لِأَجْلِ الْإِخَاءِ ، وَقَدْ تَعَرَّضَ الْمُحِبُّ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ أَبَدَاهُ احْتِمَالًا ، وَلَا يَحْتَمِلُ جَرَيَانُ هَذَا الِاحْتِمَالِ مِمَّنْ يَكُونُ مُحَدِّثًا ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث