بَاب هَلْ يَرْجِعُ إِذَا رَأَى مُنْكَرًا فِي الدَّعْوَةِ
بَاب هَلْ يَرْجِعُ إِذَا رَأَى مُنْكَرًا فِي الدَّعْوَةِ ؟ وَرَأَى ابن مَسْعُودٍ صُورَةً فِي الْبَيْتِ فَرَجَعَ ، وَدَعَا ابْنُ عُمَرَ ، أَبَا أَيُّوبَ فَرَأَى فِي الْبَيْتِ سِتْرًا عَلَى الْجِدَارِ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : غَلَبَنَا عَلَيْهِ النِّسَاءُ ، فَقَالَ : مَنْ كُنْتُ أَخْشَى عَلَيْهِ فَلَمْ أَكُنْ أَخْشَى عَلَيْكَ ، وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُ لَكُمْ طَعَامًا فَرَجَعَ . 5181 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ، مَاذَا أَذْنَبْتُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ ؟ قَالَتْ : فَقُلْتُ : اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ، وَقَالَ : إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ . قَوْلُهُ ( بَابُ هَلْ يَرْجِعُ إِذَا رَأَى مُنْكَرًا فِي الدَّعْوَةِ ) هَكَذَا أَوْرَدَ التَّرْجَمَةَ بِصُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ ، وَلَمْ يَبُتَّ الْحُكْمَ لِمَا فِيهَا مِنَ الِاحْتِمَالِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَوْلُهُ ( وَرَأَى ابْنُ مَسْعُودٍ صُورَةً فِي الْبَيْتِ فَرَجَعَ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالْأَصِيلِيِّ ، وَالْقَابِسِيِّ ، وَعَبْدُوسٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَاقِي أَبُو مَسْعُودٍ وَالْأَوَّلُ تَصْحِيفٌ فِيمَا أَظُنُّ فَإِنَّنِي لَمْ أَرَ الْأَثَرَ الْمُعَلَّقَ إِلَّا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا صَنَعَ طَعَامًا فَدَعَاهُ ، فَقَالَ : أَفِي الْبَيْتِ صُورَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَأَبَى أَنْ يَدْخُلَ حَتَّى تُكْسَرَ الصُّورَةُ ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ . وَخَالِدُ بْنُ سَعْدٍ هُوَ مَوْلَى أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رِوَايَةً ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا لَكِنْ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ .
قَوْلُهُ ( وَدَعَا ابْنُ عُمَرَ ، أَبَا أَيُّوبَ فَرَأَى فِي الْبَيْتِ سِتْرًا عَلَى الْجِدَارِ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : غَلَبَنَا عَلَيْهِ النِّسَاءُ . فَقَالَ : مَنْ كُنْتُ أَخْشَى عَلَيْهِ فَلَمْ أَكُنْ أَخْشَى عَلَيْكَ ، وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُ لَكُمْ طَعَامًا . فَرَجَعَ ) ، وَصَلَهُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الْوَرَعِ وَمُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ ، وَمِنْ طَرِيقِهِ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : أَعْرَسْتُ فِي عَهْدِ أَبِي ، فَآذَنَ أَبِي النَّاسَ ، فَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ فِيمَنْ آذَنَّا وَقَدْ سَتَرُوا بَيْتِي بِبِجَادٍ أَخْضَرَ ، فَأَقْبَلَ أَبُو أَيُّوبَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ ، فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَسْتُرُونَ الْجُدُرَ ؟ فَقَالَ أَبِي وَاسْتَحْيَا : غَلَبَنَا عَلَيْهِ النِّسَاءُ يَا أَبَا أَيُّوبَ ، فَقَالَ : مَنْ خَشِيتُ أَنْ تَغْلِبَهُ النِّسَاءُ ، فَذَكَرَهُ وَوَقَعَ لَنَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ سَالِمٍ بِمَعْنَاهُ وَفِيهِ : فَأَقْبَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ، حَتَّى أَقْبَلَ أَبُو أَيُّوبَ ، وَفِيهِ : فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتَرْجِعَنَّ ، فَقَالَ : وَأَنَا أَعْزِمُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أَدْخُلَ يَوْمِي هَذَا ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ وَقَعَ نَحْوُ ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ فِيمَا بَعْدَ فَأَنْكَرَهُ وَأَزَالَ مَا أَنْكَرَ وَلَمْ يَرْجِعْ كَمَا صَنَعَ أَبُو أَيُّوبَ ، فَرُوِّينَا فِي كِتَابِ الزُّهْدِ لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، قَالَ : دَخَلَ ابْنُ عُمَرَ بَيْتَ رَجُلٍ دَعَاهُ إِلَى عُرْسٍ ، فَإِذَا بَيْتُهُ قَدْ سُتِرَ بِالْكُرُورِ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : يَا فُلَانُ مَتَى تَحَوَّلَتِ الْكَعْبَةُ فِي بَيْتِكَ ؟ ثُمَّ قَالَ لِنَفَرٍ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِيَهْتِكْ كُلُّ رَجُلٍ مَا يَلِيهِ .
وَأَخْرَجَ ابْنُ وَهْبٍ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ دُعِيَ لِعُرْسٍ فَرَأَى الْبَيْتَ قَدْ سُتِرَ فَرَجَعَ ، فَسُئِلَ فَذَكَرَ قِصَّةَ أَبِي أَيُّوبَ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي الصُّوَرِ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ وَبَيَانُ حُكْمِ الصُّوَرِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ ، وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهَا قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدُّخُولُ فِي الدَّعْوَةِ يَكُونُ فِيهَا مُنْكَرٌ مِمَّا نَهَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِظْهَارِ الرِّضَا بِهَا ، وَنَقَلَ مَذَاهِبَ الْقُدَمَاءِ فِي ذَلِكَ ، وَحَاصِلُهُ إِنْ كَانَ هُنَاكَ مُحَرَّمٌ وَقَدَرَ عَلَى إِزَالَتِهِ فَأَزَالَهُ فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيَرْجِعْ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ فَلَا يَخْفَى الْوَرَعُ ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ ابْنِ عُمَرَ مِنِ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي دُخُولِ الْبَيْتِ الَّذِي سُتِرَتْ جُدُرَهُ ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا قَعَدَ الَّذِينَ قَعَدُوا وَلَا فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ ، فَيُحْمَلُ فِعْلُ أَبِي أَيُّوبَ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو أَيُّوبَ كَانَ يَرَى التَّحْرِيمَ وَالَّذِينَ لَمْ يُنْكِرُوا كَانُوا يَرَوْنَ الْإِبَاحَةَ ، وَقَدْ فَصَّلَ الْعُلَمَاءُ ذَلِكَ عَلَى مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ ، قَالُوا : إِنْ كَانَ لَهْوًا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ فَيَجُوزُ الْحُضُورُ ، وَالْأَوْلَى التَّرْكُ . وَإِنْ كَانَ حَرَامًا كَشُرْبِ الْخَمْرِ نَظَرَ فَإِنْ كَانَ الْمَدْعُوُّ مِمَّنْ إِذَا حَضَرَ رُفِعَ لِأَجْلِهِ فَلْيَحْضُرْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَفِيهِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا يَحْضُرُ وَيُنْكِرُ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَحْضُرَ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ، وَعَلَيْهِ جَرَى الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهِ . وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ : لَا بَأْسَ أَنْ يَقْعُدَ وَيَأْكُلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ يُقْتَدَى بِهِ ، فَإِنْ كَانَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهِمْ فَلْيَخْرُجْ لِمَا فِيهِ مِنْ شَيْنِ الدِّينِ وَفَتْحِ بَابِ الْمَعْصِيَةِ . وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَعَدَ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُقْتَدًى بِهِ ، قَالَ : وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ الْحُضُورِ ، فَإِنْ عَلِمَ قَبْلَهُ لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِجَابَةُ ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ تَحْرِيمُ الْحُضُورِ لِأَنَّهُ كَالرِّضَا بِالْمُنْكَرِ وَصَحَّحَهُ الْمَرَاوِزَةُ ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى حَضَرَ فَلْيَنْهَهُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا فَلْيَخْرُجْ إِلَّا إِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى الْحَنَابِلَةُ .
وَكَذَا اعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ فِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مُنْكَرٌ ، وَإِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْهَيْئَةِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْضُرَ مَوْضِعًا فِيهِ لَهْوٌ أَصْلًا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ ، وَيُؤَيِّدُ مَنْعَ الْحُضُورِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِجَابَةِ طَعَامِ الْفَاسِقِينَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَعَ وُجُودِ الْأَمْرِ الْمُحَرَّمِ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَقْعُدْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ جَابِرٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ فِيهِ انْقِطَاعٌ ، وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ . وَأَمَّا حُكْمُ سِتْرِ الْبُيُوتِ وَالْجُدْرَانِ فَفِي جَوَازِهِ اخْتِلَافٌ قَدِيمٌ ، وَجَزَمَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ بِالْكَرَاهَةِ ، وَصَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ الْمَقْدِسِيُّ مِنْهُمْ بِالتَّحْرِيمِ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ ، وَجَذَبَ السِّتْرَ حَتَّى هَتَكَهُ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هَذِهِ اللَّفْظَةُ تَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ سَتْرِ الْجِدَارِ ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَنْعَ كَانَ بِسَبَبِ الصُّورَةِ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : لَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ نَفْيُ الْأَمْرِ لِذَلِكَ ، وَنَفْيُ الْأَمْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ النَّهْيِ ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُحْتَجَّ بِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَتْكِهِ . وَجَاءَ النَّهْي عَنْ سِتْرِ الْجُدُرِ صَرِيحًا ، مِنْهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ وَلَا تَسْتُرُوا الْجُدُرَ بِالثِّيَابِ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَخْرَجَهُ ابْنُ وَهْبٍ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ مَوْقُوفًا أَنَّهُ أَنْكَرَ سَتْرَ الْبَيْتِ وَقَالَ : أَمَحْمُومٌ بَيْتُكُمْ أَوْ تَحَوَّلَتِ الْكَعْبَةُ عِنْدَكُمْ ؟ قَالَ : لَا أَدْخُلُهُ حَتَّى يُهْتَكَ ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا خَبَرُ أَبِي أَيُّوبَ ، وَابْنُ عُمَرَ فِي ذَلِكَ . وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ أَنَّهُ رَأَى بَيْتًا مَسْتُورًا ، فَقَعَدَ وَبَكَى وَذَكَرَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ : كَيْفَ بِكَمْ إِذَا سَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ ؟ الْحَدِيثَ وَأَصْلُهُ فِي النَّسَائِيِّ .