بَاب طَلَبِ الْوَلَدِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَيَّارٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا دَخَلْتَ لَيْلًا فَلَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِكَ حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ . قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَعَلَيْكَ بِالْكَيْسِ الْكَيْسِ . تَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ وَهْبٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكَيْسِ .
قَوْلُهُ ( إِذَا دَخَلْتَ لَيْلًا فَلَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِكَ ) مَعْنَى الدُّخُولِ الْأَوَّلِ : الْقُدُومُ ، أَيْ : إِذَا دَخَلْتَ الْبَلَدَ فَلَا تَدْخُلِ الْبَيْتَ . قَوْلُهُ ( قَالَ قَالَ ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ : قَالَ وَقَالَ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَلَفْظُهُ : قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا دَخَلْتَ فَعَلَيْكَ بِالْكَيْسِ الْكَيْسِ . قَوْلُهُ ( تَابَعَهُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ وَهْبٍ ، عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكَيْسِ ) عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ ، وَوَهْبٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ ، وَالْمُتَابِعُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ وَهْبٌ لَكِنَّهُ نَسَبَهَا إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ لِتَفَرُّدِهِ بِذَلِكَ عَنْ وَهْبٍ ، نَعَمْ قَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ هَذَا الْحَدِيثَ مُطَوَّلًا وَفِيهِ مَقْصُودُ الْبَابِ ، لَكِنْ بِلَفْظٍ آخَرَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ ، وَرِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ تَقَدَّمَتْ مَوْصُولَةً فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ أَوَّلُهُ : كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي قِصَّةِ الْجَمَلِ بِطُولِهَا ، وَفِيهِ قِصَّةُ تَزْوِيجِ جَابِرٍ وَقَوْلُهُ : أَفَلَا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ ، وَفِيهِ : أَمَّا إِنَّكَ قَادِمٌ ، فَإِذَا قَدِمْتَ فالكيس الْكَيْسِ وَقَوْلُهُ فالكيس بِالْفَتْحِ فِيهِمَا عَلَى الْإِغْرَاءِ ، وَقِيلَ : عَلَى التَّحْذِيرِ مِنْ تَرْكِ الْجِمَاعِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْكَيْسُ هُنَا بِمَعْنَى الْحَذَرِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْكَيْسُ بِمَعْنَى الرِّفْقِ وَحُسْنِ التَّأَتِّي .
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : الْكَيْسُ الْعَقْلُ ، كَأَنَّهُ جَعَلَ طَلَبَ الْوَلَدِ عَقْلًا . وَقَالَ غَيْرُهُ : أَرَادَ الْحَذَرَ مِنَ الْعَجْزِ عَنِ الْجِمَاعِ فَكَأَنَّهُ حَثَّ عَلَى الْجِمَاعِ . قُلْتُ : جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بَعْدَ تَخْرِيجِ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْكَيْسَ الْجِمَاعُ وَتَوْجِيهُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ : فَإِذَا قَدِمْتَ فَاعْمَلْ عَمَلًا كَيِّسًا ، وَفِيهِ : قَالَ جَابِرٌ : فَدَخَلْنَا حِينَ أَمْسَيْنَا ، فَقُلْتُ لِلْمَرْأَةِ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي أَنْ أَعْمَلَ عَمَلًا كَيِّسًا ، قَالَتْ : سَمْعًا وَطَاعَةً ، فَدُونَكَ .
قَالَ : فَبِتُّ مَعَهَا حَتَّى أَصْبَحْتُ . أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ . قَالَ عِيَاضٌ : فَسَّرَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ الْكَيْسَ بِطَلَبِ الْوَلَدِ وَالنَّسْلِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ ، قَالَ صَاحِبُ الْأَفْعَالِ : كَاسَ الرَّجُلُ فِي عَمَلِهِ حَذَقَ ، وَكَاسَ وَلَدَ وَلَدًا كَيِّسًا .
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ : كَاسَ الرَّجُلُ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ كَيِّسٌ اهـ . وَأَصْلُ الْكَيْسِ الْعَقْلُ كَمَا ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ ، لَكِنَّهُ بِمُجَرَّدِهِ لَيْسَ الْمُرَادَ هُنَا ، وَالشَّاهِدُ لِكَوْنِ الْكَيْسِ يُرَادُ بِهِ الْعَقْلُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : وَإِنَّمَا الشِّعْرُ لُبُّ الْمَرْءِ يَعْرِضُهُ عَلَى الرِّجَالِ فَإِنْ كَيْسًا وَإِنْ حُمْقًا فَقَابَلَهُ بِالْحُمْقِ وَهُوَ ضِدُّ الْعَقْلِ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ : الْكَيِّسِ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْأَحْمَقُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ : كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ ، حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْفِطْنَةُ .