حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَنْ خَيَّرَ أزواجه

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا عَامِرٌ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ ، عَنْ الْخِيَرَةِ ، فَقَالَتْ : خَيَّرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَفَكَانَ طَلَاقًا ؟ قَالَ مَسْرُوقٌ : لَا أُبَالِي أَخَيَّرْتُهَا وَاحِدَةً أَوْ مِائَةً بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي . قَوْلُهُ ( إِسْمَاعِيلُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ . قَوْلُهُ ( سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْخِيَرَةِ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ بِمَعْنَى الْخِيَارِ .

قَوْلُهُ ( أَفَكَانَ طَلَاقًا ؟ ) هُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ ، وَلِأَحْمَدَ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ فَهَلْ كَانَ طَلَاقًا ؟ وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ . قَوْلُهُ ( قَالَ مَسْرُوقٌ : لَا أُبَالِي أَخَيَّرْتُهَا وَاحِدَةً أَوْ مِائَةً بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ فَقَدَّمَ كَلَامَ مَسْرُوقٍ الْمَذْكُورَ وَلَفْظُهُ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ مَا أُبَالِي فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَزَادَ أَوْ أَلْفًا ، وَلَقَدْ سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَذَكَرَ حَدِيثَهَا ، وَبِقَوْلِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ يَقُولُ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ خَيَّرَ زَوْجَتَهُ فَاخْتَارَتْهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ طَلَاقٌ ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا هَـلْ يَقَعُ طَلْقَةً وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً أَوْ بَائِنًا أَوْ يَقَعُ ثَلَاثًا ؟ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ : إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَثَلَاثٌ ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ، وَعَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ : إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ، وَعَنْهُمَا رَجْعِيَّةٌ ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَلَا شَيْءَ . وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ الْجُمْهُورِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ التَّخْيِيرَ تَرْدِيدٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ ، فَلَوْ كَانَ اخْتِيَارُهَا لِزَوْجِهَا طَلَاقًا لَاتَّحَدَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اخْتِيَارَهَا لِنَفْسِهَا بِمَعْنَى الْفِرَاقِ وَاخْتِيَارَهَا لِزَوْجِهَا بِمَعْنَى الْبَقَاءِ فِي الْعِصْمَةِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ زَاذَانَ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عَلِيٍّ فَسُئِلَ عَنِ الْخِيَارِ فَقَالَ : سَأَلَنِي عَنْهُ عُمَرُ فَقُلْتُ : إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنٌ ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ ، قَالَ : لَيْسَ كَمَا قُلْتَ ، إِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَلَا شَيْءَ ، قَالَ : فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا مِنْ مُتَابَعَتِهِ ، فَلَمَّا وُلِّيتُ رَجَعْتُ إِلَى مَا كُنْتُ أَعْرِفُ ، قَالَ عَلِيٌّ : وَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَقَالَ فَذَكَرَ مِثْلَ مَا حَكَاهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ نَظِيرَ مَا حَكَاهُ عَنْهُ زَاذَانُ مِنِ اخْتِيَارِهِ ، وَأَخَذَ مَالِكٌ بِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ لِكَوْنِهَا إِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا يَقَعُ ثَلَاثًا بِأَنَّ مَعْنَى الْخِيَارِ بَتُّ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ : إِمَّا الْأَخْذُ ، وَإِمَّا التَّرْكُ ، فَلَوْ قُلْنَا إِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا تَكُونُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً لَمْ يُعْمَلْ بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ لِأَنَّهَا تَكُونُ بَعْدُ فِي أَسْرِ الزَّوْجِ وَتَكُونُ كَمَنْ خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَاخْتَارَ غَيْرَهُمَا ، وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ فِيمَا إِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْإِيرَادُ السَّابِقُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : التَّخْيِيرُ كِنَايَةٌ ، فَإِذَا خَيَّرَ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ وَأَرَادَ بِذَلِكَ تَخْيِيرَهَا بَيْنَ أَنْ تَطْلُقَ مِنْهُ وَبَيْنَ أَنْ تَسْتَمِرَّ فِي عِصْمَتِهِ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَأَرَادَتْ بِذَلِكَ الطَّلَاقَ طَلُقَتْ ، فَلَوْ قَالَتْ : لَمْ أُرِدْ بِاخْتِيَارِ نَفْسِي الطَّلَاقَ صُدِّقَتْ .

وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ فِي التَّخْيِيرِ بِالتَّطْلِيقِ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ جَزْمًا ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا حَافِظُ الْوَقْتِ أَبُو الْفَضْلِ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَنَبَّهَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى اشْتِرَاطِ ذِكْرِ النَّفْسِ فِي التَّخْيِيرِ ، فَلَوْ قَالَ مَثَلًا : اخْتَارِي ، فَقَالَتِ : اخْتَرْتُ ، لَمْ يَكُنْ تَخْيِيرًا بَيْنَ الطَّلَاقِ وَعَدَمِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ ، لَكِنَّ مَحِلَّهُ الْإِطْلَاقُ فَلَوْ قَصَدَ ذَلِكَ بِهَذَا اللَّفْظِ سَاغَ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ أَيْضًا : إِنْ قَالَ اخْتَارِي يَنْوِي بِهِ الطَّلَاقَ فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَيَقَعُ بَائِنًا ، فَلَوْ لَمْ يَنْوِ فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَكَذَا لَوْ قَالَ اخْتَارِي فَقَالَتِ اخْتَرْتُ فَلَوْ نَوَى فَقَالَتِ اخْتَرْتُ نَفْسِي وَقَعَتْ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ فَاخْتَرْنَاهُ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا أَنَّهَا لَوِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا لَكَانَ ذَلِكَ طَلَاقًا ، وَوَافَقَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ فَقَالَ : فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُخَيَّرَةَ إِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا أَنَّ نَفْسَ ذَلِكَ الِاخْتِيَارِ يَكُونُ طَلَاقًا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى نُطْقٍ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الطَّلَاقِ ، قَالَ : وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ . قُلْتُ : لَكِنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ أَنَّ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إِنْشَاءِ الزَّوْجِ الطَّلَاقَ ; لِأَنَّ فِيهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ أَيْ بَعْدَ الِاخْتِيَارِ ، وَدَلَالَةُ الْمَنْطُوقِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ .

وَاخْتَلَفُوا فِي التَّخْيِيرِ هَلْ بِمَعْنَى التَّمْلِيكِ أَوْ بِمَعْنَى التَّوْكِيلِ ؟ وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ الْمُصَحَّحُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ بِشَرْطِ مُبَادَرَتِهَا لَهُ حَتَّى لَوْ أَخَّرَتْ بِقَدْرِ مَا يَنْقَطِعُ الْقَبُولُ عَنِ الْإِيجَابِ فِي الْعَقْدِ ثُمَّ طَلُقَتْ لَمْ يَقَعْ ، وَفِي وَجْهٍ لَا يَضُرُّ التَّأْخِيرُ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْقَاصِّ ، وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : الرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْفَوْرُ ، بَلْ مَتَى طَلُقَتْ نَفَذَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالطَّحَاوِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ، وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ الْبَابِ حَيْثُ وَقَعَ فِيهِ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ الْحَدِيثَ ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ فَسْح لَهَا إِذْ أَخْبَرَهَا أَنْ لَا تَخْتَارَ شَيْئًا حَتَّى تَسْتَأْذِنَ أَبَوَيْهَا ثُمَّ تَفْعَلَ مَا يُشِيرَانِ بِهِ عَلَيْهَا ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْفَوْرِ فِي جَوَابِ التَّخْيِيرِ . قُلْتُ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يُشْتَرَطُ الْفَوْرُ أَوْ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، فَأَمَّا لَوْ صَرَّحَ الزَّوْجُ بِالْفُسْحَةِ فِي تَأْخِيرِهِ بِسَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَيَتَرَاخَى ، وَهَذَا الَّذِي وَقَعَ فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ خِيَارٍ كَذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث