بَاب مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ
بَاب مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ، وَقَالَ الْحَسَنُ : نِيَّتُهُ ، وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ : إِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ ، فَسَمَّوْهُ حَرَامًا بِالطَّلَاقِ وَالْفِرَاقِ ، وَلَيْسَ هَذَا كَالَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلطَعَامِ الْحِلِّ حَرَامٌ ، وَيُقَالُ لِلْمُطَلَّقَةِ : حَرَامٌ ، وَقَالَ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثًا : لَا تَحِلُّ لَهُ من بعد حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ 5264 - وَقَالَ اللَّيْثُ : عن نَافِعٌ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَمَّنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا قَالَ : لَوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي بِهَذَا ، فَإِنْ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا حَرُمَتْ عليك حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ . قَوْلُهُ ( بَابُ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ، وَقَالَ الْحَسَنُ : نِيَّتُهُ ) أَيْ يُحْمَلُ عَلَى نِيَّتِهِ . وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَوَقَعَ لَنَا عَالِيًا فِي جُزْءِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَشْعَثُ عَنِ الْحَسَنِ فِي الْحَرَامِ إِنْ نَوَى يَمِينًا فَيَمِينٌ ، وَإِنْ طَلَاقًا فَطَلَاقٌ وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ ، وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَطَاوُسٍ ، وَبِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ لَكِنْ قَالَ : إِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَهِيَ بَائِنٌ .
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ مِثْلَهُ ، لَكِنْ قَالُوا : إِنْ نَوَى ثِنْتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا فَهِيَ يَمِينٌ وَيَصِيرُ مُولِيًا ، وَهُوَ عَجِيبٌ وَالْأَوَّلُ أَعْجَبُ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : يَمِينُ الْحَرَامِ تُكَفَّرُ ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَاحْتَجَّ أَبُو ثَوْرٍ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ . وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ .
وَمِثْلُهُ عَنْ أَحْمَدَ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ مَنْ أَرَادَ بِهِ الظِّهَارَ كَانَ مُظَاهِرًا ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ مُغَلَّظَةٍ وَهِيَ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ ، لَا أَنَّهُ يَصِيرُ مُظَاهِرًا ظِهَارًا حَقِيقَةً ، وَفِيهِ بُعْدٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ : لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا وَلَوْ أَرَادَهُ .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَالْحَكَمِ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى : فِي الْحَرَامِ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ وَلَا يَسْأَلُ عَنْ نِيَّتِهِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَعَنْ مَسْرُوقٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَرَبِيعَةَ : لَا شَيْءَ فِيهِ ، وَبِهِ قَالَ أَصْبَغُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ . وَفِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ عَنِ السَّلَفِ بَلَّغَهَا الْقُرْطُبِيُّ الْمُفَسِّرَ إِلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ قَوْلًا ، وَزَادَ غَيْرُهُ عَلَيْهَا . وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيهَا تَفَاصِيلُ أَيْضًا يَطُولُ اسْتِيعَابُهَا .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : سَبَبُ الِاخْتِلَافِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ صَرِيحًا وَلَا فِي السُّنَّةِ نَصٌّ ظَاهِرٌ صَحِيحٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَتَجَاذَبَهَا الْعُلَمَاءُ ، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ قَالَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا يَمِينٌ أَخَذَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ وَمَنْ قَالَ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ التَّحْرِيمُ فَوَقَعَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَعْنَى ، وَمَنْ قَالَ تَقَعُ بِهِ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ حَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى أَقَلِّ وُجُوهِهِ الظَّاهِرَةِ ، وَأَقَلُّ مَا تُحَرَّمُ بِهِ الْمَرْأَةُ طَلْقَةٌ تُحَرِّمُ الْوَطْءَ مَا لَمْ يَرْتَجِعْهَا ، وَمَنْ قَالَ بَائِنَةٌ فَلِاسْتِمْرَارِ التَّحْرِيمِ بِهَا مَا لَمْ يُجَدِّدِ الْعَقْدَ ، وَمَنْ قَالَ ثَلَاثٌ حَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى مُنْتَهَى وُجُوهِهِ ، وَمَنْ قَالَ ظِهَارٌ نَظَرَ إِلَى مَعْنَى التَّحْرِيمِ وَقَطَعَ النَّظَرَ عَنِ الطَّلَاقِ فَانْحَصَرَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ فِي الظِّهَارِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ : إِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ فَسَمَّوْهُ حَرَامًا بِالطَّلَاقِ وَالْفِرَاقِ ) أَيْ فَلَا بُدَّ أَنْ يُصَرِّحَ الْقَائِلُ بِالطَّلَاقِ أَوْ يَقْصِدَ إِلَيْهِ ، فَلَوْ أَطْلَقَ أَوْ نَوَى غَيْرَ الطَّلَاقِ فَهُوَ مَحَلُّ النَّظَرِ . قَوْلُهُ ( وَلَيْسَ هَذَا كَالَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلطَّعَامِ الْحِلِّ حَرَامٌ وَيُقَالُ لِلْمُطَلَّقَةِ حَرَامٌ ، وَقَالَ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثًا : لَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) قَالَ الْمُهَلَّبُ : مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ فِيمَا خَفَّفَ عَنْهُمْ أَنَّ مَنْ قَبْلَهُمْ كَانُوا إِذَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ شَيْئًا حَرُمَ عَلَيْهِمْ كَمَا وَقَعَ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَخَفَّفَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يُحَرِّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ شَيْئًا مِمَّا أُحِلَّ لَهُمْ فَقَالَ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ اهـ .
وَأَظُنُّ الْبُخَارِيُّ أَشَارَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَصْبَغَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ سَوَّى بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَبَيْنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْهُمْ ، فَبَيَّنَ أَنَّ الشَّيْئَيْنِ وَإِنِ اسْتَوَيَا مِنْ جِهَةٍ فَقَدْ يَفْتَرِقَانِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، فَالزَّوْجَةُ إِذَا حَرَّمَهَا الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَرَادَ بِذَلِكَ تَطْلِيقَهَا حَرُمَتْ ، وَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ إِذَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يَحْرُمْ ، وَلِهَذَا احْتَجَّ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ بِالطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ تَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَوَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ ، فَأَخْرَجَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهُكَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : إِنِّي جَعَلْتُ امْرَأَتِي حَرَامًا ، قَالَ : لَيْسَتْ عَلَيْكَ بِحِرَامٍ . قَالَ : أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ الْآيَةَ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّ إِسْرَائِيلَ كَانَ بِهِ عِرْقُ النَّسَا فَجَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ إِنْ شَفَاهُ اللَّهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ الْعُرُوقَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَلَيْسَتْ بِحَرَامٍ يَعْنِي عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ حَرَّمَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ وَلَمْ يَقْصِدِ الطَّلَاقَ وَلَا الظِّهَارَ وَلَا الْعِتْقَ فِعْلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَإِنْ حَرَّمَ طَعَامًا أَوْ شَرَابًا فَلَغْوٌ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : عَلَيْهِ فِي الْجَمِيعِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ . وَتَقَدَّمَ بَيَانُ بَقِيَّةِ الِاخْتِلَافِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : آلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ ، فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا ، وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ كَفَّارَةً قَالَ فَإِنَّ فِي هَذَا الْخَبَرِ تَقْوِيَةً لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ لَفْظَ الْحَرَامِ لَا يَكُونُ بِإِطْلَاقِهِ طَلَاقًا وَلَا ظِهَارًا وَلَا يَمِينًا .
قَوْلُهُ ( وَقَالَ اللَّيْثُ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَمَّنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا قَالَ : لَوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي بِهَذَا ، فَإِنْ طَلَّقتهَا ثَلَاثًا حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَإِنْ طَلَّقَهَا وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ بِضَمِيرِ الْغَائِبِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ مِنْ قِصَّةِ تَطْلِيقِ ابْنِ عُمَرَ امْرَأَتَهُ ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ الطَّلَاقِ ، وَظَنَّ ابْنُ التِّينِ أَنَّ هَذَا جُمْلَةُ الْخَبَرِ فَاسْتُشْكِلَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ تَطْلِيقَتَيْنِ بِدْعَةٌ ، قَالَ : وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْمُرُ بِالْبِدْعَةِ ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْإِشَارَةَ فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي بِذَلِكَ إِلَى مَا أَمَرَهُ مِنِ ارْتِجَاعِ امْرَأَتِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يُرِدِ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ ، فَفَصَّلَ لِسَائِلِهِ حَالَ الْمُطَلِّقِ . وَقَدْ رُوِّينَا الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ الَّتِي عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ مُطَوَّلًا مَوْصُولًا عَالِيًا فِي جُزْءِ أَبِي الْجَهْمِ الْعَلَاءِ بْنِ مُوسَى الْبَاهِلِيِّ رِوَايَةَ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ عَنْهُ عَنِ اللَّيْثِ ، وَفِي أَوَّلِهِ قِصَّةُ ابْنِ عُمَرَ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ ، وَبَعْدَهُ قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِلَخْ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ لَكِنْ لَيْسَ بِتَمَامِهِ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : قَوْلُهُ لَوْ طَلَّقْتَ جَزَاؤُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَكَانَ خَيْرًا أَوْ هُوَ لِلتَّمَنِّي فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلِ الْجَوَابُ : لَكَانَ لَكَ الرَّجْعَةُ لِقَوْلِهِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي بِهَذَا وَالتَّقْدِيرُ فَإِنْ كَانَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ كَانَ طَلَاقَ سُنَّةٍ ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْحَيْضِ كَانَ طَلَاقَ بِدْعَةٍ ، وَمُطَلِّقُ الْبِدْعَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ إِلَى الرَّجْعَةِ . وَلِهَذَا قَالَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي بِهَذَا أَيْ بِالْمُرَاجَعَةِ لَمَّا طَلَّقْتُ الْحَائِضَ ، وَقَسِيمُ ذَلِكَ قَوْلُهُ وَإِنْ طَلَّقْتَ ثَلَاثًا وَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَلْحَقَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَرَّتَيْنِ بِالْوَاحِدَةِ فَسَوَّى بَيْنَهُمَا ، وَإِلَّا فَالَّذِي وَقَعَ مِنْهُ إِنَّمَا هُـوَ وَاحِدَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ صَرِيحًا هُـنَاكَ ، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ هَذَا هُـنَا الِاسْتِشْهَادَ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ حَرُمَتْ عَلَيْكَ فَسَمَّاهَا حَرَامًا بِالتَّطْلِيقِ ثَلَاثًا كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ حَرَامًا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى يُرِيدَ بِهِ الطَّلَاقَ أَوْ يُطَلِّقَهَا بَائِنًا ، وَخَفِيَ هَذَا عَلَى الشَّيْخِ مُغَلْطَايْ وَمَنْ تَبِعَهُ فَنَفَوْا مُنَاسَبَةَ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ ، وَلَكِنْ عَرَّجَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ تَلْوِيحًا عَلَى شَيْءٍ مِمَّا أَشَرْتُ إِلَيْهِ .