بَاب نِكَاحِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْمُشْرِكَاتِ وَعِدَّتِهِنَّ
وَقَالَ عَطَاءٌ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَتْ قَرِيبَةُ ابِنْة أَبِي أُمَيَّةَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ، فَطَلَّقَهَا ، فَتَزَوَّجَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، وَكَانَتْ أُمُّ الْحَكَمِ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ تَحْتَ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ الْفِهْرِيِّ ، فَطَلَّقَهَا ، فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمانَ الثَّقَفِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَطَاءٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ كَمَا بَيَّنْتُهُ قَبْلُ . قَوْلُهُ : ( كَانَتْ قُرَيْبَةُ ) بِالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرَةٌ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ، وَضَبَطَهَا الدِّمْيَاطِيُّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَبِعَهُ الذَّهَبِيُّ ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ .
وَكَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَاضِي فِي الشُّرُوطِ . وَلِلْأَكْثَرِ بِالتَّصْعِيرِ كَالَّذِي هُنَا ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ فِي هَذَا الِاسْمِ الْوَجْهَيْنِ ، وَقَالَ شَيْخُنَا فِي الْقَامُوسِ بِالتَّصْغِيرِ وَقَدْ تُفْتَحُ . قَوْلُهُ : ( ابْنَةُ أَبِي أُمَيَّةَ ) أَيِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ ، وَهِيَ أُخْتُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَسْلَمَتْ فِي هَذَا الْوَقْتِ ، وَهُوَ مَا بَيْنَ عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَفَتْحِ مَكَّةَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي النَّسَائِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ فِي قِصَّةِ تَزْوِيجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا فَفِيهِ : وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تُرْضِعُ زَيْنَبَ بِنْتَهَا فَجَاءَ عَمَّارٌ فَأَخَذَهَا ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَيْنَ زُنَابُ ؟ فَقَالَتْ قُرَيْبَةُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ صَادَفَهَا عِنْدَهَا : أَخَذَهَا عَمَّارٌ الْحَدِيثَ ، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا هَـاجَرَتْ قَدِيمًا لِأَنَّ تَزْوِيجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمِّ سَلَمَةَ كَانَ بَعْدَ أُحُدٍ وَقَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ جَاءَتْ إِلَى الْمُدِينَةِ زَائِرَةً لِأُخْتِهَا قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ ، أَوْ كَانَتْ مُقِيمَةً عِنْدَ زَوْجِهَا عُمَرَ عَلَى دِينِهَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْآيَةُ ، وَلَيْسَ فِي مُجَرَّدِ كَوْنِهَا كَانَتْ حَاضِرَةً عِنْدَ تَزْوِيجِ أُخْتِهَا أَنْ تَكُونَ حِينَئِذٍ مُسْلِمَةً .
لَكِنْ يَرُدُّهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ لَمَّا نَزَلَتْ : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا : فَطَلَّقَ عُمَرُ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ بِمَكَّةَ فَهَذَا يَرُدُّ أَنَّهَا كَانَتْ مُقِيمَةً وَلَا يَرُدُّ أَنَّهَا جَاءَتْ زَائِرَةً ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِأُمِّ سَلَمَةَ أُخْتَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا تُسَمَّى قُرَيْبَةَ تَقَدَّمَ إِسْلَامُ إِحْدَاهِمَا وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةً عِنْدَ تَزْوِيجِ أُمِّ سَلَمَةَ وَتَأَخَّرَ إِسْلَامُ الْأُخْرَى وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ هُنَا ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الثَّانِيَ أَنَّ ابْنَ سَعْدٍ قَالَ فِي الطَّبَقَاتِ قُرَيْبَةُ الصُّغْرَى بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ أُخْتُ أُمِّ سَلَمَةَ تَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ ، وَحَفْصَةَ ، وَأُمَّ حَكِيمٍ ، وَسَاقَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّ قُرَيْبَةَ قَالَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شِدَّةٌ : لَقَدْ حَذَّرُونِي مِنْكَ ، قَالَ : فَأَمْرُكِ بِيَدِكِ ، قَالَتْ : لَا أَخْتَارُ عَلَى ابْنِ الصِّدِّيقِ أَحَدًا ، فَأَقَامَ عَلَيْهَا وَتَقَدَّمَ فِي الشُّرُوطِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي آخِرِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ مَرْوَانَ ، وَالْمِسْوَرِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، ثُمَّ قَالَ : وَبَلَغْنَا أَنَّ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ قُرَيْبَةَ وَابْنَةَ أَبِي جَرْوَلٍ ، فَتَزَوَّجَ قُرَيْبَةَ مُعَاوِيَةُ وَتَزَوَّجَ الْأُخْرَى أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا هُـنَا وَزَائِدٌ عَلَيْهِ ، وَتَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ : وَتَزَوَّجَ الْأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا تَزَوَّجَ قَبْلَ الْآخِرِ ، وَأَمَّا بِنْتُ أَبِي جَرْوَلٍ فَوَقَعَ فِي الْمَغَازِي الْكُبْرَى لِابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ جَرْوَلٍ فَكَأَنَّ أَبَاهَا كَنَّى بِاسْمِ وَالِدِهِ ، وَجَرْوَلٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي الشُّرُوطِ أَنَّ الْقَائِلَ : وَبَلَغْنَا هُوَ الزُّهْرِيُّ ، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ مَنْ وَصَلَهُ عَنْهُ مِنَ الرُّوَاةِ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ مِنْ رِوَايَةِ بَنِي طَلْحَةَ مُسَلْسَلًا بِهِمْ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ طَلَّقْتُ امْرَأَتِي أَرْوَى بِنْتَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَطَلَّقَ عُمَرُ قُرَيْبَةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ جَرْوَلٍ ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ طَلَّقَ عُمَرُ قُرَيْبَةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ وَطَلَّقَ طَلْحَةُ أَرْوَى بِنْتَ رَبِيعَةَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْإِسْلَامُ ، حَتَّى نَزَلَتْ : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَتْ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي . وَاخْتُلِفَ فِي تَرْكِ رَدِّ النِّسَاءِ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ مَعَ وُقُوعِ الصُّلْحِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ رَدُّوهُ وَمَنْ جَاءَ مِنَ الْمُسْمَلِينَ إِلَيْهِمْ لَمْ يَرُدُّوهُ هَلْ نُسِخَ حُكْمُ النِّسَاءِ مِنْ ذَلِكَ ، فَمُنِعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ رَدِّهِنَّ أَوْ لَمْ يَدْخُلْنَ فِي أَصْلِ الصُّلْحِ ، أَوْ هُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ ؟ وَقَدْ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِالثَّانِي بِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَلَى أَنْ لَا يَأْتِيَكَ مِنَّا رَجُلٌ إِلَّا رَدَدْتَهُ فَمَفْهُومُهُ أَنَّ النِّسَاءَ لَمْ يَدْخُلْنَ ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانِ : أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رُدَّ عَلَيْنَا مَنْ هَاجَرَ مِنْ نِسَائِنَا ، فَإِنَّ شَرْطَنَا أَنَّ مَنْ أَتَاكَ مِنَّا أَنْ تَرُدَّهُ عَلَيْنَا . فَقَالَ : كَانَ الشَّرْطُ فِي الرِّجَالِ وَلَمْ يَكُنْ فِي النِّسَاءِ ، وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ كَانَ قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ ، لَكِنْ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ وَالثَّالِثَ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الشُّرُوطِ أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ لَمَّا هَـاجَرَتْ جَاءَ أَهْلُهَا يَسْأَلُونَ رَدَّهَا فَلَمْ يَرُدَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ : إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ الْآيَةَ ، وَالْمُرَادُ قَوْلُهُ فِيهَا : فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ وَذَكَرَ ابْنُ الطِّلَاعِ فِي أَحْكَامِهِ أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ هَاجَرَتْ فَأَقْبَلَ زَوْجُهَا فِي طَلَبِهَا ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ ، فَرَدَّ عَلَى زَوْجِهَا مَهْرَهَا وَالَّذِي أَنْفَقَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَرُدَّهَا ، وَاسْتُشْكِلَ هَذَا بِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ مَاتَ عَنْهَا سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا تَقَدَّمَتْ هِجْرَتُهَا وَهِجْرَةُ زَوْجِهَا ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ إِنَّمَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ أَنْ هَاجَرَتْ ، وَيَكُونُ الزَّوْجُ الَّذِي جَاءَ فِي طَلَبِهَا وَلَمْ تُرَدَّ عَلَيْهِ آخَرَ لَمْ يُسْلِمْ يَوْمَئِذٍ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي أَوَّلِ الشُّرُوطِ أَسْمَاءً عِدَّةً مِمَّنْ هَاجَرَ مِنْ نِسَاءِ الْكُفَّارِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ .