حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْقُسْطِ لِلْحَادَّةِ عِنْدَ الطُّهْرِ

بَاب الْقُسْطِ لِلْحَادَّةِ عِنْدَ الطُّهْرِ 5341 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ حَفْصَةَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ : كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَلَا نَكْتَحِلَ ، وَلَا نَطَّيَّبَ ، وَلَا نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ ، وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ ، وَكُنَّا نُنْهَى عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْقُسْطِ لِلْحَادَّةِ عِنْدَ الطُّهْرِ ) أَيْ : عِنْدَ طُهْرِهَا مِنَ الْمَحِيضِ إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ . قَوْلُهُ : ( كُنَّا نُنْهَى ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ .

قَوْلُهُ : ( وَلَا نَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ وَهُوَ بِالْإِضَافَةِ ، وَهِيَ بُرُودُ الْيَمَنِ يُعْصَبُ غَزْلُهَا ، أَيْ : يُرْبَطُ ، ثُمَّ يُصْبَغُ ، ثُمَّ يُنْسَجُ مَعْصُوبًا ، فَيَخْرُجُ مُوشًى ؛ لِبَقَاءِ مَا عُصِبَ بِهِ أَبْيَضَ لَمْ يَنْصَبِغْ ، وَإِنَّمَا يُعْصَبُ السَّدَى دُونَ اللُّحْمَةِ . وَقَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى : الْعَصْبُ هُوَ الْمَفْتُولُ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ . وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدَنِيُّ فِي ذَيْلِ الْغَرِيبِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْيَمَنِ أَنَّهُ مِنْ دَابَّةٍ بَحْرِيَّةٍ تُسَمَّى فَرَسَ فِرْعَوْنَ ، يُتَّخَذُ مِنْهَا الْخَرَزُ وَغَيْرُهُ وَيَكُونُ أَبْيَضَ ، وَهَذَا غَرِيبٌ ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ قَوْلُ السُّهَيْلِيِّ : إِنَّهُ نَبَاتٌ لَا يَنْبُتُ إِلَّا بِالْيَمَنِ وَعَزَاهُ لِأَبِي حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيِّ ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ قَوْلُ الدَّاوُدِيِّ : الْمُرَادُ بِالثَّوْبِ الْعَصْبِ الْخَضِرَةُ وَهِيَ الْحِبَرَةُ ، وَلَيْسَ لَهُ سَلَفٌ فِي أَنَّ الْعَصْبَ الْأَخْضَرُ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحَادَّةِ لُبْسُ الثِّيَابِ الْمُعَصْفَرَةِ وَلَا الْمُصْبَغَةِ ، إِلَّا مَا صُبِغَ بِسَوَادٍ فَرَخَّصَ فِيهِ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُتَّخَذُ لِلزِّينَةِ بَلْ هُوَ مِنْ لِبَاسِ الْحُزْنِ ، وَكَرِهَ عُرْوَةُ الْعَصْبَ أَيْضًا ، وَكَرِهَ مَالِكٌ غَلِيظَهُ .

قَالَ النَّوَوِيُّ : الْأَصَحُّ عِنْدِ أَصْحَابِنَا تَحْرِيمُهُ مُطْلَقًا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَهُ ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : يُؤْخَذُ مِنْ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ جَوَازُ مَا لَيْسَ بِمَصْبُوغٍ وَهِيَ الثِّيَابُ الْبِيضُ ، وَمَنَعَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ الْمُرْتَفِعَ مِنْهَا الَّذِي يُتَزَيَّنُ بِهِ ، وَكَذَلِكَ الْأَسْوَدُ إِذَا كَانَ مِمَّا يُتَزَيَّنُ بِهِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَرَخَّصَ أَصْحَابُنَا فِيمَا لَا يُتَزَيَّنُ بِهِ وَلَوْ كَانَ مَصْبُوغًا . وَاخْتُلِفَ فِي الْحَرِيرِ ، فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْعُهُ مُطْلَقًا مَصْبُوغًا أَوْ غَيْرَ مَصْبُوغٍ ؛ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لِلنِّسَاءِ لِلتَّزَيُّنِ بِهِ ، وَالْحَادَّةُ مَمْنُوعَةٌ مِنَ التَّزَيُّنِ ، فَكَانَ فِي حَقِّهَا كَالرِّجَالِ ، وَفِي التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَبِاللُّؤْلُؤِ وَنَحْوِهِ وَجْهَانِ ، الْأَصَحُّ جَوَازُهُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فِي الْمَقْصُودِ بِلُبْسِهِ ، وَفِي الْمَقْصُودِ بِالْإِحْدَادِ ، فَإِنَّهُ عِنْدَ تَأَمُّلِهَا يَتَرَجَّحُ الْمَنْعُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْضًا ، وَقَدْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ .

قَوْلُهُ : ( عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا ) ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : حَيْضِهَا وَفِي الَّذِي بَعْدَهُ : وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إِلَّا أَدْنَى طُهْرِهَا إِذَا طَهُرَتْ . قَوْلُهُ : ( فِي نُبْذَةٍ ) بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ ، أَيْ : قِطْعَةٍ ، وَتُطْلَقُ عَلَى الشَّيْءِ الْيَسِيرِ . قَوْلُهُ : ( مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ ) كَذَا فِيهِ بِالْكَافِ وَبِالْإِضَافَةِ ، وَفِي الَّذِي بَعْدَهُ : مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ بِقَافٍ وَوَاوٍ عَاطِفَةٍ وَهُوَ أَوْجُهٌ ، وَخَطَّأَ عِيَاضٌ الْأَوَّلَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ .

وَقَالَ بَعْدَهُ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الْبُخَارِيُّ : الْقُسْطُ وَالْكُسْتُ مِثْلُ الْكَافُورِ وَالْقَافُورِ ، أَيْ : يَجُوزُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا الْكَافُ وَالْقَافُ ، وَزَادَ الْقُسْطُ أَنَّهُ يُقَالُ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ بَدَلَ الطَّاءِ ، فَأَرَادَ الْمِثْلِيَّةَ فِي الْحَرْفِ الْأَوَّلِ فَقَطْ . قَالَ النَّوَوِيُّ : الْقُسْطُ وَالْأَظْفَارُ نَوْعَانِ مَعْرُوفَانِ مِنَ الْبَخُورِ وَلَيْسَا مِنْ مَقْصُودِ الطِّيبِ ، رُخِّصَ فِيهِ لِلْمُغْتَسِلَةِ مِنَ الْحَيْضِ ؛ لِإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ ، تَتْبَعُ بِهِ أَثَرَ الدَّمِ لَا لِلتَّطَيُّبِ . قُلْتُ : الْمَقْصُودُ مِنَ التَّطَيُّبِ بِهِمَا أَنْ يُخْلَطَا فِي أَجْزَاءٍ أُخَرَ مِنْ غَيْرِهِمَا ثُمَّ تُسْحَقَ فَتَصِيرَ طِيبًا ، وَالْمَقْصُودُ بِهِمَا هُـنَا كَمَا قَالَ الشَّيْخُ أَنْ تَتَبَّعَ بِهِمَا أَثَرَ الدَّمِ ؛ لِإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ لَا لِلتَّطَيُّبِ ، وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا تَسْحَقُ الْقُسْطَ وَتُلْقِيهِ فِي الْمَاءِ آخِرَ غُسْلِهَا ؛ لِتَذْهَبَ رَائِحَةُ الْحَيْضِ ، وَرَدَّهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ يَأْبَاهُ ، وَأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ إِلَّا مِنَ التَّبَخُّرِ بِهِ ، كَذَا قَالَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهَا مِنْ جِنْسِ مَا مُنِعَتْ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّزَيُّنِ أَوِ التَّطَيُّبِ كَالتَّدَهُّنِ بِالزَّيْتِ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ أَوْ غَيْرِهِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث