حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ

بَاب وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ - إِلَى قَوْلِهِ : - بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ، وَقَالَ : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ، وَقَالَ : وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ - إِلَى قَوْلِهِ : - بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ، وَقَالَ يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ : نَهَى اللَّهُ تعالى أَنْ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ، وَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ الْوَالِدَةُ : لَسْتُ مُرْضِعَتَهُ ، وَهِيَ أَمْثَلُ لَهُ غِذَاءً وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ وَأَرْفَقُ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْبَى بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ نَفْسِهِ مَا جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أَنْ يُضَارَّ بِوَلَدِهِ وَالِدَتَهُ فَيَمْنَعَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ ضِرَارًا لَهَا إِلَى غَيْرِهَا ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَسْتَرْضِعَا عَنْ طِيبِ نَفْسِ الْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ ، فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ . فِصَالُهُ : فِطَامُهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ - إِلَى قَوْلِهِ - بَصِيرٌ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَالْأَكْثَرُ ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ : إِلَى قَوْلِهِ : بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَقَالَ : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ، وَقَالَ : وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ، قِيلَ : دَلَّتِ الْآيَةُ الْأُولَى عَلَى إِيجَابِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْمُرْضِعَةِ مِنْ أَجْلِ رَضَاعِهَا الْوَلَدَ ، كَانَتْ فِي الْعِصْمَةِ أَمْ لَا .

وَفِي الثَّانِيَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى قَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَجِبُ ذَلِكَ فِيهَا . وَفِي الثَّالِثَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى مِقْدَارِ الْإِنْفَاقِ وَأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِحَالِ الْمُنْفِقِ . وَفِيهَا أَيْضًا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْإِرْضَاعَ لَا يَتَحَتَّمُ عَلَى الْأُمِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ فِي بَابِ لَا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ الْبَحْثُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ إِرْضَاعَ الْحَوْلَيْنِ مُخْتَصٌّ بِمَنْ وَضَعَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَمَهْمَا وَضَعَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ نَقَصَ مِنْ مُدَّةِ الْحَوْلَيْنِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا .

وَتُعُقِّبَ بِمَنْ زَادَ حَمْلُهَا عَلَى ثَلَاثِينَ شَهْرًا ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ إِسْقَاطُ مُدَّةِ الرَّضَاعَةِ وَلَا قَائِلَ بِهِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْغَالِبِ ، وَأُخِذَ مِنَ الْآيَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ أَنَّ مَنْ وُلِدَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَا فَوْقَهَا الْتَحَقَ بِالزَّوْجِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ يُونُسُ ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ عَنْ يُونُسَ قَالَ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ - فَذَكَرَهُ إِلَى قَوْلِهِ : - وَتَشَاوُرٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عُقَيلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَهُ . وَقَوْلُهُ : ضِرَارًا لَهَا إِلَى غَيْرِهَا يَتَعَلَّقُ بِمَنْعِهَا ، أَيْ : مَنْعُهَا يَنْتَهِي إِلَى رَضَاعِ غَيْرِهَا ، فَإِذَا رَضِيَتْ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ .

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ : الْوَالِدَاتُ أَحَقُّ بِرَضَاعِ أَوْلَادِهِنَّ ، وَلَيْسَ لِوَالِدَةٍ أَنْ تُضَارَّ وَلَدَهَا فَتَأْبَى رَضَاعَهُ ، وَهِيَ تُعْطَى عَلَيْهِ مَا يُعْطَى غَيْرُهَا ، وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أَنْ يَنْزِعَ وَلَدَهُ مِنْهَا ضِرَارًا لَهَا وَهِيَ تَقْبَلُ مِنَ الْأَجْرِ مَا يُعْطَى غَيْرُهَا ، فَإِنْ أَرَادَا فِصَالَ الْوَلَدِ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ دُونَ الْحَوْلَيْنِ فَلَا بَأْسَ . قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ : ( فِصَالُهُ : فِطَامُهُ ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ وَعَنِ السُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا ، وَالْفِصَالُ مَصْدَرٌ يُقَالُ : فَاصَلْتُهُ أُفَاصِلُهُ مُفَاصَلَةً وَفِصَالًا إِذَا فَارَقْتُهُ مِنْ خُلْطَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا ، وَفِصَالُ الْوَلَدِ مَنْعُهُ مِنْ شُرْبِ اللَّبَنِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ ، لَفْظُهُ لَفْظُ الْخَبَرِ ، وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِلْزَامِ ، كَقَوْلِكِ : حَسْبُكُ دِرْهَمٌ ، أَيِ : اكْتَفِ بِدِرْهَمٍ ، قَالَ : وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَالِدَةِ إِرْضَاعُ وَلَدِهَا إِذَا كَانَ أَبُوهُ حَيًّا مُوسِرًا ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ قَالَ : وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا إِرْضَاعُ وَلَدِهَا ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ ، سِيقَ لِمَبْلَغِ غَايَةِ الرَّضَاعَةِ الَّتِي مَعَ اخْتِلَافِ الْوَالِدَيْنِ فِي رَضَاعِ الْمَوْلُودِ جُعِلَتْ حَدًّا فَاصِلًا . قُلْتُ : وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَنْ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ أَوْ وَقْفِهِ عَلَى عِكْرِمَةَ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّ الْحَوْلَيْنِ لِغَايَةِ الْإِرْضَاعِ ، وَأَنْ لَا رَضَاعَ بَعْدَهُمَا ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ الزُّهْرِيِّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، ثُمَّ أَخْرَجَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : مَا كَانَ مِنْ رَضَاعَةٍ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَلَا رَضَاعَ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِثْلُهُ ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَ إِرْضَاعُهَا الْحَوْلَيْنِ فَرْضًا ، ثُمَّ خُفِّفَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي هُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ ، وَلِهَذَا عَقَّبَ الْآيَةَ الْأُولَى بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ، وَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ مِنْ أَنَّ الْخَبَرَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ ، لَكِنْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا خَبَرٌ عَنِ الْمَشْرُوعِيَّةِ ؛ فَإِنَّ بَعْضَ الْوَالِدَاتِ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ وَبَعْضُهُنَّ لَا يَجِبُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى عُمُومِهِ ، وَهَذَا هُـوَ السِّرُّ فِي الْعُدُولِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالْإِلْزَامِ كَأَنْ يُقَالَ : وَعَلَى الْوَالِدَاتِ إِرْضَاعُ أَوْلَادِهِنَّ كَمَا جَاءَ بَعْدَهُ ، وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَأَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَالِدَاتِ هُنَا الْمَبْتُوتَاتُ الْمُطَلَّقَاتُ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أُجْرَةَ الرَّضَاعِ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا خَرَجَتِ الْمُطَلَّقَةُ مِنَ الْعِدَّةِ ، وَالْأُمُّ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ أَوْلَى بِالرَّضَاعَةِ إِلَّا إِنْ وَجَدَ الْأَبُ مَنْ يُرْضِعُ لَهُ بِدُونِ مَا سَأَلَتْ ، إِلَّا أَنْ لَا يَقْبَلَ الْوَلَدُ غَيْرَهَا فَتُجْبَرُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْمَنْقُولِ هُنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُتَزَوِّجَةِ : فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْكُوفِيِّينَ : لَا يَلْزَمُهَا إِرْضَاعُ وَلَدِهَا ، وَقَالَ مَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى مِنَ الْكُوفِيِّينَ : تُجْبَرُ عَلَى إِرْضَاعِ وَلَدِهَا مَا دَامَتْ مُتَزَوِّجَةً بِوَالِدِهِ ، وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا لَا تُجْبَرُ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنْ كَانَ لِحُرْمَةِ الْوَلَدِ فَلَا يُتَّجَهُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُجْبَرُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَتْ مُطَلَّقَةً ثَلَاثًا بِإِجْمَاعٍ ، مَعَ أَنَّ حُرْمَةَ الْوَلَدِيَّةِ مَوْجُودَةٌ ، وَإِنْ كَانَ لِحُرْمَةِ الزَّوْجِ لَمْ يُتَّجَهْ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، فَفِي حَقِّ غَيْرِهِ أَوْلَى اهـ .

وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ ذَلِكَ لِحُرْمَتِهَا جَمِيعًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ مَبَاحِثِ الرَّضَاعِ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث15 حديثًا
موقع حَـدِيث