بَاب التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ وَالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ
بَاب التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ وَالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ 5376 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ : الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنِي ، أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ : كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا غُلَامُ ، سَمِّ اللَّهَ ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ ، وَالْأَكْلُ بِالْيَمِينِ ) الْمُرَادُ بِالتَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ ، قَوْلُ : بِسْمِ اللَّهِ ، فِي ابْتِدَاءِ الْأَكْلِ ، وَأَصْرَحُ مَا وَرَدَ فِي صِفَةِ التَّسْمِيَةِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أُمِّ كُلْثُومٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا ، فَلْيَقُلْ : بِسْمِ اللَّهِ ، فَإِنْ نَسِيَ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ : بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيٍّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي أَدَبِ الْأَكْلِ مِنْ الْأَذْكَارِ : صِفَةُ التَّسْمِيَةِ مِنْ أَهَمِّ مَا يَنْبَغِي مَعْرِفَتُهُ ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقُولَ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾، فَإِنْ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ، كَفَاهُ وَحَصَلَتِ السُّنَّةُ . فَلَمْ أَرَ لِمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْأَفْضَلِيَّةِ دَلِيلًا خَاصًّا ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي آدَابِ الْأَكْلِ مِنَ الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي كُلِّ لُقْمَةٍ بِسْمِ اللَّهِ كَانَ حَسَنًا ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ مَعَ الْأُولَى : بِسْمِ اللَّهِ ، وَمَعَ الثَّانِيَةِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ ، وَمَعَ الثَّالِثَةِ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾، فَلَمْ أَرَ لِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ دَلِيلًا ، وَالتَّكْرَارُ قَدْ بَيَّنَ هُوَ وَجْهَهُ بِقَوْلِهِ : حَتَّى لَا يَشْغَلَهُ الْأَكْلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَالْأَكْلُ بِالْيَمِينِ فَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ مَنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ، وَكَذَا بِغَيْرِهِ بِأَنْ يَحْتَاجَ إِلَى أَنْ يُلْقِمَهُ غَيْرُهُ ، وَلَكِنَّهُ بِيَمِينِهِ لَا بِشِمَالِهِ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ : الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنِي ) كَذَا وَقَعَ هُنَا وَهُوَ مِنْ تَأْخِيرِ الصِّيغَةِ عَنِ الرَّاوِي ، وَهُوَ جَائِزٌ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْوَلِيدِ بِالْعَنْعَنَةِ ، ثُمَّ قَالَ آخِرَهُ : فَسَأَلُوهُ عَنْ إِسْنَادِهِ ، فَقَالَ : حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ وَلَعَلَّ هَذَا هُـوَ السِّرُّ فِي سِيَاقِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لَهُ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ ، وَلِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَنَدٌ آخَرُ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ ؛ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى هِشَامٍ فِي سَنَدِهِ ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ عَرَّجَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ لِذَلِكَ .
قَوْلُهُ : ( عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ) أَيِ : ابْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ ، وَاسْمُ أَبِي سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَأُمُّ عُمَرَ الْمَذْكُورِ هِيَ أُمُّ سَلَمَة زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ رَبِيبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( كُنْتُ غُلَامًا ) أَيْ : دُونَ الْبُلُوغِ ، يُقَالُ لِلصَّبِيِّ مِنْ حِينِ يُولَدُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْحُلُمَ : غُلَامٌ ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ وُلِدَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ ، وَتَبِعَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، بَلِ الصَّوَابُ أَنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَقَدْ صَحَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ مَعَ النِّسْوَةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، وَكَانَ أَكْبَرَ مِنِّي بِسَنَتَيْنِ انْتَهَى . وَمَوْلِدُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى عَلَى الصَّحِيحِ ، فَيَكُونُ مَوْلِدُ عُمَرَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ .
قَوْلُهُ ( : فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ ، أَيْ : فِي تَرْبِيَتِهِ ، وَتَحْتَ نَظَرِهِ ، وَأَنَّهُ يُرَبِّيهِ فِي حِضْنِهِ تَرْبِيَةَ الْوَلَدِ ، قَالَ عِيَاضٌ : الْحَجْرُ يُطْلَقُ عَلَى الْحِضْنِ وَعَلَى الثَّوْبِ فَيَجُوزُ فِيهِ الْفَتْحُ وَالْكَسْرُ ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ مَعْنَى الْحَضَانَةِ فَبِالْفَتْحِ لَا غَيْرِ ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَنْعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فَبِالْفَتْحِ فِي الْمَصْدَرِ وَبِالْكَسْرِ فِي الِاسْمِ لَا غَيْرُ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ ) أَيْ : عِنْدَ الْأَكْلِ ، وَمَعْنَى تَطِيشُ - وَهُوَ بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بِوَزْنِ تَطِيرُ - تَتَحَرَّكُ ، فَتَمِيلُ إِلَى نَوَاحِيَ الْقَصْعَةِ وَلَا تَقْتَصِرُ عَلَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ : قَالَ : وَالْأَصْلُ أَطِيشُ بِيَدَيْ فَأَسْنَدَ الطَّيْشَ إِلَى يَدِهِ مُبَالَغَةً ، وَقَالَ غَيْرُهُ : مَعْنَى تَطِيشُ : تَخِفُّ وَتُسْرِعُ ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظِ : أَكَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا ، فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ نَوَاحِيَ الصَّحْفَةِ وَهُوَ يُفَسِّرُ الْمُرَادَ ، وَالصَّحْفَةُ مَا تُشْبِعُ خَمْسَةً وَنَحْوَهَا ، وَهِيَ أَكْبَرُ مِنَ الْقَصْعَةِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ : عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ طَعَامٌ ، فَقَالَ : ادْنُ يَا بُنَيَّ ، وَيَأْتِي فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ : أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ وَعِنْدَهُ رَبِيبُهُ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَجِيءَ الطَّعَامِ وَافَقَ دُخُولَهُ .
قَوْلُهُ : ( يَا غُلَامُ ، سَمِّ اللَّهِ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ فِي أَوَّلِهِ ، وَفِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ نَظَرٌ ، إِلَّا إِنْ أُرِيدَ بِالِاسْتِحْبَابِ أَنَّهُ رَاجِحُ الْفِعْلِ ، وَإِلَّا فَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى وُجُوبِ ذَلِكَ ، وَهُوَ قَضِيَّةُ الْقَوْلِ بِإِيجَابِ الْأَكْلِ بِالْيَمِينِ ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ بِالْجَمِيعِ وَاحِدَةٌ . قَوْلُهُ : ( وَكُلْ بِيَمِينِكَ ، وَمِمَّا يَلِيكَ ) قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : حَمَلَهُ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى النَّدْبِ ، وَبِهِ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ ثُمَّ النَّوَوِيُّ ، لَكِنْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْأُمِّ عَلَى الْوُجُوبِ . قُلْتُ : وَكَذَا ذَكَرَهُ عَنْهُ الصَّيْرَفِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَنَقَلَ الْبُوَيْطِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّ الْأَكْلَ مِنْ رَأْسِ الثَّرِيدِ وَالتَّعْرِيسَ عَلَى الطَّرِيقِ وَالْقِرَانَ فِي التَّمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ الْأَمْرُ بِضِدِّهِ حَرَامٌ ، وَمَثَّلَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ لِلنَّدَبِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلْ مِمَّا يَلِيكَ وَتَعَقَّبَهُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِهِ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّ مَنْ أَكَلَ مِمَّا لَا يَلِيهِ عَالِمًا بِالنَّهْيِ كَانَ عَاصِيًا آثِمًا .
قَالَ : وَقَدْ جَمَعَ وَالِدِي نَظَائِرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابٍ لَهُ سَمَّاهُ كَشْفُ اللَّبْسِ عَنِ الْمَسَائِلِ الْخَمْسِ وَنَصَرَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا لِلْوُجُوبِ . قُلْتُ : وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْأَكْلِ بِالْيَمِينِ وُرُودُ الْوَعِيدِ فِي الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ ، فَقَالَ : كُلْ بِيَمِينِكَ ، قَالَ : لَا أَسْتَطِيعُ . قَالَ : لَا اسْتَطَعْتَ .
فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ بَعْدُ ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ تَأْكُلُ بِشِمَالِهَا ، فَقَالَ : أَخَذَهَا دَاءُ غَزَّةَ ، فَقَالَ : إِنَّ بِهَا قُرْحَةً ، قَالَ : وَإِنْ ، فَمَرَّتْ بِغَزَّةَ ، فَأَصَابَهَا طَاعُونٌ فَمَاتَتْ ، وَأَخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْجِيزِيُّ فِي مُسْنَدِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا مِصْرَ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ وَثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ ، وَأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ رَفَعَتْهُ : مَنْ أَكَلَ بِشِمَالِهِ أَكَلَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ الْحَدِيثَ . وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ أَيْ : يَحْمِلُ أَوْلِيَاءَهُ مِنَ الْإِنْسِ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِيُضَادَّ بِهِ عِبَادَ اللَّهِ الصَّالِحِينَ قَالَ الطِّيبِيُّ : وَتَحْرِيرُهُ لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ كُنْتُمْ مِنْ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْمِلُ أَوْلِيَاءَهُ عَلَى ذَلِكَ . انْتَهَى .
وَفِيهِ عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ ، وَالْأَوْلَى حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَأَنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ حَقِيقَةً ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُحِيلُ ذَلِكَ ، وَقَدْ ثَبَتَ الْخَبَرُ بِهِ ، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلِهِ ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي ذَلِكَ احْتِمَالَيْنِ ثُمَّ قَالَ : وَالْقُدْرَةُ صَالِحَةٌ . ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ عِنْدِ مُسْلِمٍ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ إِذَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، قَالَ : وَهَذَا عِبَارَةٌ عَنْ تَنَاوُلِهِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ اسْتِحْسَانُهُ رَفْعَ الْبَرَكَةِ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ إِذَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ تَشَبَّهَ بِالشَّيْطَانِ ، وَأَبْعَدَ وَتَعَسَّفَ مَنْ أَعَادَ الضَّمِيرَ فِي شِمَالِهِ عَلَى الْآكِلِ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ اسْتِحْبَابُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالْيَمِينِ ، وَكَرَاهَةُ ذَلِكَ بِالشِّمَالِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ أَخْذٍ وَعَطَاءٍ كَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ جِرَاحَةٍ ، فَإِنْ كَانَ فَلَا كَرَاهَةَ ، كَذَا قَالَ ، وَأَجَابَ عَنِ الْإِشْكَالِ فِي الدُّعَاءِ عَلَى الرَّجُلِ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ وَاعْتَذَرَ فَلَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ بِأَنَّ عِيَاضًا ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ جَمَاعَةً ذَكَرُوهُ فِي الصَّحَابَةِ ، وَسَمَّوْهُ بُسْرًا بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ ، وَاحْتَجَّ عِيَاضٌ بِمَا وَرَدَ فِي خَبَرِهِ أَنَّ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْكِبْرُ ، وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْكِبْرَ وَالْمُخَالَفَةَ لَا يَقْتَضِي النِّفَاقَ ؛ لَكِنَّهُ مَعْصِيَةٌ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ أَمْرَ إِيجَابٍ . قُلْتُ : وَلَمْ يَنْفَصِلْ عَنِ اخْتِيَارِهِ أَنَّ الْأَمْرَ أَمْرُ نَدْبٍ ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِإِثْمِ مَنْ أَكَلَ بِشِمَالِهِ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ يُنْسَبُ إِلَى الشَّيْطَانِ حَرَامٌ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا الْأَمْرُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ تَشْرِيفِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى فِي الْغَالِبِ وَأَسْبَقُ لِلْأَعْمَالِ وَأَمْكَنُ فِي الْأَشْغَالِ ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْيُمْنِ ، وَقَدْ شَرَّفَ اللَّهُ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ نَسَبَهُمْ إِلَى الْيَمِينِ ، وَعَكْسُهُ فِي أَصْحَابِ الشِّمَالِ قَالَ : وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَالْيَمِينُ وَمَا نُسِبَ إِلَيْهَا ، وَمَا اشْتُقَّ مِنْهَا مَحْمُودٌ لُغَةً وَشَرْعًا وَدِينًا ، وَالشِّمَالُ عَلَى نَقِيضِ ذَلِكَ ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمِنَ الْآدَابِ الْمُنَاسِبَةِ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالسِّيرَةِ الْحَسَنَةِ عِنْدَ الْفُضَلَاءِ اخْتِصَاصُ الْيَمِينِ بِالْأَعْمَالِ الشَّرِيفَةِ وَالْأَحْوَالِ النَّظِيفَةِ ، وَقَالَ أَيْضًا : كُلُّ هَذِهِ الْأَوَامِرِ مِنَ الْمَحَاسِنِ الْمُكَمِّلَةِ وَالْمَكَارِمِ الْمُسْتَحْسَنَةِ ، وَالْأَصْلُ فِيمَا كَانَ مِنْ هَذَا التَّرْغِيبُ وَالنَّدْبُ ، قَالَ : وَقَوْلُهُ : كُلْ مِمَّا يَلِيكَ مَحِلُّهُ مَا إِذَا كَانَ الطَّعَامُ نَوْعًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ كَالْحَائِزِ لِمَا يَلِيهِ مِنَ الطَّعَامِ ، فَأَخْذُ الْغَيْرِ لَهُ تَعَدٍّ عَلَيْهِ ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَقَذُّرِ النَّفْسِ مِمَّا خَاضَتْ فِيهِ الْأَيْدِي ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الْحِرْصِ وَالنَّهَمِ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ سُوءُ أَدَبٍ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ ، أَمَّا إِذَا اخْتَلَفَتِ الْأَنْوَاعُ فَقَدْ أَبَاحَ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ .
كَذَا قَالَ . قَوْلُهُ : ( فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ ) بِكَسْرِ الطَّاءِ ، أَيْ : صِفَةُ أَكْلِي ، أَيْ لَزِمْتُ ذَلِكَ وَصَارَ عَادَةً لِي . قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالضَّمِّ ، يُقَالُ : طَعِمَ إِذَا أَكَلَ ، وَالطُّعْمَةُ : الْأَكْلَةُ ، وَالْمُرَادُ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الِابْتِدَاءِ بِالتَّسْمِيَةِ وَالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ مِمَّا يَلِيهِ .
وَقَوْلُهُ : بَعْدُ بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ ، أَيِ : اسْتَمَرَّ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِي فِي الْأَكْلِ ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي اجْتِنَابَ الْأَعْمَالِ الَّتِي تُشْبِهُ أَعْمَالَ الشَّيَاطِينِ وَالْكُفَّارِ ، وَأَنَّ لِلشَّيْطَانِ يَدَيْنِ ، وَأَنَّهُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَأْخُذُ وَيُعْطِي . وَفِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى مَنْ خَالَفَ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ . وَفِيهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى فِي حَالِ الْأَكْلِ .
وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَعْلِيمِ أَدَبِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ . وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ؛ لِامْتِثَالِهِ الْأَمْرَ وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَى مُقْتَضَاهُ .