بَاب الْخُبْزِ الْمُرَقَّقِ وَالْأَكْلِ عَلَى الْخِوَانِ وَالسُّفْرَةِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ : كَانَ أَهْلُ الشَّامِ يُعَيِّرُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ ، يَقُولُونَ : يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ ، فَقَالَتْ لَهُ أَسْمَاءُ : يَا بُنَيَّ ، إِنَّهُمْ يُعَيِّرُونَكَ بِالنِّطَاقَيْنِ ، وَهَلْ تَدْرِي مَا كَانَ النِّطَاقَانِ ؟ إِنَّمَا كَانَ نِطَاقِي شَقَقْتُهُ نِصْفَيْنِ ، فَأَوْكَيْتُ قِرْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَحَدِهِمَا ، وَجَعَلْتُ فِي سُفْرَتِهِ آخَرَ . قَالَ : فَكَانَ أَهْلُ الشَّامِ إِذَا عَيَّرُوهُ بِالنِّطَاقَيْنِ ، يَقُولُ : إِيهًا وَالْإِلَهِ ، تِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا . قَوْلُهُ : ( هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ) هِشَامُ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ حَمَلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَقَالَ فِيهِ : عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ فَقَطْ ، وَتَقَدَّمَ أَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ وَعَنِ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ كِلَاهُمَا عَنْ أَسْمَاءَ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ هِشَامًا حَمَلَهُ عَنْ أَبِيهِ وَعَنِ امْرَأَتِهِ وَعَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، وَلَعَلَّ عِنْدَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ ؛ فَإِنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لَيْسَ فِيهَا قَوْلُهُ : يُعَيِّرُونَ وَهُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْعَارِ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَالْمُرَادُ بِأَهْلِ الشَّامِ عَسْكَرُ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ حَيْثُ كَانُوا يُقَاتِلُونَهُ مِنْ قِبَلِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ، أَوْ عَسْكَرُ الْحُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ الَّذِينَ قَاتَلُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ .
قَوْلُهُ : ( يُعَيِّرُونَكَ بِالنِّطَاقَيْنِ ) قِيلَ : الْأَفْصَحُ أَنْ يُعَدَّى التَّعْيِيرُ بِنَفْسِهِ ، تَقُولُ : عَيَّرْتُهُ كَذَا ، وَقَدْ سُمِعَ هَكَذَا مِثْلُ مَا هُـنَا . قَوْلُهُ : ( وَهَلْ تَدْرِي مَا كَانَ النِّطَاقَيْنِ ؟ ) كَذَا أَوْرَدَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الصَّوَابَ النِّطَاقَانِ بِالرَّفْعِ ، وَأَنَا لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي النُّسَخِ إِلَّا بِالرَّفْعِ ، فَإِنْ ثَبَتَ رِوَايَةً بِغَيْرِ الْأَلِفِ أَمْكَنَ تَوْجِيهُهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ فِي الْأَصْلِ : وَهَلْ تَدْرِي مَا كَانَ شَأْنُ النِّطَاقَيْنِ فَسَقَطَ لَفْظُ شَأْنٍ أَوْ نَحْوُهُ . قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا كَانَ نِطَاقِي شَقَقْتُهُ نِصْفَيْنِ فَأَوْكَيْتُ ) تَقَدَّمَ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ هُوَ الَّذِي أَمَرَهَا بِذَلِكَ لَمَّا هَـاجَرَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ .
قَوْلُهُ : ( يَقُولُ : إِيهًا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِبَعْضِهِمْ : ابْنُهَا بِمُوَحَّدَةٍ وَنُونٍ ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ ، وَقَدْ وُجِّهَ بِأَنَّهُ مَقُولُ الرَّاوِي ، وَالضَّمِيرُ لِأَسْمَاءَ ، وَابْنُهَا هُـوَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ : هُوَ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ : ابْنُهَا ، وَذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ بِلَفْظِ : إِيهًا اهـ . وَقَوْلُهُ : ( وَالْإِلَهُ ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ : إِيهًا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِيهًا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَبِالتَّنْوِينِ مَعْنَاهَا الِاعْتِرَافُ بِمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ وَالتَّقْرِيرُ لَهُ ، تَقُولُ الْعَرَبُ فِي اسْتِدْعَاءِ الْقَوْلِ مِنَ الْإِنْسَانِ : إِيهًا وَإِيهْ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ وَغَيْرُهُ إِذَا اسْتَزَدْتَ مِنَ الْكَلَامِ قُلْتَ : إِيهْ ، وَإِذَا أَمَرْتَ بِقَطْعِهِ قُلْتَ : إِيهًا . اهـ .
وَلَيْسَ هَذَا الِاعْتِرَاضُ بِجَيِّدٍ ؛ لِأَنَّ غَيْرَ ثَعْلَبٍ قَدْ جَزَمَ بِأَنَّ إِيهًا كَلِمَةُ اسْتِزَادَةٍ ، وَارْتَضَاهُ وَحَرَّرَهُ بَعْضُهُمْ ، فَقَالَ : إِيهًا بِالتَّنْوِينِ ، لِلِاسْتِزَادَةِ ، وَبِغَيْرِ التَّنْوِينِ لِقَطْعِ الْكَلَامِ ، وَقَدْ تَأْتِي أَيْضًا بِمَعْنَى كَيْفَ . قَوْلُهُ : ( تِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا ) شَكَاةٌ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مَعْنَاهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْقَوْلِ الْقَبِيحِ ، وَلِبَعْضِهِمْ بِكَسْرِ الشِّينِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى . وَهُوَ مَصْدَرُ شَكَا يَشْكُو شِكَايَةً وَشَكْوَى وَشَكَاةً ، وَظَاهِرٌ ، أَيْ : زَائِلٌ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيِ ارْتَفَعَ عَنْكَ فَلَمْ يَعْلَقْ بِكَ ، وَالظُّهُورُ يُطْلَقُ عَلَى الصُّعُودِ وَالِارْتِفَاعِ ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ أَيْ : يَعْلُوا عَلَيْهِ مِنْهُ ، وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ قَالَ : وَتَمَثَّلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمِصْرَاعِ بَيْتٍ لِأَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ وَأَوَّلُهُ : وَعَيَّرَهَا الْوَاشُونَ أَنِّي أُحِبُّهَا يَعْنِي لَا بَأْسَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَلَا عَارَ فِيهِ ، قَالَ مُغَلْطَايْ : وَبَعْدَ بَيْتِ الْهُذَلِيِّ : فَإِنْ أَعْتَذِرْ مِنْهَا فَإِنِّي مُكَذَّبٌ وَإِنْ تَعْتَذِرْ يُرْدَدْ عَلَيْكَ اعْتِذَارُهَا وَأَوَّلُ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ : هَلِ الدَّهْرُ إِلَّا لَيْلَةٌ وَنَهَارُهَا وَإِلَّا طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غِيَارُهَا أَبَى الْقَلْبُ إِلَّا أُمَّ عَمْروٍ فَأَصْبَحَتْ تُحْرِّقُ نَارِي بِالشَّكَاةِ وَنَارُهَا وَبَعْدَهُ وَعَيَّرَهَا الْوَاشُونَ أَنِّي أُحِبُّهَا الْبَيْتَ ، وَهِيَ قَصِيدَةٌ تَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِينَ بَيْتًا .
وَتَرَدَّدَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هَلْ أَنْشَأَ ابْنُ الزُّبَيْرِ هَذَا الْمِصْرَاعَ أَوْ أَنْشَدَهُ مُتَمَثِّلًا بِهِ ؟ وَالَّذِي جَزَمَ بِهِ غَيْرُهُ الثَّانِي وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ؛ لِأَنَّ هَذَا مَثَلٌ مَشْهُورٌ ، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُكْثِرُ التَّمَثُّلَ بِالشِّعْرِ ، وَقَلَّمَا أَنْشَأَهُ .