حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْخَذْفِ وَالْبُنْدُقَةِ

بَاب الْخَذْفِ وَالْبُنْدُقَةِ 5479 - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ - وَاللَّفْظُ لِيَزِيدَ - ، عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ : لَا تَخْذِفْ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْخَذْفِ - أَوْ كَانَ يَكْرَهُ الْخَذْفَ - وَقَالَ : إِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ وَلَا يُنْكَأ بِهِ عَدُوٌّ وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ . ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ : أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْخَذْفِ - أَوْ كَرِهَ الْخَذْفَ - وَأَنْتَ تَخْذِفُ ؟ لَا أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا . قَوْلُهُ ( بَابُ الْخَذْفِ وَالْبُنْدُقَةِ ) أَمَّا الْخَذْفُ فَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ فِي الْبَابِ ، وَأَمَّا الْبُنْدُقَةُ مَعْرُوفَةٌ تُتَّخَذُ مِنْ طِينٍ وَتَيْبَسُ فَيُرْمَى بِهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَشْيَاءُ تَتَعَلَّقُ بِهَا فِي بَابِ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ .

قَوْلُهُ ( حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ ) وَهُوَ يُوسُفُ بْنُ مُوسَى بْنُ رَاشِدِ بْنِ بِلَالٍ الْقَطَّانُ الرَّازِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ ، نَسَبَهُ الْبُخَارِيُّ إِلَى جَدِّهِ ، وَفِي طَبَقَتِهِ يُوسُفُ بْنُ مُوسَى التُّسْتَرِيُّ نَزَيلَ الرَّيَّ . فَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ كَانَ يَخْشَى أَنْ يَلْتَبِسَ بِهِ . قَوْلُهُ ( وَاللَّفْظُ لِيَزِيدَ ) قُلْتُ : قَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ الْحَدِيثَ عَنْ وَكِيعٍ مُقْتَصِرًا عَلَى الْمَتْنِ دُونَ الْقِصَّةِ ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، وَوَكِيعٌ ، كِلَاهُمَا عَنْ كَهْمَسٍ مَقْرُونًا وَقَالَ : إِنَّ السِّيَاقَ لِيَحْيَى ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ .

قَوْلُهُ ( إِنَّهُ رَأَى رَجُلًا ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ ، عَنْ كَهْمَسٍ رَأَى رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ قَرِيبٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ . قَوْلُهُ ( يَخْذِفُ ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَآخِرُهُ فَاءٌ ، أَيْ يَرْمِي بِحَصَاةٍ أَوْ نَوَاةٍ بَيْنَ سَبَّابَتَيْهِ أَوْ بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ أَوْ عَلَى ظَاهِرِ الْوُسْطَى وَبَاطِنِ الْإِبْهَامِ ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : خَذَفْتَ الْحَصَاةَ رَمَيْتَهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ ، وَقِيلَ فِي حَصَى الْخَذْفِ : أَنْ يَجْعَلَ الْحَصَاةَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ مِنَ الْيُمْنَى وَالْإِبْهَامِ مِنَ الْيُسْرَى ثُمَّ يَقْذِفُهَا بِالسَّبَّابَةِ مِنَ الْيَمِينِ ، وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ : خَذَفَ بِالشَّيْءِ يَخْذِفُ فَارِسِيٌّ ، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ بِهِ الْحَصَى ، قَالَ : وَالْمِخْذَفَةُ الَّتِي يُوضَعُ فِيهَا الْحَجْرُ وَيُرْمَى بِهَا الطَّيْرُ وَيُطْلَقُ عَلَى الْمِقْلَاعِ أَيْضًا قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ . قَوْلُهُ ( نَهَى عَنِ الْخَذْفِ ، أَوْ كَانَ يَكْرَهُ الْخَذْفَ ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ وَكِيعٍ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ وَلَمْ يَشُكَّ ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ كَهْمَسٍ بِالشَّكِّ وَبَيَّنَ أَنَّ الشَّكَّ مِنْ كَهْمَسٍ .

قَوْلُهُ ( إِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ ) قَالَ الْمُهَلَّبُ : أَبَاحَ اللَّهُ الصَّيْدَ عَلَى صِفَةٍ فَقَالَ : تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ وَلَيْسَ الرَّمْيُ بِالْبُنْدُقَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ وَقِيذٌ ، وَأَطْلَقَ الشَّارِعُ أَنَّ الْخَذْفَ لَا يُصَادُ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُجْهِزَاتِ ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ - إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ - عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ مَا قَتَلَتْهُ الْبُنْدُقَةُ وَالْحَجَرُ ، انْتَهَى . وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ الصَّيْدَ بِقُوَّةِ رَامِيهِ لَا بِحَدِّهِ . قَوْلُهُ ( وَلَا يَنْكَأُ بِهِ عَدُوٌّ ) قَالَ عِيَاضٌ : الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَبِهَمْزَةٍ فِي آخِرِهِ وَهِيَ لُغَةٌ ، وَالْأَشْهَرُ بِكَسْرِ الْكَافِ بِغَيْرِ هَمْزٍ ، وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : لَا يَنْكَأُ بِفَتْحِ الْكَافِ مَهْمُوزٌ ، وَرَوَى لَا يَنْكِي بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ ، وَهُوَ أَوْجَهُ لِأَنَّ الْمَهْمُوزَ إِنَّمَا هُـوَ مِنْ نَكَأْتُ الْقُرْحَةَ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ فَإِنَّهُ مِنَ النِّكَايَةِ ، لَكِنْ قَالَ فِي الْعَيْنِ نَكَأْتُ لُغَةٌ فِي نَكَيْتُ ، فَعَلَى هَذَا تَتَوَجَّهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ قَالَ : وَمَعْنَاهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْأَذَى .

وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ : نَكَأَ الْعَدُوُّ نِكَايَةً أَصَابَ مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَ : نَكَأْتُ الْعَدُوَّ أَنْكَؤُهُمْ لُغَةً فِي نَكَيْتُهُمْ ، فَظَهَرَ أَنَّ الرِّوَايَةَ صَحِيحَةُ الْمَعْنَى وَلَا مَعْنَى لِتَخْطِئَتِهَا . وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّينِ فَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي بِالْهَمْزِ أَصْلًا بَلْ شَرَحَهُ عَلَى الَّتِي بِكَسْرِ الْكَافِ بِغَيْرِ هَمْزٍ ، ثُمَّ قَالَ : وَنَكَأْتُ الْقُرْحَةَ بِالْهَمْزِ . قَوْلُهُ ( وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ ) أَيِ الرَّمْيَةُ ، وَأَطْلَقَ السِّنَّ فَيَشْمَلُ سِنَّ الْمُرْمَى وَغَيْرَهُ مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ .

قَوْلُهُ ( لَا أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا ) فِي رِوَايَةِ مُعَاذٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ : لَا أُكَلِّمُكَ كَلِمَةً كَذَا وَكَذَا وَكَلِمَةً بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِينِ ، كَذَا وَكَذَا أَبْهَمَ الزَّمَانَ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ هِجْرَانِ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ وَتَرْكِ كَلَامِهِ ، وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْهَجْرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَنْ هَجَرَ لِحَظِّ نَفْسِهِ ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ ، وَفِيهِ تَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ وَمَنْعُ الرَّمْيِ بِالْبُنْدُقَةِ لِأَنَّهُ إِذَا نَفَى الشَّارِعُ أَنَّهُ لَا يَصِيدُ فَلَا مَعْنَى لِلرَّمْيِ بِهِ بَلْ فِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْحَيَوَانِ بِالتَّلَفِ لِغَيْرِ مَالِكِهِ وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ ، نَعَمْ قَدْ يُدْرِكُ ذَكَاةَ مَا رُمِيَ بِالْبُنْدُقَةِ فَيَحِلُّ أَكْلُهُ ، وَمِنْ ثَمَّ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِهِ فَصَرَّحَ مُجَلِّي فِي الذَّخَائِرِ بِمَنْعِهِ وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بحله لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إِلَى الِاصْطِيَادِ ، وَالتَّحْقِيقُ التَّفْصِيلُ : فَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ مِنْ حَالِ الرَّمْيِ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ امْتَنَعَ ، وَإِنْ كَانَ عَكْسَهُ جَازَ وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمُرْمَى مِمَّا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ الرَّمْيُ إِلَّا بِذَلِكَ ثُمَّ لَا يَقْتُلُهُ غَالِبًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ بَابَيْنِ مِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الْحَسَنِ فِي كَرَاهِيَةِ رَمْيِ الْبُنْدُقَةِ فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِي الْفَلَاةِ ، فَجَعَلَ مَدَارَ النَّهْيِ عَلَى خَشْيَةِ إِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث