بَاب مَنْ رَأَى أَنْ لَا يَخْلِطَ الْبُسْرَ وَالتَّمْرَ إِذَا كَانَ مُسْكِرًا وَأَنْ لَا يَجْعَلَ إِدَامَيْنِ فِي إِدَامٍ
بَاب مَنْ رَأَى أَنْ لَا يَخْلِطَ الْبُسْرَ وَالتَّمْرَ إِذَا كَانَ مُسْكِرًا ، وَأَنْ لَا يَجْعَلَ إِدَامَيْنِ فِي إِدَامٍ 5600 - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : إِنِّي لَأَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ ، وَأَبَا دُجَانَةَ ، وَسُهَيْلَ بْنَ الْبَيْضَاءِ خَلِيطَ بُسْرٍ وَتَمْرٍ إِذْ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ ، فَقَذَفْتُهَا وَأَنَا سَاقِيهِمْ وَأَصْغَرُهُمْ ، وَإِنَّا نَعُدُّهَا يَوْمَئِذٍ الْخَمْرَ . وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ سَمِعَ أَنَسًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ رَأَى أَنْ لَا يُخْلَطَ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ إِذَا كَانَ مُسْكِرًا ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : قَوْلُهُ إِذَا كَانَ مُسْكِرًا خَطَأٌ ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ عَامٌّ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ كَثِيرُهُمَا ، لِسُرْعَةِ سَرَيَانِ الْإِسْكَارِ إِلَيْهِمَا مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ صَاحِبُهُ بِهِ ، فَلَيْسَ النَّهْيُ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ لِأَنَّهُمَا يُسْكِرَانِ حَالًا ، بَلْ لِأَنَّهُمَا يُسْكِرَانِ مَآلًا ؛ فَإِنَّهُمَا إِذَا كَانَا مُسْكِرَيْنِ فِي الْحَالِ لَا خِلَافَ فِي النَّهْيِ عَنْهُمَا .
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : فَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ هُوَ خَطَأٌ ، بَلْ يَكُونُ أطلق ذلك عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُ مَشْهُورٌ . وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ عَلَى الْبُخَارِيِّ ، إِمَّا لِأَنَّهُ يَرَى جَوَازَ الْخَلِيطَيْنِ قَبْلَ الْإِسْكَارِ ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ تَرْجَمَ عَلَى مَا يُطَابِقُ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ وَهُوَ حَدِيثُ أَنَسٍ ، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي كَانَ يَسْقِيهِ الْقَوْمَ حِينَئِذٍ كَانَ مُسْكِرًا ، وَلِهَذَا دَخَلَ عِنْدَهُمْ فِي عُمُومِ النَّهْيِ عَنِ الْخَمْرِ ، حَتَّى قَالَ أَنَسٌ : وَإِنَّا لَنَعُدُّهَا يَوْمئِذٍ الْخَمْرَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُسْكِرًا . قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَأَنْ لَا يَجْعَلَ إدَامَيْنِ فِي إِدَامٍ فَيُطَابِقُ حَدِيثَ جَابِرٍ ، وَأَبِي قَتَادَةَ ، وَيَكُونُ النَّهْيُ مُعَلَّلًا بِعِلَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ ، إِمَّا تَحْقِيقُ إِسْكَارِ الْكَثِيرِ وَإِمَّا تَوَقُّعُ الْإِسْكَارِ بِالْخَلْطِ سَرِيعًا وَإِمَّا الْإِسْرَافُ وَالشَّرَهُ ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْإِسْرَافِ مُبَيَّنٌ فِي حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ قِرَانِ التَّمْرِ .
قُلْتُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ أَوَّلَ النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ بِأَحَدِ تَأْوِيلَيْنِ : أَحَدُهُمَا حَمْلُ الْخَلِيطِ عَلَى الْمَخْلُوطِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ نَبِيذُ تَمْرٍ وَحْدَهُ مَثَلًا قَدِ اشْتَدَّ ، وَنَبِيذُ زَبِيبٍ وَحْدَهُ مَثَلًا قَدِ اشْتَدَّ ، فَيُخْلَطَانِ لِيَصِيرَا خَلًّا ، فَيَكُونُ النَّهْيُ مِنْ أَجْلِ تَعَمُّدِ التَّخْلِيلِ ، وَهَذَا مُطَابِقٌ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ . ثَانِيهُمَا أَنْ يَكُونَ عِلَّةُ النَّهْيِ عَنِ الْخَلْطِ الْإِسْرَافُ ، فَيَكُونُ كَالنَّهْيِ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ إدَامَيْنِ . وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي قَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ : وَأَنْ لَا يَجْعَلُ إدَامَيْنِ فِي إِدَامٍ وَقَدْ حَكَى أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ حَمَلُوا النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ عَلَى الثَّانِي ، وَجَعَلُوهُ نَظِيرَ النَّهْيِ عَنِ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَةِ ، قَالُوا : فَإِذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرَتيْنِ وَهُمَا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ فَكَيْفَ إِذَا وَقَعَ الْقِرَانُ بَيْنَ نَوْعَيْنِ ؟ وَلِهَذَا عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ مَنْ رَأَى وَلَمْ يَجْزِمْ بِالْحُكْمِ .
وَقَدْ نَصَرَ الطَّحَاوِيُّ مَنْ حَمَلَ النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ عَلَى مَنْعِ السَّرَفِ فَقَالَ : كَانَ ذَلِكَ لِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ ضِيقِ الْعَيْشِ . وَسَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَحَدُ مَنْ رَوَى النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ وَكَانَ يَنْبِذُ الْبُسْرَ ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى بُسْرَةٍ فِي بَعْضِهَا تَرْطِيبٌ قَطَعَهُ كَرَاهَةَ أَنْ يَقَعَ فِي النَّهْيِ ، وَهَذَا عَلَى قَاعِدَتِهِمْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ لَوْ فَهِمَ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ كَالنَّهْيِ عَنِ الْقِرَانِ لِمَا خَالَفَهُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ عَلَى غَيْرِهِ . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ الَّذِي تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ ، وَفِيهِ أَنَّهُ سَقَاهُ خَلِيطَ بُسْرٍ وَتَمْرٍ ، فَدَلَّ عَلَى : أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ خَلْطِ الْبُسْرِ بِالتَّمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، لِأَنَّ ذَلِكَ عَادَةً يَقْتَضِي إِسْرَاعَ الْإِسْكَارِ بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدَيْنِ ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا فِي الْخَلِيطَيْنِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ صَاحِبُ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ ، وَحَمْلُ عِلَّةِ النَّهْيِ لِخَوْفِ الْإِسْرَاعِ أَظْهَرُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْإِسْرَافِ ، لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ نِصْفِ رِطْلٍ مِنْ تَمْرٍ وَنِصْفِ رِطْلٍ مِنْ بُسْرٍ إِذَا خُلِطَا مَثَلًا ، وَبَيْنَ رِطْلٍ مِنْ زَبِيبٍ صِرْفٍ ، بَلْ هُوَ أَوْلَى لِقِلَّةِ الزَّبِيبِ عِنْدَهُمْ إِذْ ذَاكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّمْرِ وَالرُّطَبِ ، وَقَدْ وَقَعَ الْإِذْنُ بِأَنْ يُنْبَذَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ ، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ ، فَلَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ الْإِسْرَافَ لَمَا أَطْلَقَ ذَلِكَ .
وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ عَنِ اللَّيْثِ قَالَ : لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُخْلَطَ نَبِيذُ التَّمْرِ وَنَبِيذُ الزَّبِيبِ ثُمَّ يُشْرَبَانِ جَمِيعًا ، وَإِنَّمَا جَاءَ النَّهْيُ أَنْ يُنْبَذَا جَمِيعًا ثُمَّ يُشْرَبَا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَشْتَدُّ بِهِ صَاحِبُهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ سَمِعَ أَنَسًا ) أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ سَمَاعِ قَتَادَةَ ، لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي سَاقَهَا قَبْلَ مُعَنْعَنًا ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَلَفْظُهُ نَهَى أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّهْوُ ثُمَّ يُشْرَبُ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَّةَ خَمْرِهِمْ يَوْمئِذٍ ، وَهَذَا السِّيَاقُ أَظْهَرُ فِي الْمُرَادِ الَّذِي حُمِلَتْ عَلَيْهِ لَفْظُ التَّرْجَمَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَهِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ .