بَاب الشُّرْبِ مِنْ قَدَحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآنِيَتِهِ
بَاب الشُّرْبِ مِنْ قَدَحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآنِيَتِهِ وَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ : قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : أَلَا أَسْقِيكَ فِي قَدَحٍ شَرِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ ؟ 5637 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ ، فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيَّ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا ، فَقَدِمَتْ ، فَنَزَلَتْ فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَةَ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَاءَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا ، فَلَمَّا كَلَّمَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ . فَقَالَ : قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّي . فَقَالُوا لَهَا : أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا ؟ قَالَتْ : لَا .
قَالُوا : هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ لِيَخْطُبَكِ . قَالَتْ : كُنْتُ أَنَا أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ . فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ .
ثُمَّ قَالَ : اسْقِنَا يَا سَهْلُ ، فَأخرجْتُ لَهُمْ هَذَا الْقَدَحِ فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ . فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ذَلِكَ الْقَدَحَ فَشَرِبْنَا مِنْهُ ، قَالَ : ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَوَهَبَهُ لَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الشُّرْبِ مِنْ قَدَحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ تَبَرُّكًا بِهِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ دَفْعَ تَوَهُّمِ مَنْ يَقَعُ فِي خَيَالِهِ أَنَّ الشُّرْبَ فِي قَدَحِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ وَفَاتِهِ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنٍ ، فَبَيَّنَ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُورَثُ ، وَمَا تَرَكَهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ .
وَلَا يُقَالُ : إِنَّ الْأَغْنِيَاءَ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَالصَّدَقَةُ لَا تَحِلُّ لِلْغَنِيِّ ، لِأَنَّ الْجَوَابَ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ مِنَ الصَّدَقَةِ هُوَ الْمَفْرُوضُ مِنْهَا ، وَهَذَا لَيْسَ مِنَ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ . قُلْتُ : وَهَذَا الْجَوَابُ غَيْرُ مُقْنِعٍ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ جِنْسِ الْأَوْقَافِ الْمُطْلَقَةِ ، يَنْتَفِعُ بِهَا مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا ، وَتُقَرُّ تَحْتَ يَدِ مَنْ يُؤْتَمَنُ عَلَيْهَا ، وَلِهَذَا كَانَ عِنْدَ سَهْلٍ قَدَحٌ ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ آخَرُ ، وَالْجُبَّةُ عِنْدَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ ) هُوَ ابْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ) هُوَ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ ، وَلَامُ سَلَامٍ مُخَفَّفَةٌ . قَوْلُهُ : ( أَلَا ) بِتَخْفِيفِ اللَّامِ لِلْعَرْضِ ، وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ مِنْ طَرِيقِ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، وَتَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ . ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ الْجَوْنِيَّةِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ثُمَّ نُونٍ فِي قِصَّةِ اسْتِعَاذَتِهَا لَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ : فَنَزَلَتْ فِي أُجُمٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْجِيمِ هُوَ بِنَاءٌ يُشْبِهُ الْقَصْرَ ، وَهُوَ مِنْ حُصُونِ الْمَدِينَةِ ، وَالْجَمْعُ آجَامٌ مِثْلُ أُطُمٍ وَآطَامٍ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْأُطُمُ وَالْأُجُمُ بِمَعْنًى ، وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : الْآجَامُ الْأَشْجَارُ وَالْحَوَائِطُ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْكِرْمَانِيِّ : الْأُجُمُ بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ أَجَمَةٍ وَهِيَ الْغَيْضَةُ . قَوْلُهُ : ( قَالَتْ : أَنَا كُنْتُ أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ ) لَيْسَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، بَلْ مُرَادُهَا إِثْبَاتُ الشَّقَاءِ لَهَا لِمَا فَاتَهَا مِنَ التَّزَوُّجِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ) هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْبَيْعَةُ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِالْخِلَافَةِ .
قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ : اسْقِنَا يَا سَهْلُ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ اسْقِنَا لِسَهْلٍ أَيْ قَالَ لِسَهْلٍ اسْقِنَا ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فَقَالَ : اسْقِنَا يَا أَبَا سَعْدٍ ، وَالَّذِي أَعْرِفُهُ فِي كُنْيَةِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، أَبُو الْعَبَّاسِ ، فَلَعَلَّ لَهُ كُنْيَتَيْنِ ، أَوْ كَانَ الْأَصْلُ يَا ابْنَ سَعْدٍ فَتَحَرَّفَتْ . قَوْلُهُ : ( فَأَخْرَجْتُ لَهُمْ هَذَا الْقَدَحَ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي فَخَرَجْتُ لَهُمْ بِهَذَا الْقَدَحِ . قَوْلُهُ : ( فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ) قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ أَبُو حَازِمٍ الرَّاوِي عَنْهُ ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ .
قَوْلُهُ : ( ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَهَبَهُ لَهُ ) كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَئِذٍ قَدْ وَلِيَ إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ ، وَلَيْسَتِ الْهِبَةُ هُنَا حَقِيقَةً ، بَلْ مِنْ جِهَةِ الِاخْتِصَاصِ . وَفِي الْحَدِيثِ التَّبَسُّطُ عَلَى الصَّاحِبِ وَاسْتِدْعَاءُ مَا عِنْدِهُ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ ، وَتَعْظِيمُهُ بِدُعَائِهِ بِكُنْيَتِهِ ، وَالتَّبَرُّكُ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ ، وَاسْتِيهَابُ الصِّدِّيقِ مَا لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ هِبَتُهُ ، وَلَعَلَّ سَهْلًا سَمَحَ بِذَلِكَ لِبَدَلٍ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا فَعَوَّضَهُ الْمُسْتَوْهِبُ مَا يَسُدُّ بِهِ حَاجَتَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ مِنْ جِهَةِ رَغْبَةِ الَّذِينَ سَأَلُوا سَهْلًا أَنْ يُخْرِجَ لَهُمُ الْقَدَحَ الْمَذْكُورَ لِيَشْرَبُوا فِيهِ تَبَرُّكًا بِهِ .