حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ

بَاب أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ 5648 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُوعَكُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّكَ تُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا . قَالَ : أَجَلْ ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ . قُلْتُ : ذَلِكَ بأَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ .

قَالَ : أَجَلْ ، ذَلِكَ كَذَلِكَ ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى - شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا - إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا قَوْلُهُ : ( بَابُ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلنَّسَفِيِّ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ وَجَمَعَهُمَا الْمُسْتَمْلِي ، وَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ الْأَوَّلِيَّةُ فِي الْفَضْلِ ، وَالْأَمْثَلُ أَفْعَلُ مِنَ الْمَثَالَةِ وَالْجَمْعُ أَمَاثِلُ وَهُمُ الْفُضَلَاءُ . وَصَدْرُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ ابْنِ بَهْدَلَةَ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ : الْأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ الْحَدِيثَ وَفِيهِ : حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ مُصْعَبٍ أَيْضًا . وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَلَفْظُهُ قَالَ : الْأَنْبِيَاءُ ، قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : الْعُلَمَاءُ .

قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : الصَّالِحُونَ الْحَدِيثَ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا فِي آخِرِ حَدِيثِ سَعْدٍ . وَلَعَلَّ الْإِشَارَةَ بِلَفْظِ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْيَمَانِ أُخْتِ حُذَيْفَةَ قَالَتْ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نِسَاءٍ نَعُودُهُ ، فَإِذَا بِسِقَاءٍ يَقْطُرُ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الْحُمَّى ، فَقَالَ : إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءَ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ) هُوَ السُّكَّرِيُّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ .

قَوْلُهُ : ( عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ ، وَالْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ هُوَ تَيْمِيٌّ أَيْضًا ، وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ كُوفِيُّونَ ، وَلَيْسَ لِلْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ يَأْتِي فِي الدَّعَوَاتِ ، لَكِنَّهُمَا عِنْدَهُ مِنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ ، وَلَهُ عِنْدَهُ ثَالِثٌ مَضَى فِي الْأَشْرِبَةِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ . قَوْلُهُ : ( دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُوعَكُ ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الَّتِي قَبْلَهَا أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِهِ وَالْوَعْكُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْحُمَّى وَقَدْ تُفْتَحُ ، وَقِيلَ أَلَمُ الْحُمَّى ، وَقِيلَ تَعَبُهَا ، وَقِيلَ إِرْعَادُهَا الْمَوْعُوكَ وَتَحْرِيكُهَا إِيَّاهُ ، وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ الْوَعْكُ الْحَرُّ ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ الْحُمَّى سُمِّيَتْ وَعْكًا لِحَرَارَتِهَا . قَوْلُهُ : ( ذَلِكَ ) إِشَارَةٌ إِلَى مُضَاعَفَةِ الْأَجْرِ بِشِدَّةِ الْحُمَّى ، وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ حَذْفًا يُعْرَفُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ : إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ .

قَوْلُهُ : ( أَجَلْ ) أَيْ نَعَمْ وَزْنًا وَمَعْنًى . قَوْلُهُ : ( أَذًى شَوْكَةً ) التَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّقْلِيلِ لَا لِلْجِنْسِ لِيَصِحَّ تَرَتُّبُ فَوْقِهَا وَدُونِهَا فِي الْعِظَمِ وَالْحَقَارَةِ عَلَيْهِ بِالْفَاءِ ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ فَوْقَهَا فِي الْعِظَمِ وَدُونَهَا فِي الْحَقَارَةِ وَعَكْسِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( كَمَا تَحُطُّ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ تُلْقِيهِ مُنْتَثِرًا .

وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَثْبَتَ أَنَّ الْمَرَضَ إِذَا اشْتَدَّ ضَاعَفَ الْأَجْرَ ، ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ تَنْتَهِي إِلَى أَنْ تُحَطَّ السَّيِّئَاتُ كُلُّهَا ، أَوِ الْمَعْنَى : قَالَ : نَعَمْ شِدَّةُ الْمَرَضِ تَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ وَتَحُطُّ الْخَطِيئَاتِ أَيْضًا حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا شَيْءٌ ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ حَدِيثُ سَعْدٍ الَّذِي ذَكَرْتُهُ قَبْلُ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ وَمِثْلُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ : لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : مَا مِنْ وَجَعٍ يُصِيبُنِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْحُمَّى ، إِنَّهَا تَدْخُلُ فِي كُلِّ مَفْصِلٍ مِنَ ابْنِ آدَمَ ، وَاللَّهُ يُعْطِي كُلَّ مَفْصِلٍ قِسْطَهُ مِنَ الْأَجْرِ وَوَجْهُ دَلَالَةِ حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى التَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ قِيَاسِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِلْحَاقِ الْأَوْلِيَاءِ بِهِمْ لِقُرْبِهِمْ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَتْ دَرَجَتُهُمْ مُنْحَطَّةً عَنْهُمْ ، وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ الْبَلَاءَ فِي مُقَابَلَةِ النِّعْمَةِ ، فَمَنْ كَانَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ كَانَ بَلَاؤُهُ أَشَدَّ ، وَمِنْ ثَمَّ ضُوعِفَ حَدُّ الْحُرِّ عَلَى الْعَبْدِ ، وَقِيلَ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ : مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْقَوِيَّ يَحْمِلُ مَا حَمَلَ ، وَالضَّعِيفَ يُرْفَقُ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ كُلَّمَا قَوِيَتِ الْمَعْرِفَةُ بِالْمُبْتَلَى هَانَ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى أَجْرِ الْبَلَاءِ فَيَهُونُ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ ، وَأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ دَرَجَةُ مَنْ يَرَى أَنَّ هَذَا تَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ فَيُسَلِّمُ وَلَا يَعْتَرِضُ ، وَأَرْفَعُ مِنْهُ مَنْ شَغَلَتْهُ الْمَحَبَّةُ عَنْ طَلَبِ رَفْعِ الْبَلَاءِ ، وَأَنْهَى الْمَرَاتِبِ مَنْ يَتَلَذَّذُ بِهِ لِأَنَّهُ عَنِ اخْتِيَارِهِ نَشَأَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث6 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث