بَاب مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً
كِتَاب الطِّبِّ 1- بَاب مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً 5678 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ، قَالَ : حَدَّثَنا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً . قَوْلُهُ : ( ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾، كِتَابُ الطِّبِّ ) ، كَذَا لَهُمْ ، إِلَّا النَّسَفِيَّ ، فَتَرْجَمَ كِتَابُ الطِّبِّ أَوَّلُ كَفَّارَةِ الْمَرَضِ ، وَلَمْ يُفْرِدْ كِتَابَ الطِّبِّ ، وَزَادَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ وَالْأَدْوِيَةِ . وَالطِّبُّ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ، وَحَكَى ابْنُ السَّيِّدِ تَثْلِيثَهَا .
وَالطَّبِيبُ هُوَ الْحَاذِقُ بِالطِّبِّ ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا : طَبَّ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَمُسْتَطَبٌّ ، وَامْرَأَةُ طَبٍّ بِالْفَتْحِ ، يُقَالُ اسْتَطَبَّ تَعَانى الطِّبَّ ، وَ اسْتَطَبَّ اسْتَوْصَفَهُ ، وَنَقَلَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ الطِّبَّ بِالْكَسْرِ يُقَالُ بِالِاشْتِرَاكِ لِلْمُدَاوِي وَلِلتَّدَاوِي وَلِلدَّاءِ أَيْضًا فَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِلرِّفْقِ وَالسِّحْرِ ، وَيُقَالُ لِلشَّهْوَةِ وَلِطَرَائِقَ تُرَى فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ وَلِلْحِذْقِ بِالشَّيْءِ ، وَالطَّبِيبُ الْحَاذِقُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَخُصَّ بِهِ الْمُعَالِجُ عُرْفًا ، وَالْجَمْعُ فِي الْقِلَّةِ أَطِبَّةٌ ، وَفِي الْكَثْرَةِ أَطِبَّاءٌ . وَالطِّبُّ نَوْعَانِ : طِبُّ جَسَدٍ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا ، وَطِبُّ قَلْبٍ وَمُعَالَجَتُهُ خَاصَّةٌ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى . وَأَمَّا طِبُّ الْجَسَدِ فَمِنْهُ مَا جَاءَ فِي الْمَنْقُولِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْهُ مَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِ ، وَغَالِبُهُ رَاجِعٌ إِلَى التَّجْرِبَةِ .
ثُمَّ هُوَ نَوْعَانِ : نَوْعٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى فِكْرٍ وَنَظَرٍ بَلْ فَطَرَ اللَّهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ الْحَيَوَانَاتِ ، مِثْلُ مَا يَدْفَعُ الْجُوعَ وَالْعَطَشَ . وَنَوْعٌ يَحْتَاجُ إِلَى الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ كَدَفْعِ مَا يَحْدُثُ فِي الْبَدَنِ مِمَّا يُخْرِجُهُ عَنِ الِاعْتِدَالِ ، وَهُوَ إِمَّا إِلَى حَرَارَةٍ أَوْ بُرُودَةٍ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إِمَّا إِلَى رُطُوبَةٍ ، أَوْ يُبُوسَةٍ ، أَوِ إِلَى مَا يَتَرَكَّبُ مِنْهُمَا . وَغَالِبُ مَا يُقَاوَمُ الْوَاحِدُ مِنْهُمَا بِضِدِّهِ ، وَالدَّفْعُ قَدْ يَقَعُ مِنْ خَارِجِ الْبَدَنِ ، وَقَدْ يَقَعُ مِنْ دَاخِلِهِ وَهُوَ أَعْسَرُهُمَا .
وَالطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِتَحَقُّقِ السَّبَبِ وَالْعَلَامَةِ ، فَالطَّبِيبُ الْحَاذِقُ هُوَ الَّذِي يَسْعَى فِي تَفْرِيقِ مَا يَضُرُّ بِالْبَدَنِ جَمْعُهُ أَوْ عَكْسُهُ ، وَفِي تَنْقِيصِ مَا يَضُرُّ بِالْبَدَنِ زِيَادَتُهُ أَوْ عَكْسُهُ ، وَمَدَارُ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : حِفْظُ الصِّحَّةِ ، وَالِاحْتِمَاءُ عَنِ الْمُؤْذِي ، وَاسْتِفْرَاغُ الْمَادَّةِ الْفَاسِدَةِ . وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى الثَّلَاثَةِ فِي الْقُرْآنِ : فَالْأَوَّلُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَذَلِكَ أَنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ النَّصَبِ وَهُوَ مِنْ مُغَيِّرَاتِ الصِّحَّةِ ، فَإِذَا وَقَعَ فِيهِ الصِّيَامُ ازْدَادَ فَأُبِيحَ الْفِطْرُ إِبْقَاءً عَلَى الْجَسَدِ . وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَرَضِ الثَّانِي وَهُوَ الْحَمِيَّةُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فَإِنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنْهُ جَوَازَ التَّيَمُّمِ عِنْدَ خَوْفِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْبَارِدِ .
وَالثَّالِثُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ فَإِنَّهُ أُشِيرَ بِذَلِكَ إِلَى جَوَازِ حَلْقِ الرَّأْسِ الَّذِي مُنِعَ مِنْهُ الْمُحْرِمُ لِاسْتِفْرَاغِ الْأَذَى الْحَاصِلِ مِنَ الْبُخَارِ الْمُحْتَقَنِ فِي الرَّأْسِ . وَأَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلَيْنِ : أَيُّكُمَا أَطَبُّ ؟ قَالَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي الطِّبِّ خَيْرٌ ؟ قَالَ : أَنْزَلَ الدَّاءَ الَّذِي أَنْزَلَ الدَّوَاءَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً ) ، كَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَابْنِ بَطَّالٍ وَمَنْ تَبِعَهُ ، وَلَمْ أَرَ لَفْظَ بَابٍ مِنْ نُسَخِ الصَّحِيحِ إِلَّا لِلنَّسَفِيِّ .
قَوْلُهُ ( أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْأَسَدِيُّ ، نُسِبَ لِجَدِّهِ وَهُوَ أَسَدٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ ، فَقَدْ يَلْتَبِسُ بِمَنْ يُنْسَبُ إِلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ لِكَوْنِهِمْ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ، وَهَذَا مِنْ فُنُونِ عِلْمِ الْحَدِيثِ ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الْأَنْسَابَ الْمُتَّفِقَةَ فِي اللَّفْظِ الْمُفْتَرِقَةِ فِي الشَّخْصِ . وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ : قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَمَّالِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) كَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، وَخَالَفَهُ شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ ، فَقَالَ : عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ ، وَرَوَاهُ طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، هَذِهِ رِوَايَةُ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْهُ ، وَقَالَ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ : عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَخْرَجَهُ ابْنُ عَاصِمٍ فِي الطِّبِّ وَأَبُو نُعَيْمٍ ، وَهَذَا مِمَّا يَتَرَجَّحُ بِهِ رِوَايَةُ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ .
قَوْلُهُ : ( مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً ) ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ دَاءٍ ، وَ مِنْ زَائِدَةٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ أَنْزَلَ مَحْذُوفًا ، فَلَا تَكُونُ مِنْ زَائِدَةً بَلْ لِبَيَانِ الْمَحْذُوفِ ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً ) فِي رِوَايَةِ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو مِنَ الزِّيَادَةِ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَدَاوَوْا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، رَفَعَهُ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً ، فَتَدَاوَوْا . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَنَحْوُهُ لِلطَّحَاوِيِّ ، وَأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِأَحْمَدَ ، عَنْ أَنَسٍ : إِنَّ اللَّهَ حَيْثُ خَلَقَ الدَّاءَ خَلَقَ الدَّوَاءَ ، فَتَدَاوَوْا وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ : تَدَاوَوْا يَا عِبَادَ اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً ، إِلَّا دَاءً وَاحِدًا الْهَرَمَ .
أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ ، وَالْأَرْبَعَةُ ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَفِي لَفْظٍ : إِلَّا السَّامَ ، بِمُهْمَلَةٍ مُخَفَّفَةٍ ، يَعْنِي : الْمَوْتَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُ حَدِيثِ الْبَابِ ، وزاد فِي آخِرِهِ : عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ . وَلِمُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ : لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ : إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا ، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ وَفِي مَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَا يُعْرَفُ مِنْهُ الْمُرَادُ بِالْإِنْزَالِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، وَهُوَ إِنْزَالُ عِلْمِ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ الْمَلَكِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَثَلًا ، أَوْ عَبَّرَ بِالْإِنْزَالِ عَنِ التَّقْدِيرِ .
وَفِيهَا التَّقْيِيدُ بِالْحَلَالِ ، فَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِالْحَرَامِ . وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ مِنْهَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الشِّفَاءَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْإِصَابَةِ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّوَاءَ قَدْ يَحْصُلُ مَعَهُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي الْكَيْفِيَّةِ أَوِ الْكَمِّيَّةِ فَلَا يَنْجَعُ ، بَلْ رُبَّمَا أَحْدَثَ دَاءً آخَرَ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَدْوِيَةِ لَا يَعْلَمُهَا كُلُّ أَحَدٍ ، وَفِيهَا كُلُّهَا إِثْبَاتُ الْأَسْبَابِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ لِمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَبِتَقْدِيرِهِ ، وَأَنَّهَا لَا تَنْجَعُ بِذَوَاتِهَا بَلْ بِمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِيهَا ، وَأَنَّ الدَّوَاءَ قَدْ يَنْقَلِبُ دَاءً إِذَا قَدَّرَ اللَّهُ ذَلِكَ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : بِإِذْنِ اللَّهِ ، فَمَدَارُ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى تَقْدِيرِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ .
وَالتَّدَاوِي لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ كَمَا لَا يُنَافِي دَفْعُ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَكَذَلِكَ يجَنُّبُ الْمُهْلِكَاتِ وَالدُّعَاءُ بِطَلَبِ الْعَافِيَةِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا الْبَحْثِ فِي بَابِ الرُّقْيَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهَا أَيْضًا الدَّاءُ الْقَاتِلُ الَّذِي اعْتَرَفَ حُذَّاقُ الْأَطِبَّاءِ بِأَنْ لَا دَوَاءَ لَهُ ، وَأَقَرُّوا بِالْعَجْزِ عَنْ مُدَاوَاتِهِ ، وَلَعَلَّ الْإِشَارَةَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِقَوْلِهِ : وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ إِلَى ذَلِكَ ، فَتَكُونُ بَاقِيَةً عَلَى عُمُومِهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْخَبَرِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : لَمْ يُنْزِلْ دَاءٌ يَقْبَلُ الدَّوَاءَ إِلَّا أُنْزِلَ لَهُ شِفَاءٌ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى . وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ : جَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ مَا يَقَعُ لِبَعْضِ الْمَرْضَى أَنَّهُ يَتَدَاوَى مِنْ دَاءٍ بِدَوَاءٍ فَيَبْرَأُ ثُمَّ يَعْتَرِيهِ ذَلِكَ الدَّاءُ بِعَيْنِهِ فَيَتَدَاوَى بِذَلِكَ الدَّوَاءِ بِعَيْنِهِ فَلَا يَنْجَعُ ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ الْجَهْلِ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الدَّوَاءِ ، فَرُبَّ مَرَضَيْنِ تَشَابَهَا وَيَكُونُ أَحَدُهُمَا مُرَكَّبًا لَا يَنْجَعُ فِيهِ مَا يَنْجَعُ فِي الَّذِي لَيْسَ مُرَكَّبًا فَيَقَعُ الْخَطَأُ مِنْ هُنَا ، وَقَدْ يَكُونُ مُتَّحِدًا لَكِنْ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ لَا يَنْجَعَ فَلَا يُنْجَعُ ، وَمِنْ هُنَا تَخْضَعُ رِقَابُ الْأَطِبَّاءِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خُزَامَةَ وَهُوَ بِمُعْجَمَةٍ وَزَايٍ خَفِيفَةٍ : عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ ، هَلْ يَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا ؟ قَالَ : هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُصُولَ الشِّفَاءِ بِالدَّوَاءِ إِنَّمَا هُوَ كَدَفْعِ الْجُوعِ بِالْأَكْلِ ، وَالْعَطَشِ بِالشُّرْبِ ، وَهُوَ يَنْجَعُ فِي ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ ، وَقَدْ يَتَخَلَّفُ لِمَانِعٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ الدَّاءُ وَالدَّوَاءُ كِلَاهُمَا بِفَتْحِ الدَّالِ وَبِالْمَدِّ ، وَحُكِيَ كَسْرُ دَالِ الدَّوَاءِ . وَاسْتِثْنَاءُ الْمَوْتِ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ وَاضِحٌ ، وَلَعَلَّ التَّقْدِيرَ : إِلَّا دَاءَ الْمَوْتِ ، أَيِ : الْمَرَضُ الَّذِي قُدِّرَ عَلَى صَاحِبِهِ الْمَوْتُ . وَاسْتِثْنَاءُ الْهَرَمِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، إِمَّا لِأَنَّهُ جَعَلَهُ شَبِيهًا بِالْمَوْتِ ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا نَقْصُ الصِّحَّةِ ، أَوْ لِقُرْبِهِ مِنَ الْمَوْتِ وَإِفْضَائِهِ إِلَيْهِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا ، وَالتَّقْدِيرُ : لَكِنِ الْهَرَمُ لَا دَوَاءَ لَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .