بَاب مَا يُذْكَرُ فِي الطَّاعُونِ
بَاب مَا يُذْكَرُ فِي الطَّاعُونِ 5728 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْدًا ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ في أَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا ، فَقُلْتُ : أَنْتَ سَمِعْتَهُ يُحَدِّثُ سَعْدًا وَلَا يُنْكِرُهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الطَّاعُونِ ) ، أَيْ : مِمَّا يَصِحُّ عَلَى شَرْطِهِ . وَالطَّاعُونُ بِوَزْنِ فَاعُولٍ مِنَ الطَّعْنِ ، عَدَلُوا بِهِ عَنْ أَصْلِهِ ، وَوَضَعُوهُ دَالًا عَلَى الْمَوْتِ الْعَامِّ كَالْوَبَاءِ ، وَيُقَالُ : طُعِنَ فَهُوَ مَطْعُونٌ وَطَعِينٌ إِذَا أَصَابَهُ الطَّاعُونُ ، وَإِذَا أَصَابَهُ الطَّعْنُ بِالرُّمْحِ فَهُوَ مَطْعُونٌ ، هَذَا كَلَامُ الْجَوْهَرِيِّ ، وَقَالَ الْخَلِيلُ : الطَّاعُونُ الْوَبَاءُ .
وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ : الطَّاعُونُ الْمَرَضُ الْعَامُّ الَّذِي يَفْسُدُ لَهُ الْهَوَاءُ ، وَتَفْسُدُ بِهِ الْأَمْزِجَةُ وَالْأَبْدَانُ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : الطَّاعُونُ الْوَجْهُ الْغَالِبُ الَّذِي يُطْفِئُ الرُّوحَ كَالذَّبْيحَةِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِعُمُومِ مُصَابِهِ وَسُرْعَةِ قَتْلِهِ . وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِي : هُوَ مَرَضٌ يَعُمُّ الْكَثِيرَ مِنَ النَّاسِ فِي جِهَةِ مِنَ الْجِهَاتِ ، بِخِلَافِ الْمُعْتَادِ مِنْ أَمْرَاضِ النَّاسِ ، وَيَكُونُ مَرَضُهُمْ وَاحِدًا بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَوْقَاتِ ، فَتَكُونُ الْأَمْرَاضُ مُخْتَلِفَةً .
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : الطَّاعُونُ حَبَّةٌ تَخْرُجُ مِنَ الْأَرْقَاعِ ، وَفِي كُلِّ طَيٍّ مِنَ الْجَسَدِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ الْوَبَاءُ . وَقَالَ عِيَاضٌ : أَصْلُ الطَّاعُونِ الْقُرُوحُ الْخَارِجَةُ فِي الْجَسَدِ ، وَالْوَبَاءُ عُمُومُ الْأَمْرَاضِ ، فَسُمِّيَتْ طَاعُونًا لِشَبَهِهَا بِهَا فِي الْهَلَاكِ ، وَإِلَّا فَكُلُّ طَاعُونٍ وَبَاءٌ ، وَلَيْسَ كُلُّ وَبَاءٍ طَاعُونًا . قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ وَبَاءَ الشَّامِ الَّذِي وَقَعَ فِي عَمَوَاسَ إِنَّمَا كَانَ طَاعُونًا ، وَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الطَّاعُونَ وَخْزُ الْجِنِّ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الطَّاعُونُ غُدَّةٌ تَخْرُجُ فِي الْمَرَاقِّ وَالْآبَاطِ ، وَقَدْ تَخْرُجُ فِي الْأَيْدِي وَالْأَصَابِعِ ، وَحَيْثُ شَاءَ اللَّهُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ : قِيلَ : الطَّاعُونُ انْصِبَابُ الدَّمِ إِلَى عُضْوٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ هَيَجَانُ الدَّمِ وَانْتِفَاخُهُ .
قَالَ الْمُتَوَلِّي : وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْجُذَامِ ، مَنْ أَصَابَهُ تَأَكَّلَتْ أَعْضَاؤُهُ وَتَسَاقَطَ لَحْمُهُ . وَقَالَ الْغَزَالِيُّ : هُوَ انْتِفَاخُ جَمِيعِ الْبَدَنِ مِنَ الدَّمِ مَعَ الْحُمَّى أَوِ انْصِبَابُ الدَّمِ إِلَى بَعْضِ الْأَطْرَافِ ، فيَنْتَفِخُ وَيَحْمَرُّ ; وَقَدْ يَذْهَبُ ذَلِكَ الْعُضْوُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا فِي تَهْذِيبِهِ : هُوَ بَثْرٌ وَوَرَمٌ مُؤْلِمٌ جِدًّا ، يَخْرُجُ مَعَ لَهَبٍ ، وَيَسْوَدُّ مَا حَوَالَيْهِ أَوْ يَخْضَرُّ أَوْ يَحْمَرُّ حُمْرَةً شَدِيدةً بَنَفْسَجِيَّةً كَدُرَّةٍ ، وَيَحْصُلُ مَعَهُ خَفَقَانٌ وَقَيْءٌ ، وَيَخْرُجُ غَالِبًا فِي الْمَرَاقِّ وَالْآبَاطِ ، وَقَدْ يَخْرُجُ فِي الْأَيْدِي وَالْأَصَابِعِ وَسَائِرِ الْجَسَدِ .
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَطِبَّاءِ مِنْهُمْ أَبُو عَلِيِّ بْنُ سِينَا : الطَّاعُونُ مَادَّةٌ سُمِّيَّةٌ تُحْدِثُ وَرَمًا قَتَّالًا يَحْدُثُ فِي الْمَوَاضِعِ الرَّخْوَةِ وَالْمَغَابِنِ مِنَ الْبَدَنِ ; وَأَغْلَبُ مَا تَكُونُ تَحْتَ الْإِبْطِ أَوْ خَلْفَ الْأُذُنِ أَوْ عِنْدَ الْأَرْنَبَةِ . قَالَ : وَسَبَبُهُ دَمٌ رَدِيءٌ مَائِلٌ إِلَى الْعُفُونَةِ وَالْفَسَادِ يَسْتَحِيلُ إِلَى جَوْهَرٍ سُمِّيٍّ يُفْسِدُ الْعُضْوَ وَيُغَيِّرُ مَا يَلِيهِ ، وَيُؤَدِّي إِلَى الْقَلْبِ كَيْفِيَّةً رَدِيئَةً فَيُحْدِثُ الْقَيْءَ وَالْغَثَيَانَ وَالْغَشْيَ وَالْخَفَقَانَ ، وَهُوَ لِرَدَاءَتِهِ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْأَعْضَاءِ إِلَّا مَا كَانَ أَضْعَفَ بِالطَّبْعِ ، وَأَرْدَؤُهُ مَا يَقَعُ فِي الْأَعْضَاءِ الرَّئِيسِيَّةِ ، وَالْأَسْوَدُ مِنْهُ قَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنْهُ ، وَأَسْلَمُهُ الْأَحْمَرُ ثم الْأَصْفَرُ . وَالطَّوَاعِينُ تَكْثُرُ عِنْدَ الْوَبَاءِ فِي الْبِلَادِ الْوَبِئَةِ ، وَمِنْ ثَمَّ أُطْلِقَ عَلَى الطَّاعُونِ وَبَاءً وَبِالْعَكْسِ ، وَأَمَّا الْوَبَاءُ فَهُوَ فَسَادُ جَوْهَرِ الْهَوَاءِ الَّذِي هُوَ مَادَّةُ الرُّوحِ وَمَدَدُهُ .
قُلْتُ : فَهَذَا مَا بَلَغَنَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَطِبَّاءِ فِي تَعْرِيفِهِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَقِيقَتَهُ وَرَمٌ يَنْشَأُ عَنْ هَيَجَانِ الدَّمِ أَوِ انْصِبَابِ الدَّمِ إِلَى عُضْوٍ فَيُفْسِدُهُ ، وَإنَّ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْعَامَّةِ النَّاشِئَةِ عَنْ فَسَادِ الْهَوَاءِ يُسَمَّى طَاعُونًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عُمُومِ الْمَرَضِ بِهِ أَوْ كَثْرَةِ الْمَوْتِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الطَّاعُونَ يُغَايِرُ الْوَبَاءَ مَا سَيَأْتِي فِي رَابِعِ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّ الطَّاعُونَ لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ - وَفِيهِ قَوْلُ بِلَالٍ - : أَخْرَجُونَا إِلَى أَرْضِ الْوَبَاءِ ، وَمَا سَبَقَ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْأَسْوَدِ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَهُمْ يَمُوتُونَ ذَرِيعًا وَمَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ فِي الطَّهَارَةِ أَنَّهُمُ اسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ ، وَفِي لَفْظٍ : أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّهَا أَرْضٌ وَبِئَةٌ ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَبَاءَ كَانَ مَوْجُودًا بِالْمَدِينَةِ . وَقَدْ صَرَّحَ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الطَّاعُونَ لَا يَدْخُلُهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَبَاءَ غَيْرُ الطَّاعُونِ .
وَأَنَّ مَنْ أَطْلَقَ عَلَى كُلِّ وَبَاءٍ طَاعُونًا فَبِطَرِيقِ الْمَجَازِ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْوَبَاءُ هُوَ الْمَرَضُ الْعَامُّ ، يُقَالُ : أَوْبَأَتِ الْأَرْضُ فَهِيَ مُوبِئَةٌ ، وَوَبِئَتْ بِالْفَتْحِ فَهِيَ وَبِئَةٌ ، وَبِالضَّمِّ فَهِيَ مَوْبُوءَةٌ . وَالَّذِي يَفْتَرِقُ بِهِ الطَّاعُونُ مِنَ الْوَبَاءِ أَصْلُ الطَّاعُونِ الَّذِي لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْأَطِبَّاءُ وَلَا أَكْثَرُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي تَعْرِيفِ الطَّاعُونِ وَهُوَ كَوْنُهُ مِنْ طَعْنِ الْجِنِّ ، وَلَا يُخَالِفُ ذَلِكَ مَا قَالَ الْأَطِبَّاءُ مِنْ كَوْنِ الطَّاعُونِ يَنْشَأُ عَنْ هَيَجَانِ الدَّمِ أَوِ انْصِبَابِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَحْدُثُ عَنِ الطَّعْنَةِ الْبَاطِنَةِ ، فَتَحْدُثُ مِنْهَا الْمَادَّةُ السُّمِّيَّةُ وَيَهِيجُ الدَّمُ بِسَبَبِهَا أَوْ يَنْصَبُّ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَعَرَّضِ الْأَطِبَّاءُ لِكَوْنِهِ مِنْ طَعْنِ الْجِنِّ ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ مِنَ الشَّارِعِ ، فَتَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ قَوَاعِدُهُمْ .
وَقَالَ الْكَلَابَاذِيُّ فِي مَعَانِي الْأَخْبَارِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الطَّاعُونُ عَلَى قِسْمَيْنِ : قِسْمٌ يَحْصُلُ مِنْ غَلَبَةِ بَعْضِ الْأَخْلَاطِ مِنْ دَمٍ أَوْ صَفْرَاءَ مُحْتَرِقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يَكُونُ مِنَ الْجِنِّ ، وَقِسْمٌ يَكُونُ مِنْ وَخْزِ الْجِنِّ كَمَا تَقَعُ الْجِرَاحَاتُ مِنَ الْقُرُوحِ الَّتِي تَخْرُجُ فِي الْبَدَنِ مِنْ غَلَبَةِ بَعْضِ الْأَخْلَاطِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ طَعْنٌ ، وَتَقَعُ الْجِرَاحَاتُ أَيْضًا مِنْ طَعْنِ الْإِنْسِ . انْتَهَى . وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ الطَّاعُونَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ طَعْنِ الْجِنِّ وُقُوعُهُ غَالِبًا فِي أَعْدَلِ الْفُصُولِ ، وَفِي أَصَحِّ الْبِلَادِ هَوَاءً وَأَطْيَبِهَا مَاءً ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِسَبَبِ فَسَادِ الْهَوَاءِ لَدَامَ فِي الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ يَفْسُدُ تَارَةً وَيَصِحُّ أُخْرَى ، وَهَذَا يَذْهَبُ أَحْيَانًا وَيَجِيءُ أَحْيَانًا عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَلَا تَجْرِبَةٍ ، فَرُبَّمَا جَاءَ سَنَةً عَلَى سَنَةٍ ، وَرُبَّمَا أَبْطَأَ سِنِينَ ، وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَعَمَّ النَّاسَ وَالْحَيَوَانَ ، وَالْمَوْجُودُ بِالْمُشَاهَدَةِ أَنَّهُ يُصِيبُ الْكَثِيرَ وَلَا يُصِيبُ مَنْ هُمْ بِجَانِبِهِمْ مِمَّا هو فِي مِثْلِ مِزَاجِهِمْ ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَعَمَّ جَمِيعَ الْبَدَنِ ، وَهَذَا يَخْتَصُّ بِمَوْضِعٍ مِنَ الْجَسَدِ وَلَا يَتَجَاوَزُهُ ، وَلِأَنَّ فَسَادَ الْهَوَاءِ يَقْتَضِي تَغَيُّرَ الْأَخْلَاطِ وَكَثْرَةَ الْأَسْقَامِ ، وَهَذَا فِي الْغَالِبِ يَقْتُلُ بِلَا مَرَضٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ طَعْنِ الْجِنِّ كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ : مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ .
قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الطَّعْنُ قَدْ عَرَفْنَاهُ ، فَمَا الطَّاعُونُ ؟ قَالَ : وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنَ الْجِنِّ ، وَفِي كُلٍّ شَهَادَةٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي مُوسَى ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ زِيَادٍ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي ، قَالَ : كُنَّا عَلَى بَابِ عُثْمَانَ نَنْتَظِرُ الْإِذْنَ ، فَسَمِعْتُ أَبَا مُوسَى ، قَالَ زِيَادٌ : فَلَمْ أَرْضَ بِقَوْلِهِ فَسَأَلْتُ سَيِّدَ الْحَيِّ فَقَالَ : صَدَقَ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ زِيَادٍ ، فَسَمَّيَا الْمُبْهَمَ يَزِيدَ بْنَ الْحَارِثِ ، وَسَمَّاهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أُسَامَةَ بْنَ شَرِيكٍ ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ النَّهْشَلِيِّ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ علاقه ، عن أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ : خَرَجْنَا فِي بِضْعَ عَشْرَةَ نَفْسًا مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ ، فَإِذَا نَحْنُ بِأَبِي مُوسَى وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ سَمَّاهُ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ أُسَامَةَ هُوَ سَيِّدُ الْحَيِّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَاسْتَثْبَتَهُ فِيمَا حَدَّثَهُ بِهِ الْأَوَّلُ وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا الْمُبْهَمَ ، وَأُسَامَةُ بْنُ شَرِيكٍ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ ، وَالَّذِي سَمَّاهُ وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ ، فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَأَخْرَجَاهُ وَأَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : هُوَ وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنَ الْجِنِّ ، وَهُوَ لَكُمْ شَهَادَةٌ . وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ، إِلَّا أَبَا بَلْجٍ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا جِيمٌ وَاسْمُهُ يَحْيَى وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَالنَّسَائِيُّ وَجَمَاعَةٌ ، وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ بِسَبَبِ التَّشَيُّعِ ، وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي قَبُولِ رِوَايَتِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ . وَلِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ ثَالِثَةٌ أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخْتَارِ ، عَنْ كُرَيْبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا كُرَيْبًا ، وَأَبَاهُ وَكُرَيْبٌ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَلَهُ حَدِيثٌ آخَرُ فِي الطَّاعُونِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ كُرَيْبِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ قَيْسٍ أَخِي أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَفَعَهُ - : اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِكَ بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ .
قَالَ الْعُلَمَاءُ : أَرَادَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُحَصِّلَ لِأُمَّتِهِ أَرْفَعَ أَنْوَاعِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَيْدِي أَعْدَائِهِمْ إِمَّا مِنَ الْإِنْسِ وَإِمَّا مِنَ الْجِنِّ . وَلِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ رِوَايَةِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ رِجَالِ ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْهَا ، وَهَذَا سَنَدٌ ضَعِيفٌ ، وَآخَرُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ سَنَدُهُ أَضْعَفُ مِنْهُ ، وَالْعُمْدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِالصِّحَّةِ لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ إِلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : وَخْزُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا زَايٌ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : هُوَ الطَّعْنُ إِذَا كَانَ غَيْرَ نَافِذٍ ، وَوَصْفُ طَعْنِ الْجِنِّ بِأَنَّهُ وَخْزٌ لِأَنَّهُ يَقَعُ مِنَ الْبَاطِنِ إِلَى الظَّاهِرِ فَيُؤَثِّرُ بِالْبَاطِنِ أَوَّلًا ثُمَّ يُؤَثِّرُ فِي الظَّاهِرِ وَقَدْ لَا يَنْفُذُ ، وَهَذَا بِخِلَافِ طَعْنِ الْإِنْسِ فَإِنَّهُ يَقَعُ مِنَ الظَّاهِرِ إِلَى الْبَاطِنِ فَيُؤَثِّرُ فِي الظَّاهِرِ أَوَّلًا ثُمَّ يُؤَثِّرُ فِي الْبَاطِنِ ، وَقَدْ لَا يَنْفُذُ .
( تَنْبِيهٌ ) : يَقَعُ فِي الْأَلْسِنَةِ وَهُوَ فِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الْأَثِيرِ تَبَعًا لِغَرِيبَيِ الْهَرَوِيِّ بِلَفْظِ : وَخْزُ إِخْوَانِكُمْ ، وَلَمْ أَرَهُ بِلَفْظِ : إِخْوَانِكُمْ بَعْدَ التَّتَبُّعِ الطَّوِيلِ الْبَالِغِ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمُسْنَدُة لَا فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ وَلَا الْأَجْزَاءِ الْمَنْثُورَةِ ، وَقَدْ عَزَاهُ بَعْضُهُمْ لِمُسْنَدِ أَحْمَدَ أَوِ الطَّبَرَانِيِّ أَوْ كِتَابِ الطَّوَاعِينِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا وَلَا وُجُودَ لِذَلِكَ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ : الْأَوَّلُ حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ . قَوْلُهُ : ( حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ ) ، أَيِ : ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَقَعَ فِي سِيَاقِ أَحْمَدَ فِيهِ قِصَّةٌ عَنْ حَبِيبٍ قَالَ : كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ ، فَبَلَغَنِي أَنَّ الطَّاعُونَ بِالْكُوفَةِ ، فَلَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ فَسَأَلْتُهُ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَزَادَ : فَقَالَ لِي عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَغَيْرُهُ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ : فَقُلْتُ : عَمَّنْ ؟ قَالُوا : عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، فَأَتَيْتُهُ فَقَالُوا : غَائِبٌ ، فَلَقِيتُ أَخَاهُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ فَسَأَلْتُهُ .
قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْدًا ) ، أَيْ : وَالِدَ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ حَبِيبٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَسَعْدٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ حَبِيبٍ وَزَادَ وَخُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ أَيْضًا ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ لَا يَضُرُّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَعْدٌ تَذَكَّرَ لِمَا حَدَّثَهُ بِهِ أُسَامَةُ أَوْ نُسِبَتِ الرِّوَايَةُ إِلَى سَعْدٍ لِتَصْدِيقِهِ أُسَامَةَ . وَأَمَّا خُزَيْمَةُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ سَمِعَهُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَضَمَّهُ إِلَيْهَا تَارَةً وَسَكَتَ عَنْهُ أُخْرَى .
قَوْلُهُ : ( إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أُسَامَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ عَلَى رِوَايَةِ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْرَجَهَا الْمُصَنِّفُ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْدًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ الْوَجَعَ فَقَالَ : رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الْأُمَمِ ، ثُمَّ بَقِيَ مِنْهُ بَقِيَّةٌ ، فَيَذْهَبُ الْمَرَّةَ وَيَأْتِي الْأُخْرَى الْحَدِيثَ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ فِيهِ : إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ أَوِ السَّقَمَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَمُسْلِمٌ أَيْضًا ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ ، وَمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، زَادَ مَالِكٌ : وَسَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ كِلَاهُمَا عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ : مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الطَّاعُونِ ؟ فَقَالَ أُسَامَةُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الطَّاعُونُ رِجْسٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ . الْحَدِيثَ ، كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ ، وَوَقَعَ بِالْجَزْمِ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ بِلَفْظِ : فَإِنَّهُ رِجْزٌ سُلِّطَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ بِالْجَزْمِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سَعْدٍ لَكِنْ قَالَ : رِجْزٌ أُصِيبَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ .
( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ الرِّجْسُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ مَوْضِعَ الرِّجْزِ بِالزَّايِ ، وَالَّذِي بِالزَّايِ هُوَ الْمَعْرُوفُ وَهُوَ الْعَذَابُ ، وَالْمَشْهُورُ فِي الَّذِي بِالسِّينِ أَنَّهُ الْخَبِيثُ أَوِ النَّجِسُ أَوِ الْقَذِرُ ، وَجَزَمَ الْفَارَابِيُّ ، وَالْجَوْهَرِيُّ بِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْعَذَابِ أَيْضًا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَحَكَاهُ الرَّاغِبُ أَيْضًا . وَالتَّنصِيصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَصُّ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمُرَادَ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا جَاءَ فِي قِصَّةِ بَلْعَامَ ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ أَحَدِ صِغَارِ التَّابِعِينَ عَنْ سَيَّارٍ : أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُقَالُ لَهُ بَلْعَامُ كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ ، وَأَنَّ مُوسَى أَقْبَلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُرِيدُ الْأَرْضَ الَّتِي فِيهَا بَلْعَامُ ، فَأَتَاهُ قَوْمُهُ فَقَالُوا : ادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي ، فَمُنِعَ ، فَأَتَوْهُ بِهَدِيَّةٍ فَقَبِلَهَا وَسَأَلُوهُ ثَانِيًا فَقَالَ حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ ، فَقَالُوا : لَوْ كَرِهَ لَنَهَاكَ ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَصَارَ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ مَا يَدْعُو بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَنْقَلِبُ عَلَى قَوْمِهِ ، فَلَامُوهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ : سَأَدُلُّكُمْ عَلَى مَا فِيهِ هَلَاكُهُمُ ؛ أَرْسِلُوا النِّسَاءَ فِي عَسْكَرِهِمْ وَمُرُوهُنَّ أَنْ لَا يَمْتَنِعْنَ مِنْ أَحَدٍ ، فَعَسَى أَنْ يَزْنُوا فَيَهْلِكُوا ، فَكَانَ فِيمَنْ خَرَجَ بِنْتُ الْمَلِكِ فَأَرَادَهَا رَأْسُ بَعْضِ الْأَسْبَاطِ وَأَخْبَرَهَا بِمَكَانِهِ فَمَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا ، فَوَقَعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الطَّاعُونُ ، فَمَاتَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا فِي يَوْمٍ ، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَارُونَ وَمَعَهُ الرُّمْحُ فَطَعَنَهُمَا وَأَيَّدَهُ اللَّهُ فَانْتَظَمَهُمَا جَمِيعًا . وَهَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدٌ وَسَيَّارٌ شَامِيٌّ مُوَثَّقٌ .
وَقَدْ ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، وَسَمَّى الْمَرْأَةَ كَشْتًا بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ ، وَالرَّجُلُ زِمْرِي بِكَسْرِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ رَأْسُ سِبْطٍ شَمْعُونَ ، وَسُمِّيَ الَّذِي طَعَنَهُمَا فِنْحَاصَ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ ابْنُ هَارُونَ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : فَحُسِبَ مَنْ هَلَكَ مِنَ الطَّاعُونِ سَبْعُونَ أَلْفًا ، وَالْمُقَلِّلُ يَقُولُ : عِشْرُونَ أَلْفًا . وَهَذِهِ الطَّرِيقُ تُعَضِّدُ الْأُولَى . وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا عِيَاضٌ فَقَالَ : قَوْلُهُ : أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قِيلَ : مَاتَ مِنْهُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ عِشْرُونَ أَلْفًا ، وَقِيلَ : سَبْعُونَ أَلْفًا .
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَا أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى دَاوُدَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَثُرَ عِصْيَانُهُمْ ، فَخَيِّرْهُمْ بَيْنَ ثَلَاثٍ : إِمَّا أَنْ أَبْتَلِيَهُمْ بِالْقَحْطِ ، أَوِ الْعَدُوِّ شَهْرَيْنِ ، أَوِ الطَّاعُونِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . فَأَخْبَرَهُمْ ، فَقَالُوا : اخْتَرْ لَنَا . فَاخْتَارَ الطَّاعُونَ .
فَمَاتَ مِنْهُمْ إِلَى أَنْ زَالَتِ الشَّمْسُ سَبْعُونَ أَلْفًا ، وَقِيلَ : مِائَةُ أَلْفٍ . فَتَضَرَّعَ دَاوُدُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فَرَفَعَهُ . وَوَرَدَ وُقُوعُ الطَّاعُونِ فِي غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : أَمَرَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَذْبَحَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ كَبْشًا ، ثُمَّ لْيُخَضِّبْ كَفَّهُ فِي دَمِهِ ، ثُمَّ لْيَضْرِبْ بِهِ عَلَى بَابِهِ .
فَفَعَلُوا . فَسَأَلَهُمُ الْقِبْطُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا : إِنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُ عَلَيْكُمْ عَذَابًا وَإِنَّمَا نَنْجُو مِنْهُ بِهَذِهِ الْعَلَامَةِ . فَأَصْبَحُوا وَقَدْ مَاتَ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ سَبْعُونَ أَلْفًا ، فَقَالَ فِرْعَوْنُ عِنْدَ ذَلِكَ لِمُوسَى : ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ الْآيَةَ ، فَدَعَا فَكَشَفَهُ عَنْهُمْ وَهَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ .
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ، قَالَ : فِرُّوا مِنَ الطَّاعُونِ ، فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ لِيُكْمِلُوا بَقِيَّةَ آجَالِهِمْ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ قِصَّتَهُمْ مُطَوَّلَةً . فَأَقْدَمُ مَنْ وَقَفْنَا عَلَيْهِ فِي الْمَنْقُولِ مِمَّنْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي قِصَّةِ بَلْعَامَ ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ ، وَتَكَرَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَسَيَأْتِي شَرْحُ قَوْلِهِ : إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا .. . إِلَخْ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ .