حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَا يُذْكَرُ فِي الطَّاعُونِ

5729 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ - أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ - فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّأْمِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقَالَ عُمَرُ : ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ، فَدَعَاهُمْ ، فَاسْتَشَارَهُمْ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بأرض الشَّامِ ، فَاخْتَلَفُوا : فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ ، وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ ، فَقَالَ : ارْتَفِعُوا عَنِّي ، ثُمَّ قَالَ : ادْعُوا لِي الْأَنْصَارَ ، فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ ، فَقَالَ : ارْتَفِعُوا عَنِّي ، ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ ، فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ فَقَالُوا : نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ ، فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ : إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ : فقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ : أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ، نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ إن كَانَت لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خصيبة وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الخصيبة رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ؟ قَالَ : فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ - فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ، قَالَ : فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ، ثُمَّ انْصَرَفَ ،

الْحَدِيثُ الثَّانِي .

حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَفِيهِ قِصَّةُ عُمَرَ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ ، ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا .

قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ ) هُوَ بِتَقْدِيمِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْمِيمِ ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ شَيْخِهِ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ ، وَفِي السَّنَدِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ ، وَصَحَابِيَّانِ فِي نَسَقٍ ، وَكُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ .

قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ) أَيِ ابْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، لِجَدِّ أَبِيهِ نَوْفَلٍ ابْنِ عَمِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صُحْبَةٌ ، وَكَذَا لِوَلَدِهِ الْحَارِثِ ، وُوُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعُدَّ لِذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ فَهُمْ ثَلَاثَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي نَسَقٍ ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ يُلَقَّبُ بَبَّةَ بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ الثَّانِيَةُ مُثْقَلَةٌ ، وَمَعْنَاهُ الْمُمْتَلِئُ الْبَدَنِ مِنَ النِّعْمَةِ ، وَيُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ ، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ . وَأَمَّا وَلَدُهُ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ فَهُوَ مِمَّنْ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَ أَبِيهِ ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا يَحْيَى ، وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ وَافَقَ مَالِكًا عَلَى رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ هَكَذَا مَعْمَرٍ وَغَيْرِهِ وَخَالَفَهُمْ يُونُسُ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ ، وَسَاقَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَقَالَ : قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ أَصَحُّ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَابَعَ يُونُسُ ، صَالِحَ بْنَ نَصْرٍ ، عَنْ مَالِكٍ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَيُونُسَ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، وَأَظُنُّ ابْنَ وَهْبٍ حَمَلَ رِوَايَةَ مَالِكٍ عَلَى رِوَايَةِ يُونُسَ ، قَالَ : وَقَدْ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي الْوَزِيرُ ، عَنْ مَالِكٍ كَالْجَمَاعَةِ ، لَكِنْ قَالَ : " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " ، زَادَ فِي السَّنَدِ : " عَنْ أَبِيهِ " ، وَهُوَ خَطَأٌ . قُلْتُ : وَقَدْ خَالَفَ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ جَمِيعَ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ : " عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ وَعُمَرَ ، " أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَهِشَامٌ صَدُوقٌ سَيِّئُ الْحِفْظِ ، وَقَدِ اضْطَرَبَ فِيهِ فَرَوَاهُ تَارَةً هَكَذَا وَمَرَّةً أُخْرَى " عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ وَعُمَرَ ، " أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا ، وَلِابْنِ شِهَابٍ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ قَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ إِثْرَ هَذَا السَّنَدِ .

قَوْلُهُ : ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ ) ذَكَرَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي " الْفُتُوحِ " أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ ، وَأَنَّ الطَّاعُونَ كَانَ وَقَعَ أَوَّلًا فِي الْمُحَرَّمِ وَفِي صَفَرٍ ثُمَّ ارْتَفَعَ ، فَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الشَّامِ بَلَغَهُ أَنَّهُ أَشَدُّ مَا كَانَ ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ . وَذَكَرَ خَلِيفَةَ بْنَ خَيَّاطٍ أَنَّ خُرُوجَ عُمَرَ إِلَى سَرْغَ كَانَ

[10/195]

فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَذَا الطَّاعُونُ الَّذِي وَقَعَ بِالشَّامِ حِينَئِذٍ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى طَاعُونَ عَمَوَاسَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ ، وَحُكِيَ تَسْكِينُهَا وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ ، قِيلَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ عَمَّ وَوَاسَى .

قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ وَضَّاحٍ تَحْرِيكُ الرَّاءِ ، وَخَطَّأَهُ بَعْضُهُمْ : مَدِينَةٌ افْتَتَحَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَهِيَ وَالْيَرْمُوكُ وَالْجَابِيَةُ مُتَّصِلَاتٌ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قِيلَ : إِنَّهُ وَادٍ بِتَبُوكَ ، وَقِيلَ : بِقُرْبِ تَبُوكَ ، وَقَالَ الْحَازِمِيُّ : هِيَ أَوَّلُ الْحِجَازِ ، وَهِيَ مِنْ مَنَازِلِ حَاجِّ الشَّامِ ، وَقِيلَ : بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً .

قَوْلُهُ : ( لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ ) هُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ قَسَّمَ الْبِلَادَ بَيْنَهُمْ وَجَعَلَ أَمْرَ الْقِتَالِ إِلَى خَالِدٍ ، ثُمَّ رَدَّهُ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَسَّمَ الشَّامَ أَجْنَادًا : الْأُرْدُنُّ جُنْدٌ ، وَحِمْصُ جُنْدٌ ، وَدِمَشْقُ جُنْدٌ ، وَفِلَسْطِينُ جُنْدٌ ، وَقَنَّسْرِينُ جُنْدٌ ، وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ جُنْدٍ أَمِيرًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّ قَنَّسْرِينَ كَانَتْ مَعَ حِمْصَ فَكَانَتْ أَرْبَعَةً ، ثُمَّ أُفْرِدَتْ قَنَّسْرِينُ فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ .

قَوْلُهُ : ( فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّامِ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ " الْوَجَعُ " بَدَلَ " الْوَبَاءِ " ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ : " أَنَّ عُمَرَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى الشَّامِ سَمِعَ بِالطَّاعُونِ " ، وَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهَا ، فَإِنَّ كُلَّ طَاعُونٍ وَبَاءٌ وَوَجَعٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ .

قَوْلُهُ : ( فَقَالَ عُمَرُ : ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ : " اجْمَعْ لِي " .

قَوْلُهُ : ( ارْتَفِعُوا عَنِّي ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ " فَأَمَرَهُمْ فَخَرَجُوا عَنْهُ " .

قَوْلُهُ : ( مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ ) ضُبْطُ " مَشْيَخَةٍ " بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ بَيْنَهُمَا مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ . وَبِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ جَمْعُ شَيْخٍ ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى شُيُوخٍ بِالضَّمِّ ، وَبِالْكَسْرِ ، وَأَشْيَاخٌ ، وَشِيَخَةٌ بِكَسْرٍ ثُمَّ فَتْحٌ ، وَشِيخَانٌ بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ ، وَمَشَايِخٌ ، وَمَشْيُخَاءُ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ ثُمَّ ضَمٍّ وَمَدٍّ ، وَقَدْ تُشْبَعُ الضَّمَّةُ حَتَّى تَصِيرَ وَاوًا فَتَتِمُّ عَشْرًا .

قَوْلُهُ : ( مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ ) أَيِ الَّذِينَ هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ عَامَ الْفَتْحِ ، أَوِ الْمُرَادُ : مُسْلِمَةُ الْفَتْحِ ، أَوْ أَطْلِقَ عَلَى مَنْ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ مُهَاجِرًا صُورَةً وَإِنْ كَانَتِ الْهِجْرَةُ بَعْدَ الْفَتْحِ حُكْمًا قَدِ ارْتَفَعَتْ ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ احتِرَازًا عن غيرهم مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِمَّنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُهَاجِرْ أَصْلًا ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ لِمَنْ هَاجَرَ فَضْلًا فِي الْجُمْلَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ وَإِنْ كَانَتِ الْهِجْرَةُ الْفَاضِلَةُ فِي الْأَصْلِ إِنَّمَا هِيَ لِمَنْ هَاجَرَ قَبْلَ الْفَتْحِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ صَارَتْ دَارَ إِسْلَامٍ ، فَالَّذِي يُهَاجِرُ مِنْهَا لِلْمَدِينَةِ إِنَّمَا يُهَاجِرُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ أَوِ الْجِهَادِ لَا لِلْفِرَارِ بِدِينِهِ ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْفَتْحِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ .

قَوْلُهُ : ( بَقِيَّةُ النَّاسِ ) أَيِ الصَّحَابَةُ ، أَطْلَقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لَهُمْ ، أَيْ لَيْسَ النَّاسُ إِلَّا هُمْ ، وَلِهَذَا عَطَفَهُمْ عَلَى الصَّحَابَةِ عَطْفَ تَفْسِيرٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِبَقِيَّةِ النَّاسِ أَيِ الَّذِينَ أَدْرَكُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمُومًا ، وَالْمُرَادُ بِالصَّحَابَةِ الَّذِينَ لَازَمُوهُ وَقَاتَلُوا مَعَهُ .

[10/196]

قَوْلُهُ : ( فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ : إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ ) زَادَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ " فَإِنِّي مَاضٍ لِمَا أَرَى ، فَانْظُرُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ فَامْضُوا لَهُ ، قَالَ : فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْرٍ " .

قَوْلُهُ : ( فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ) وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرُ الشَّامِ ( أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ) ؟ أَيِ أَتَرْجِعُ فِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ؟ وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ : " وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ : أَمِنَ الْمَوْتِ نَفِرُّ ؟ إِنَّمَا نَحْنُ بِقَدْرٍ ، لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا " .

قَوْلُهُ : ( فَقَالَ عُمَرُ : لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ) أَيْ لَعَاقَبْتُهُ ، أَوْ لَكَانَ أَوْلَى مِنْكَ بِذَلِكَ ، أَوْ لَمْ أَتَعَجَّبْ مِنْهُ ، وَلَكِنِّي أَتَعَجَّبُ مِنْكَ ، مَعَ عِلْمِكَ وَفَضْلِكَ كَيْفَ تَقُولُ هَذَا ؟ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ : لَأَدَّبْتُهُ ، أَوْ هِيَ لِلتَّمَنِّي فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ غَيْرَكَ مِمَّنْ لَا فَهْمَ لَهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ يُعْذَرُ . وَقَدْ بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلَافَهُ ، أَيْ مُخَالَفَتُهُ .

قَوْلُهُ : ( نَعَمْ ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ ) فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ : " إِنْ تَقَدَّمْنَا فَبِقَدَرِ اللَّهِ ، وَإِنْ تَأَخَّرْنَا فَبِقَدَرِ اللَّهِ " ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ فِرَارًا لِشَبَهِهِ بِهِ فِي الصُّورَةِ ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ فِرَارًا شَرْعِيًّا . وَالْمُرَادُ أَنَّ هُجُومَ الْمَرْءِ عَلَى مَا يُهْلِكُهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ . وَلَوْ فَعَلَ لَكَانَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ، وَتَجَنُّبِهِ مَا يُؤْذِيهِ مَشْرُوعٌ وَقَدْ يُقَدِّرُ اللَّهُ وُقُوعَهُ فِيمَا فَرَّ مِنْهُ فَلَوْ فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ لَكَانَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ، فَهُمَا مَقَامَانِ : مَقَامُ التَّوَكُّلِ ، وَمَقَامُ التَّمَسُّكِ بِالْأَسْبَابِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ . وَمُحَصَّلُ قَوْلِ عُمَرَ : " نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ " ، أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَفِرَّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ حَقِيقَةً ، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي فَرَّ مِنْهُ أَمْرٌ خَافٍ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ فَلَمْ يَهْجُمْ عَلَيْهِ ، وَالَّذِي فَرَّ إِلَيْهِ أَمْرٌ لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ إِلَّا الْأَمْرَ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ سَوَاءً كَانَ ظَاعِنًا أَوْ مُقِيمًا .

قَوْلُهُ : ( لَهُ عُدْوَتَانِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِكَسْرِهَا أَيْضًا وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ : تَثْنِيَةُ عُدْوَةٍ ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ مِنَ الْوَادِي ، وَهُوَ شَاطِئُهُ .

قَوْلُهُ : ( إِحْدَاهُمَا خَصِيبَةٌ ) بِوَزْنِ عَظِيمَةٍ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ سُكُونَ الصَّادِ بِغَيْرِ يَاءٍ ، زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ : " وَقَالَ لَهُ أَيْضًا : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّهُ رَعَى الْجَدْبَةَ وَتَرَكَ الْخَصِبَةَ أَكُنْتَ مُعَجِّزَهُ ؟ وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَسِرْ إِذًا ، فَسَارَ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ " .

قَوْلُهُ : ( فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ) هُوَ مَوْصُولٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ .

قَوْلُهُ : ( وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ ) أَيْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُمُ الْمُشَاوَرَةَ الْمَذْكُورَةَ لِغَيْبَتِهِ .

قَوْلُهُ : ( إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ " لَعِلْمًا " ، بِزِيَادَةِ لَامِ التَّأْكِيدِ .

قَوْلُهُ : ( إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ إِلَخْ ) هُوَ مُوَافِقٌ لِلْمَتْنِ الَّذِي قَبْلَهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَسَعْدٍ وَغَيْرِهِمَا ، فَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مَعَ عُمَرَ فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ .

قَوْلُهُ : ( فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ : فَلَا تَفِرُّوا مِنْهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلُهُ ، وَوَقَعَ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ وَتَقَدَّمَ

[10/197]

الْكَلَامُ عَلَى إِعْرَابِهِ هُنَاكَ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث