بَاب رُقْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حَدَّثَنِي صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الرُّقْيَةِ : تُرْبَةُ أَرْضِنَا ، وَرِيقَةُ بَعْضِنَا ، يُشْفَى سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا . قَوْلُهُ : ( عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ أَخُو يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، هُوَ ثِقَةٌ ، وَيَحْيَى أَشْهَرُ مِنْهُ وَأَكْثَرُ حَدِيثًا . قَوْلُهُ : ( كَانَ يَقُولُ لِلْمَرِيضِ : بِسْمِ اللَّهِ ) فِي رِوَايَةِ صَدَقَةَ : كَانَ يَقُولُ فِي الرُّقْيَةِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ سُفْيَانَ زِيَادَةٌ فِي أَوَّلِهِ وَلَفْظِهِ : كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قُرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأصْبَعِهِ هَكَذَا - وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَهَا - بِسْمِ اللَّهِ .
قَوْلُهُ : ( تُرْبَةُ أَرْضِنَا ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ : هَذِهِ تُرْبَةُ ، وَقَوْلُهُ : بِرِيقَةِ بَعْضِنَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَتْفُلُ عِنْدَ الرُّقْيَةِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ رِيقِ نَفْسِهِ عَلَى إِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى التُّرَابِ ، فَعَلِقَ بِهِ شَيْءٌ مِنْهُ ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِ الْمَوْضِعَ الْعَلِيلَ أَوِ الْجَرِيحَ قَائِلًا الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ فِي حَالَةِ الْمَسْحِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الرُّقَى مِنْ كُلِّ الْآلَامِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَمْرًا فَاشِيًّا مَعْلُومًا بَيْنَهُمْ ، قَالَ : وَوَضَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ وَوَضْعُهَا عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّقْيَةِ . ثُمَّ قَالَ : وَزَعَمَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا أَنَّ السِّرَّ فِيهِ أَنَّ تُرَابَ الْأَرْضِ لِبُرُودَتِهِ وَيُبْسِهِ يُبْرِئُ الْمَوْضِعَ الَّذِي بِهِ الْأَلَمُ وَيَمْنَعُ انْصِبَابَ الْمَوَادِّ إِلَيْهِ لِيُبْسِهِ مَعَ مَنْفَعَتِهِ فِي تَجْفِيفِ الْجِرَاحِ وَانْدِمَالِهَا . قَالَ : وَقَالَ فِي الرِّيقِ : إِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالتَّحْلِيلِ وَالْإِنْضَاجِ وَإِبْرَاءِ الْجُرْحِ وَالْوَرَمِ ، لَا سِيَّمَا مِنَ الصَّائِمِ الْجَائِعِ ، وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا وَقَعَتِ الْمُعَالَجَةُ عَلَى قَوَانِينِهَا ، مِنْ مُرَاعَاةِ مِقْدَارِ التُّرَابِ وَالرِّيقِ وَمُلَازَمَةِ ذَلِكَ فِي أَوْقَاتِهِ ، وَإِلَّا فَالنَّفْثُ وَوَضْعُ السَّبَّابَةِ عَلَى الْأَرْضِ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مَا لَيْسَ لَهُ بَالٌ وَلَا أَثَرٌ ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ بَابِ التَّبَرُّكِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَآثَارِ رَسُولِهِ ، وَأَمَّا وَضْعُ الْإِصْبَعِ بِالْأَرْضِ فَلَعَلَّهُ لِخَاصِّيَّةٍ فِي ذَلِكَ ، أَوْ لِحِكْمَةِ إِخْفَاءِ آثَارِ الْقُدْرَةِ بِمُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ الْمُعْتَادَةِ .
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : قَدْ شَهِدَتِ الْمَبَاحِثُ الطِّبِّيَّةُ عَلَى أَنَّ لِلرِّيقِ مُدْخَلًا فِي النُّضْجِ وَتَعْدِيلِ الْمِزَاجِ ، وَتُرَابُ الْوَطَنِ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي حِفْظِ الْمِزَاجِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ ، فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَسْتَصْحِبَ تُرَابَ أَرْضِهِ إِنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِصْحَابِ مَائِهَا ، حَتَّى إِذَا وَرَدَ الْمِيَاهَ الْمُخْتَلِفَةَ جَعَلَ شَيْئًا مِنْهُ فِي سِقَائِهِ لِيَأْمَنَ مَضَرَّةَ ذَلِكَ . ثُمَّ إنَّ الرُّقَى وَالْعَزَائِمَ لَهَا آثَارٌ عَجِيبَةٌ تَتَقَاعَدُ الْعُقُولُ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى كُنْهِهَا . وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : كَأَنَّ الْمُرَادَ بِالتُّرْبَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى فِطْرَةِ آدَمَ ، وَالرِّيقَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى النُّطْفَةِ ، كَأَنَّهُ تَضَرُّعٌ بِلِسَانِ الْحَالِ أَنَّكَ اخْتَرَعْتَ الْأَصْلَ مِنَ التُّرَابِ ثُمَّ أَبْدَعْتَهُ مِنْهُ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ، فَهَيِّنٌ عَلَيْكَ أَنْ تَشْفِيَ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ نَشْأَتَهُ .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قِيلَ الْمُرَادُ بِأَرْضِنَا أَرْضُ الْمَدِينَةِ خَاصَّةً لِبَرَكَتِهَا ، وَبَعْضِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِشَرَفِ رِيقِهِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا . وَفِيهِ نَظَرٌ . قَوْلُهُ : ( يُشْفَى سَقِيمُنَا ) ضُبِطَ بِالْوَجْهَيْنِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، وَسَقِيمُنَا بِالرَّفْعِ ، وَبِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى أَنَّ الْفَاعِلَ مُقَدَّرٌ ، وَسَقِيمُنَا بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ .
( تَنْبِيهٌ ) : أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مَا يُفَسَّرُ بِهِ الشَّخْصُ الْمَرْقِيُّ ، وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَهُوَ مَرِيضٌ فَقَالَ : اكْشِفِ الْبَاسَ ، رَبَّ النَّاسِ . ثُمَّ أَخَذَ تُرَابًا مِنْ بَطْحَانَ فَجَعَلَهُ فِي قَدَحٍ ، ثُمَّ نَفَثَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ صَبَّهُ عَلَيْهِ .