بَاب الْكِهَانَةِ
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : سَأَلَ ناس رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْكُهَّانِ ، فَقَالَ : لَيْسَ بِشَيْءٍ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَا أَحْيَانًا بِشَيْءٍ فَيَكُونُ حَقًّا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا مِنْ الْجِنِّيِّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ ، فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ . قَالَ عَلِيٌّ : قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : مُرْسَلٌ ، الْكَلِمَةُ مِنْ الْحَقِّ ، ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَسْنَدَهُ بَعْدَهُ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ قَوْلُهُ : ( عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُرْوَةَ ) كَأَنَّ هَذَا مِمَّا فَاتَ الزُّهْرِيَّ سَمَاعُهُ مِنْ عُرْوَةَ ، فَحَمَلَهُ عَنْ وَلَدِهِ عَنْهُ ، مَعَ كَثْرَةِ مَا عند الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَقَدْ وَصَفَهُ الزُّهْرِيُّ بِسَعَةِ الْعِلْمِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ ، وَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، وَفِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَلَمْ أَقِفْ لِيَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ رَوَى بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَتَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي بَدْءِ الْخَلْقِ ، وَكَذَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ بِهِ .
قَوْلُهُ : ( سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : سَأَلَ نَاسٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مَعْقِلٍ مِثْلُهُ ، وَمِنْ رِوَايَةِ مَعْقِلٍ مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَقَدْ سُمِّيَ مِمَّنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ ، كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِهِ : قَالَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ ، فَقَالَ : لَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ الْحَدِيثَ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هَؤُلَاءِ الْكُهَّانُ فِيمَا عُلِمَ بِشَهَادَةِ الِامْتِحَانِ قَوْمٌ لَهُمْ أَذْهَانٌ حَادَّةٌ وَنُفُوسٌ شِرِّيرَةٌ وَطَبَائِعُ نَارِيَّةٌ ، فَهُمْ يَفْزَعُونَ إِلَى الْجِنِّ فِي أُمُورِهِمْ وَيَسْتَفْتُونَهُمْ فِي الْحَوَادِثِ فَيُلْقُونَ إِلَيْهِمُ الْكَلِمَاتِ ، ثُمَّ تَعَرَّضَ إِلَى مُنَاسَبَةِ ذِكْرِ الشُّعَرَاءِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَـزَّلُ الشَّيَاطِينُ ﴾قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : لَيْسَ بِشَيْءٍ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : لَيْسُوا بِشَيْءٍ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ فِي التَّوْحِيدِ ، وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَ لَهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ ، أَيْ لَيْسَ قَوْلُهُمْ بِشَيْءٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِمَنْ عَمِلَ شَيْئًا وَلَمْ يُحْكِمْهُ : مَا عَمِلَ شَيْئًا ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَتَرَافَعُونَ إِلَى الْكُهَّانِ فِي الْوَقَائِعِ وَالْأَحْكَامِ وَيَرْجِعُونَ إِلَى أَقْوَالِهِمْ ، وَقَدْ انْقَطَعَتِ الْكِهَانَةُ بِالْبَعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ ، لَكِنْ بَقِيَ فِي الْوُجُودِ مَنْ يَتَشَبَّهُ بِهِمْ ، وَثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ إِتْيَانِهِمْ فَلَا يَحِلُّ إِتْيَانُهُمْ وَلَا تَصْدِيقُهُمْ . قَوْلُهُ : ( إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَنَا أَحْيَانَا بِشَيْءٍ فَيَكُونُ حَقًّا ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ : فَإِنَّهُمْ يَتَحَدَّثُونَ ، هَذَا أَوْرَدَهُ السَّائِلُ إِشْكَالًا عَلَى عُمُومِ قَوْلِهِ : لَيْسُوا بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ فَهِمَ منه أَنَّهُمْ لَا يُصَدَّقُونَ أَصْلًا فَأَجَابَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ الصِّدْقِ ، وَأَنَّهُ إِذَا اتَّفَقَ أَنْ يُصَدَّقَ لَمْ يَتْرُكْهُ خَالِصًا بَلْ يَشُوبُهُ بِالْكَذِبِ .
قَوْلُهُ : ( تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ ) كَذَا فِي الْبُخَارِيِّ بِمُهْمَلَةٍ وَقَافٍ ، أَيِ : الْكَلِمَةُ الْمَسْمُوعَةُ الَّتِي تَقَعُ حَقًّا ، وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ : تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْجِنِّ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : كَذَا فِي نُسَخِ بِلَادِنَا بِالْجِيمِ وَالنُّونِ ، أَيِ الْكَلِمَةُ الْمَسْمُوعَةُ مِنَ الْجِنِّ أَوِ الَّتِي تَصِحُّ مِمَّا نَقَلَتْهُ الْجِنُّ . قُلْتُ : التَّقْدِيرُ الثَّانِي يُوَافِقُ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَقَدْ حَكَى عِيَاضٌ أَنَّهُ وَقَعَ - يَعْنِي فِي مُسْلِمٍ - بِالْحَاءِ وَالْقَافِ . قَوْلُهُ : ( يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ : يَخْطَفُهَا مِنَ الْجِنِّيِّ أَيِ الْكَاهِنُ يَخْطَفُهَا مِنَ الْجِنِّيِّ أَوِ الْجِنِّيُّ الَّذِي يَلْقَى الْكَاهِنُ يَخْطَفُهَا مِنْ جِنِّيٍّ آخَرَ فَوْقَهُ ، وَيَخْطَفُهَا بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَطَاءٍ مَفْتُوحَةٍ - وَقَدْ تُكْسَرُ - بَعْدَهَا فَاءٌ وَمَعْنَاهُ : الْأَخْذُ بِسُرْعَةٍ .
وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : يَحْفَظُهَا ، بِتَقْدِيمِ الْفَاءِ بَعْدَهَا ظَاءٌ مُعْجَمَةٌ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ ( فَيَقَرُّهَا ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ يَصُبُّهَا ، تَقُولُ : قَرَرْتُ عَلَى رَأْسِهِ دَلْوًا إِذَا صَبَبْتُهُ ، فَكَأَنَّهُ صُبَّ فِي أُذُنِهِ ذَلِكَ الْكَلَامَ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى أَلْقَاهَا فِي أُذُنِهِ بِصَوْتٍ ، يُقَالُ : قَرَّ الطَّائِرُ إِذَا صَوَّتَ انْتَهَى . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ الْمَذْكُورَةِ : فَيُقَرْقِرُهَا ، أَيْ : يُرَدِّدُهَا ، يُقَالُ : قَرْقَرَتِ الدَّجَاجَةُ تُقَرْقِرُ قَرْقَرَةً إِذَا رَدَّدَتْ صَوْتَهَا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَيُقَالُ أَيْضًا : قَرَّتِ الدَّجَاجَةُ تُقِرُّ قَرًّا وَقَرِيرًا ، وَإِذَا رَجَّعَتْ فِي صَوْتِهَا قِيلَ : قَرْقَرَتْ قَرْقَرَةً وَقَرْقَرِيرَةً ، قَالَ : وَالْمَعْنَى أَنَّ الْجِنِّيَّ إِذَا أَلْقَى الْكَلِمَةَ لِوَلِيِّهِ تَسَامَعَ بِهَا الشَّيَاطِينُ فَتَنَاقَلُوهَا ، كَمَا إِذَا صَوَّتَتِ الدَّجَاجَةُ فَسَمِعَهَا الدَّجَاجُ فَجَاوَبَتْهَا .
وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ الْأَشْبَهَ بِمَسَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْجِنِّيَّ يُلْقِي الْكَلِمَةَ إِلَى وَلِيِّهِ بِصَوْتٍ خَفِيٍّ مُتَرَاجِعٍ لَهُ زَمْزَمَةٌ وَيُرْجِعُهُ لَهُ ، فَلِذَلِكَ يَقَعُ كَلَامُ الْكُهَّانِ غَالِبًا عَلَى هَذَا النَّمَطِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ فِي قِصَّةِ ابْنِ صَيَّادٍ ، وَبَيَانُ اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فِي قَوْلِهِ : فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا زَمْزَمَةٌ ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْكَاهِنِ وَلِيُّ الْجِنِّيِّ لِكَوْنِهِ يُوَالِيهِ أَوْ عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ الْكَاهِنَ إِلَى قَوْلِهِ : وَلِيَّهُ ، لِلتَّعْمِيمِ فِي الْكَاهِنِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يُوَالِي الْجِنَّ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ بَيَّنَ : - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ إِصَابَةَ الْكَاهِنِ أَحْيَانًا إِنَّمَا هِيَ لِأَنَّ الْجِنِّيَّ يُلْقِي إِلَيْهِ الْكَلِمَةَ الَّتِي يَسْمَعُهَا اسْتِرَاقًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَيَزِيدُ عَلَيْهَا أَكَاذِيبَ يَقِيسُهَا عَلَى مَا سَمِعَ ، فَرُبَّمَا أَصَابَ نَادِرًا وَخَطَؤهُ الْغَالِبُ ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ : كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ يَعْنِي الطَّائِرَ الْمَعْرُوفَ ، وَدَالُهَا مُثَلَّثَةٌ ، وَالْأَشْهَرُ فِيهَا الْفَتْحُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي الزُّجَاجَةُ بِالزَّايِ الْمَضْمُومَةِ ، وَأَنْكَرَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ وَعَدَّهَا فِي التَّصْحِيفِ ، لَكِنْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ تَقَدَّمَ فِي بَابِ ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ : فَيُقِرُّهَا فِي أُذُنِهِ كَمَا تَقَرُّ الْقَارُورَةُ ، وَشَرَحُوهُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ كَمَا يُسْمَعُ صَوْتُ الزُّجَاجَةِ إِذَا حَلَّتْ عَلَى شَيْءٍ أَوْ أُلْقِيَ فِيهَا شَيْءٌ . وَقَالَ الْقَابِسِيُّ : الْمَعْنَى أَنَّهُ يَكُونُ لِمَا يُلْقِيهِ الْجِنِّيُّ إِلَى الْكَاهِنِ حِسٌّ كَحِسِّ الْقَارُورَةِ إِذَا حُرِّكَتْ بِالْيَدِ أَوْ عَلَى الصَّفَا ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمَعْنَى أَنَّهُ يُطْبَقُ بِهِ كَمَا يُطْبَقُ رَأْسُ الْقَارُورَةِ بِرَأْسِ الْوِعَاءِ الَّذِي يُفْرَغُ فِيهِ مِنْهَا مَا فِيهَا .
وَأَغْرَبَ شَارِحُ الْمَصَابِيحِ التُّورْبَشْتِيُّ فَقَالَ : الرِّوَايَةُ بِالزَّايِ أَحْوَطُ لِمَا ثَبَتَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : كَمَا تُقَرُّ الْقَارُورَةُ ، وَاسْتِعْمَالُ قَرَّ فِي ذَلِكَ شَائِعٌ بِخِلَافِ مَا فَسَرُّوا عَلَيْهِ الْحَدِيثَ ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ ، وَلَمْ نَجِدْ لَهُ شَاهِدًا فِي كَلَامِهِمْ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالدَّالِ تَصْحِيفٌ أَوْ غَلَطٌ مِنَ السَّامِعِ . وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ فَقَالَ : لَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَهُ : قَرَّ الدَّجَاجَةِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ ، وَفِيهِ مَعْنَى التَّشْبِيهِ ، فَكَمَا يَصِحُّ أَنْ يُشَبَّهَ إِيرَادُ مَا اخْتَطَفَهُ مِنَ الْكَلَامِ فِي أُذُنِ الْكَاهِنِ بِصَبِّ الْمَاءِ فِي الْقَارُورَةِ يَصِحُّ أَنْ يُشَبَّهَ تَرْدِيدُ الْكَلَامِ فِي أُذُنِهِ بِتَرْدِيدِ الدَّجَاجَةِ صَوْتَهَا فِي أُذُنِ صَوَاحِبَاتِهَا ، وَهَذَا مُشَاهَدٌ ، تَرَى الدِّيكَ إِذَا رَأَى شَيْئًا يُنْكِرُهُ يُقَرْقِرُ فَتَسْمَعُهُ الدَّجَاجُ فَتَجْتَمِعُ وَتُقَرْقِرُ مَعَهُ ، وَبَابُ التَّشْبِيهِ وَاسِعٌ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْعَلَاقَةِ ، غَيْرَ أَنَّ الِاخْتِطَافَ مُسْتَعَارٌ لِلْكَلَامِ مِنْ فِعْلِ الطَّيْرِ كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى : فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ فَيَكُونُ ذِكْرُ الدَّجَاجَةِ هُنَا أَنْسَبَ مِنْ ذِكْرِ الزُّجَاجَةِ لِحُصُولِ التَّرْشِيحِ فِي الِاسْتِعَارَةِ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُهُ دَعْوَى الدَّارَقُطْنِيِّ - وَهُوَ إِمَامُ الْفَنِّ - أَنَّ الَّذِي بِالزَّايِ تَصْحِيفٌ ، وَإِنْ كُنَّا مَا قَبِلْنَا ذَلِكَ فَلَا أَقَلَّ أَنْ يَكُونَ أَرْجَحَ .
قَوْلُهُ : ( فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْمِائَةِ لِلْمُبَالَغَةِ لَا لِتَعْيِينِ الْعَدَدِ ، وَقَوْلُهُ : كَذْبَةٍ ، هُنَا بِالْفَتْحِ وَحُكِيَ الْكَسْرُ ، وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْهَيْئَةِ وَالْحَالَةِ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَصْلَ تَوَصُّلِ الْجِنِّيِّ إِلَى الِاخْتِطَافِ ، فَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : حَدَّثَنِي رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّهُمْ بَيْنَا هُمْ جُلُوسٌ لَيْلًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ ، فَقَالَ : مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ إِذَا رُمِيَ مِثْلُ هَذَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؟ قَالُوا : كُنَّا نَقُولُ وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ أَوْ مَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ ، فَقَالَ : إِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ . وَلَكِنَّ رَبَّنَا إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثُمَّ سَبَّحَ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ إِلَى أَهْلِ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ : مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ حَتَّى يَصِلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَيَسْتَرِقُ مِنْهُ الْجِنِّيُّ ، فَمَا جَاءُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ ، وَلَكِنَّهُمْ يَزِيدُونَ فِيهِ وَيَنْقُصُونَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سَبَأٍ وَغَيْرِهَا بَيَانُ كَيْفِيَّتِهِمْ عِنْدَ اسْتِرَاقِهِمْ ، وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ - وَهُوَ السَّحَابُ - فَتَذْكُرُ الْأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالسَّحَابِ السَّمَاءَ ، كَمَا أَطْلَقَ السَّمَاءَ عَلَى السَّحَابِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَأَنَّ بَعْضَ الْمَلَائِكَةِ إِذَا نَزَلَ بِالْوَحْيِ إِلَى الْأَرْضِ تَسْمَعُ مِنْهُمُ الشَّيَاطِينُ ، أَوِ الْمُرَادُ الْمَلَائِكَةُ الْمُوَكَّلَةُ بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ عَلِيٌّ : قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : مُرْسَلُ الْكَلِمَةِ مِنَ الْحَقِّ ، ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَسْنَدَهُ بَعْدُ ) عَلِيٌّ هَذَا هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ ، وَمُرَادُهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ كَانَ يُرْسِلُ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الْحَدِيثِ ، ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَصَلَهُ بِذِكْرِ عَائِشَةَ فِيهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ فَيَّاضِ بْنِ زُهَيْرٍ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبَّاسٍ الْعَنْبَرِيِّ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مَوْصُولًا كَرِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَفِي الْحَدِيثِ بَقَاءُ اسْتِرَاقِ الشَّيَاطِينِ السَّمْعَ ، لَكِنَّهُ قَلَّ وَنَدَرَ حَتَّى كَادَ يَضْمَحِلُّ بِالنِّسْبَةِ لِمَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَفِيهِ النَّهْيُ عَنْ إِتْيَانِ الْكُهَّانِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يَجِبُ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مُحْتَسِبٍ وَغَيْرِهِ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْوَاقِ وَيُنْكِرُ عَلَيْهِمْ أَشَدَّ النَّكِيرِ ، وَعَلَى مَنْ يَجِيءُ إِلَيْهِمْ ، وَلَا يَغْتَرُّ بِصِدْقِهِمْ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ وَلَا بِكَثْرَةِ مَنْ يَجِيءُ إِلَيْهِمْ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ ، فَإِنَّهُمْ غَيْرُ رَاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ، بَلْ مِنَ الْجُهَّالِ بِمَا فِي إِتْيَانِهِمْ مِنَ الْمَحْذُورِ .
( تَنْبِيهٌ ) : إِيرَادُ بَابِ الْكِهَانَةِ في كِتَابِ الطِّبِّ لِمُنَاسَبَتِهِ لِبَابِ السِّحْرِ لِمَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا مِنْ مَرْجِعِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلشَّيَاطِينِ ، وَإِيرَادُ بَابِ السِّحْرِ فِي كِتَابِ الطِّبِّ لِمُنَاسَبَتِهِ ذِكْرَ الرُّقَى وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَدْوِيَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ ، فَنَاسَبَ ذِكْرَ الْأَدْوَاءِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ ، وَاشْتَمَلَ كِتَابُ الطِّبِّ عَلَى الْإِشَارَةِ لِلْأَدْوِيَةِ الْحِسِّيَّةِ كَالْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ وَالْعَسَلِ ثُمَّ عَلَى الْأَدْوِيَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ كَالرُّقَى بِالدُّعَاءِ وَالْقُرْآنِ . ثُمَّ ذَكَرْتُ الْأَدْوَاءَ الَّتِي تَنْفَعُ الْأَدْوِيَةُ الْمَعْنَوِيَّةُ فِي دَفْعِهَا كَالسِّحْرِ ، كَمَا ذَكَرْتُ الْأَدْوَاءَ الَّتِي تَنْفَعُ الْأَدْوِيَةُ الْحِسِّيَّةُ فِي دَفْعِهَا كَالْجُذَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .