بَاب الْقَبَاءِ وَفَرُّوجِ حَرِيرٍ
بَاب الْقَبَاءِ وَفَرُّوجِ حَرِيرٍ وَهُوَ الْقَبَاءُ ، وَيُقَالُ هُوَ الَّذِي لَهُ شَقٌّ مِنْ خَلْفِهِ 5800 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أنه قَالَ : قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبِيَةً وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئًا . فَقَالَ مَخْرَمَةُ : يَا بُنَيِّ ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ . فَقَالَ : ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي .
فقَالَ : فَدَعَوْتُهُ لَهُ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا ، فَقَالَ : خَبَأْتُ هَذَا لَكَ . قَالَ : فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ : رَضِيَ مَخْرَمَةُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْقَبَاءِ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ مَمْدُودٌ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ ، وَقِيلَ : عَرَبِيٌّ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْقَبْوِ وَهُوَ الضَّمُّ .
قَوْلُهُ : ( وَفَرُّوجِ حَرِيرٍ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَضْمُومَةِ وَآخِرُهُ جِيمٌ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ الْقَبَاءُ ) قُلْتُ وَوَقَعَ كَذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ . قَوْلُهُ : ( وَيُقَالُ هُوَ الَّذِي لَهُ شِقٌّ مِنْ خَلْفِهِ ) أَيْ فَهُوَ قَبَاءٌ مَخْصُوصٌ ، وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَصْحَابِ الْغَرِيبِ نَظَرًا لِاشْتِقَاقِهِ .
وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : هُوَ قَمِيصُ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْقَبَاءُ وَالْفَرُّوجُ كِلَاهُمَا ثَوْبٌ ضَيِّقُ الْكُمَّيْنِ وَالْوَسَطِ مَشْقُوقٌ مِنْ خَلْفٍ يُلْبَسُ فِي السَّفَرِ وَالْحَرْبِ لِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى الْحَرَكَةِ . وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ وَسَيَأْتِي كَذَلِكَ فِي بَابِ الْمَزْرُورِ بِالذَّهَبِ مُعَلَّقًا .
قَوْلُهُ : ( عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ) هَكَذَا أَسْنَدَهُ اللَّيْثُ ، وَتَابَعَهُ حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَلَى وَصْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَاتِ ، وَأَرْسَلَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْخَمْسِ ، وَإِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ قِسْمَةِ الْإِمَامِ مَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابِ الْخَمْسِ . قَوْلُهُ : ( قَسَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْبِيَةً ) فِي رِوَايَةِ حَاتِمٍ قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْبِيَةٌ وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْبِيَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ مَزْرُورَةٍ بِالذَّهَبِ فَقَسَمَهَا فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئًا ) أَيْ فِي حَالِ تِلْكَ الْقِسْمَةِ .
وَإِلَّا فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِدًا لِمَخْرَمَةَ وَمَخْرَمَةُ هُوَ وَالِدُ الْمِسْوَرِ ، وَهُوَ ابْنُ نَوْفَلٍ الزُّهْرِيُّ ، كَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ وَمِنَ الْعَارِفِينَ بِالنَّسَبِ وَأَنْصَابِ الْحَرَمِ ، وَتَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ إِلَى الْفَتْحِ ، وَشَهِدَ حُنَيْنًا وَأُعْطِيَ مِنْ تِلْكَ الْغَنِيمَةِ مَعَ الْمُؤَلَّفَةِ ، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ . قَوْلُهُ : ( انْطَلَقَ بِنَا ) فِي رِوَايَةِ حَاتِمٍ عَسَى أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئًا . قَوْلُهُ : ( ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي ) فِي رِوَايَةِ حَاتِمٍ فَقَامَ أَبِي عَلَى الْبَابِ فَتَكَلَّمَ فَعَرَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَوْتَهُ قَالَ ابْنُ التِّينِ : لَعَلَّ خُرُوجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ مَخْرَمَةَ صَادَفَ دُخُولَ الْمِسْوَرِ إِلَيْهِ .
قَوْلُهُ : ( فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا ) ظَاهِرُهُ اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ ، قِيلَ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ النَّهْيِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ نَشَرَهُ عَلَى أَكْتَافِهِ لِيَرَاهُ مَخْرَمَةُ كُلَّهُ وَلَمْ يَقْصِدْ لُبْسَهُ . قُلْتُ : وَلَا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ عَلَى أَكْتَافِهِ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ مَنْشُورًا عَلَى يَدَيْهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَاتِمٍ فَخَرَجَ وَمَعَهُ قَبَاءٌ وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ فَتَلَقَّاهُ بِهِ وَاسْتَقْبَلَهُ بِإِزَارِهِ . قَوْلُهُ : ( خَبَّأْتُ هَذَا لَكَ ) فِي رِوَايَةِ حَاتِمٍ تَكْرَارُ ذَلِكَ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ يَا أَبَا الْمِسْوَرِ هَكَذَا دَعَاهُ أَبَا الْمِسْوَرِ وَكَأَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ لَهُ بِذِكْرِ وَلَدِهِ الَّذِي جَاءَ صُحْبَتَهُ ، وَإِلَّا فَكُنْيَتُهُ فِي الْأَصْلِ أَبُو صَفْوَانَ وَهُوَ أَكْبَرُ أَوْلَادِهِ ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ .
قَوْلُهُ : ( فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَضِيَ مَخْرَمَةُ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ هَاشِمٍ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ ، وَجَزَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ : رَضِيَ مَخْرَمَةُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَدْ رَجَّحْتُ فِي الْهِبَةِ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ مَخْرَمَةَ ، زَادَ حَمَّادٌ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شِدَّةٌ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : يُسْتَفَادُ مِنْهُ اسْتِئْلَافُ أَهْلِ اللَّسَنِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ بِالْعَطِيَّةِ وَالْكَلَامِ الطَّيِّبِ ، وَفِيهِ الِاكْتِفَاءُ فِي الْهِبَةِ بِالْقَبْضِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ هُنَاكَ ، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ الْأَعْمَى لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَفَ صَوْتَ مَخْرَمَةَ فَاعْتَمَدَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِهِ ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ الْقَبَاءُ الَّذِي خَبَّأَهُ لَهُ ، وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ مِنْهُ جَوَازَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْخُطُوطَ تَشْتَبِهُ أَكْثَرَ مِمَّا تَشْتَبِهُ الْأَصْوَاتُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي الشَّهَادَاتِ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمِسْوَرَ لَا صُحْبَةَ لَهُ .