حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ رَأَى عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ - عَلَيْهَا السَّلَام - بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُرْدَ حَرِيرٍ سِيَرَاءَ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّهُ رَأَى عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُرْدَ حَرِيرٍ سِيَرَاءَ هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَوَافَقَهُ الزُّبَيْدِيُّ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي بَابِ مَسِّ الْحَرِيرِ مِنْ غَيْرِ لُبْسٍ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَالْأَوَّلِ ، وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوُهُ لَكِنْ قَالَ زَيْنَبَ بَدَلَ أُمِّ كُلْثُومٍ ، وَالْمَحْفُوظُ مَا قَالَ الْأَكْثَرُ ، وَقَدْ غَفَلَ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ : إِنْ كَانَ أَنَسٌ رَأَى ذَلِكَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُعَارِضُ حَدِيثُ عُقْبَةَ ، يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَمْنَعُ أَهْلَهُ الْحَرِيرَ وَالْحُلَّةَ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ دَلِيلًا عَلَى نَسْخِ حَدِيثِ عُقْبَةَ ، كَذَا قَالَ ، وَخَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ مَاتَتْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَلِكَ زَيْنَبُ فَبَطَلَ التَّرَدُّدُ ، وَأَمَّا دَعْوَى الْمُعَارَضَةِ فَمَرْدُودَةٌ ، وَكَذَا النَّسْخُ . وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ بِحَمْلِ النَّهْيِ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ عَلَى التَّنْزِيهِ ، وَإِقْرَارُ أُمِّ كُلْثُومٍ عَلَى ذَلِكَ إِمَّا لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَإِمَّا لِكَوْنِهَا كَانَتْ إِذْ ذَاكَ صَغِيرَةً ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا إِشْكَالَ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ لَهَا ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ كَانَتْ كَبِيرَةً فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْحِجَابِ أَوْ بَعْدَهُ ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ رُؤْيَةِ الثَّوْبِ عَلَى اللَّابِسِ رُؤْيَةُ اللَّابِسِ فَلَعَلَّهُ رَأَى ذَيْلَ الْقَمِيصِ مَثَلًا ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنَّ السِّيَرَاءَ الَّتِي كَانَتْ عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ الْحَرِيرِ الصِّرْفِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حُلَّةِ عَلِيٍّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَاسْتُدِلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ سَوَاءٌ كَانَ الثَّوْبُ حَرِيرًا كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ ، وَفِي الْأَوَّلِ عَرْضُ الْمَفْضُولِ عَلَى الْفَاضِلِ وَالتَّابِعِ عَلَى الْمَتْبُوعِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَصَالِحِهِ مِمَّنْ يَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ الطَّعْنِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهُ ، وَفِيهِ جَوَازُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ، وَفِيهِ مُبَاشَرَةُ الصَّالِحِينَ وَالْفُضَلَاءِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيهِ تَرْكُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَاسَ الْحَرِيرِ وَهَذَا فِي الدُّنْيَا . وَإِرَادَةُ تَأْخِيرِ الطَّيِّبَاتِ إِلَى الْآخِرَةِ الَّتِي لَا انْقِضَاءَ لَهَا ، إِذْ تَعْجِيلُ الطَّيِّبَاتِ فِي الدُّنْيَا لَيْسَ مِنَ الْحَزْمِ ، فَزَهِدَ فِي الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ ، وَأَمَرَ بِذَلِكَ ، وَنَهَى عَنْ كُلِّ سَرَفٍ وَحَرَّمَهُ .

وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ تَرْكَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لُبْسَ الْحَرِيرِ إِنَّمَا هُوَ لِاجْتِنَابِ الْمَعْصِيَةِ ، وَأَمَّا الزُّهْدُ فَإِنَّمَا هُوَ فِي خَالِصِ الْحَلَالِ وَمَا لَا عُقُوبَةَ فِيهِ ، فَالتَّقَلُّلُ مِنْهُ وَتَرْكُهُ مَعَ الْإِمْكَانِ هُوَ الَّذِي تَتَفَاضَلُ فِيهِ دَرَجَاتُ الزُّهَّادِ . قُلْتُ : وَلَعَلَّ مُرَادَ ابْنِ بَطَّالٍ بَيَانُ سَبَبِ التَّحْرِيمِ فَيَسْتَقِيمُ مَا قَالَهُ . وَفِيهِ جَوَازُ بَيْعِ الرِّجَالِ الثِّيَابَ الْحَرِيرَ وَتَصَرُّفِهِمْ فِيهَا بِالْهِبَةِ وَالْهَدِيَّةِ لَا اللُّبْسِ .

وَفِيهِ جَوَازُ صِلَةِ الْقَرِيبِ الْكَافِرِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ بِالْهَدِيَّةِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِيهِ جَوَازُ الْهَدِيَّةِ لِلْكَافِرِ وَلَوْ كَانَ حَرْبِيًّا . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عُطَارِدًا إِنَّمَا وَفَدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَلَمْ يَبْقَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ مُشْرِكٌ .

وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ وِفَادَةِ عُطَارِدٍ سَنَةَ تِسْعٍ أَنْ تَكُونَ قِصَّةُ الْحُلَّةِ كَانَتْ حِينَئِذٍ ؛ جَازَ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ . وَمَا زَالَ الْمُشْرِكُونَ يَقْدَمُونَ الْمَدِينَةَ وَيُعَامِلُونَ الْمُسْلِمِينَ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَنَةَ الْوُفُودِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْفَتْحِ وَحَجِّ أَبِي بَكْرٍ ، فَإِنَّ مَنْعَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ مَكَّةَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ حَجَّةِ أَبِي بَكْرٍ سَنَةَ تِسْعٍ فَفِيهَا وَقَعَ النَّهْيُ أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِالْفُرُوعِ لِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا مُنِعَ مِنْ لُبْسِ الْحُلَّةِ أَهْدَاهَا لِأَخِيهِ الْمُشْرِكِ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ أَخَاهُ بِلُبْسِهَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ الْحُكْمُ فِي حَقِّهِ كَمَا وَقَعَ فِي حَقِّ عُمَرَ فَيَنْتَفِعُ بِهَا بِالْبَيْعِ أَوْ كِسْوَةِ النِّسَاءِ وَلَا يَلْبَسُ هُوَ . وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُسْلِمَ عِنْدَهُ مِنَ الْوَازِعِ الشَّرْعِيِّ مَا يَحْمِلُهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالنَّهْيِ عَنِ الْكَفِّ ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ فَإِنَّ كُفْرَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى عَدَمِ الْكَفِّ عَنْ تَعَاطِي الْمُحَرَّمِ ، فَلَوْلَا أَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ لُبْسُهُ لَمَا أَهْدَى لَهُ لِمَا فِي تَمْكِينِهِ مِنَ الْإِعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ، وَمِنْ ثَمَّ يَحْرُمُ بَيْعُ الْعَصِيرِ مِمَّنْ جَرَتْ عَادَتُهُ أَنْ يَتَّخِذَهُ خَمْرًا وَإِنِ احْتَمَلَ أَنَّهُ قَدْ يَشْرَبُهُ عَصِيرًا ، وَكَذَا بَيْعُ الْغُلَامِ الْجَمِيلِ مِمَّنْ يُشْتَهَرُ بِالْمَعْصِيَةِ لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كان عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ ، وَتَكُونَ مَشْرُوعِيَّةُ خِطَابِ الْكَافِرِ بِالْفُرُوعِ تَرَاخَتْ عَنْ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث