حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَنْ صَوَّرَ صُورَةً كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ

بَاب مَنْ صَوَّرَ صُورَةً كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ 5963 - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ : سَمِعْتُ النَّضْرَ بْنَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يُحَدِّثُ قَتَادَةَ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُمْ يَسْأَلُونَهُ وَلَا يَذْكُرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى سُئِلَ فَقَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ . قَوْلُهُ ( بَابُ مَنْ صَوَّرَ صُورَةً إِلَخْ ) كَذَا تَرْجَمَ بِلَفْظِ الْحَدِيثِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَفِيِّ بَابٌ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ ، وَثَبَتَتِ التَّرْجَمَةُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَسَقَطَ الْبَابُ وَالتَّرْجَمَةُ مِنْ رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى ابْنُ بَطَّالٍ ، وَنُقِلَ عَنِ الْمُهَلَّبِ تَوْجِيهُ إِدْخَالِ حَدِيثِ الْبَابِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ فَقَالَ : اللَّعْنُ فِي اللُّغَةِ الْإِبْعَادُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - ، وَمَنْ كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فَقَدْ أُبْعِدَ مِنَ الرَّحْمَةِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ ) هُوَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، وَسَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ .

قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ النَّضْرَ بْنَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يُحَدِّثُ قَتَادَةَ ) كَانَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ كَثِيرَ الْمُلَازَمَةِ لِقَتَادَةَ فَاتَّفَقَ أَنَّ قَتَادَةَ ، وَالنَّضْرَ بْنَ أَنَسٍ اجْتَمَعَا ، فَحَدَّثَ النَّضْرُ ، قَتَادَةَ فَسَمِعَهُ سَعِيدٌ وَهُوَ مَعَهُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَغَيْرِهِ يُحَدِّثُهُ قَتَادَةَ وَالضَّمِيرُ لِلْحَدِيثِ ، وَقَتَادَةُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَالْفَاعِلُ النَّضْرُ ، وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّضْرِ وَفَاعِلُ يُحَدِّثُ قَتَادَةُ ، وَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّهُ لَا يُلَائِمُ قَوْلَهُ : سَمِعْتُ النَّضْرَ ، وَلِأَنَّ قَتَادَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا حَضَرَ عِنْدَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَصْرِيحُ الْبُخَارِيِّ بِأَنَّ سَعِيدًا سَمِعَ مِنَ النَّضْرِ هَذَا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَقَوْلُهُ : عَنْ قَتَادَةَ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ ، فَإِنْ كَانَ خَالِدٌ حَفِظَهُ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سَعِيدٌ كَانَ سَمِعَهُ مِنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ ثُمَّ لَقِيَ النَّضْرَ فَسَمِعَهُ مِنْهُ فَكَانَ يُحَدِّثُهُ بِهِا عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ قَتَادَةُ ، عَنِ النَّضْرِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ سَعِيدٍ أَخْرَجَهَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ . قَوْلُهُ : ( وَهُمْ يَسْأَلُونَهُ وَلَا يَذْكُرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَيْ يُجِيبُهُمْ عَمَّا يَسْأَلُونَهُ بِالْفَتْوَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ الدَّلِيلَ مِنَ السُّنَّةِ ، وَقَدْ وَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ سَعِيدٍ وَلَفْظُهُ فَجَعَلُوا يَسْتَفْتُونَهُ وَيُفْتِيهِمْ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيمَا يُفْتِيهِمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ : ( حَتَّى سُئِلَ فَقَالَ : سَمِعْتُ ) كَذَا أَبْهَمَ الْمَسْأَلَةَ ، وَبَيَّنَهَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ سَعْدٍ فَفِي رِوَايَتِهِ حَتَّى أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَرَاهُ نَجَّارًا فَقَالَ : إِنِّي أُصَوِّرُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ فَمَا تَأْمُرنِي ؟ فَقَالَ : إِذًا سَمِعْتُ وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْا أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبَّاسٍ ، إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي . قَوْلُهُ : ( مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا ) كَذَا أَطْلَقَ ، وَظَاهِرُهُ التَّعْمِيمُ ، فَيَتَنَاوَلُ صُورَةَ مَا لَا رُوحَ فِيهِ ; لَكِنَّ الَّذِي فَهِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ التَّخْصِيصَ بِصُورَةِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ مِنْ قَوْلِهِ : كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ فَاسْتَثْنَى مَا لَا رُوحَ فِيهِ كَالشَّجَرِ .

قَوْلُهُ : ( كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ فَإِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا وَاسْتِعْمَالُ حَتَّى هُنَا نَظِيرُ اسْتِعْمَالِهَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَا قَوْلُهُمْ : لَا أَفْعَلُ كَذَا حَتَّى يَشِيبَ الْغُرَابُ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ طُولُ تَعْذِيبِهِ وَإِظْهَارُ عَجْزِهِ عَمَّا كَانَ تَعَاطَاهُ وَمُبَالَغَةٌ فِي تَوْبِيخِهِ وَبَيَانُ قُبْحِ فِعْلِهِ . وَقَوْلُهُ : لَيْسَ بِنَافِخٍ أَيْ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فَيَكُونُ مُعَذَّبًا دَائِمًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ عَذَابِ الْمُصَوِّرِينَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ وَأَنَّهُ أَمْرُ تَعْجِيزٍ ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذَا الْوَعِيدُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ ، فَإِنَّ وَعِيدَ الْقَاتِلِ عَمْدًا يَنْقَطِعُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ مَعَ وُرُودِ تَخْلِيدِهِ بِحَمْلِ التَّخْلِيدِ عَلَى مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ ، وَهَذَا الْوَعِيدُ أَشَدُّ مِنْهُ لِأَنَّهُ مُغَيًّا بِمَا لَا يُمْكِنُ وَهُوَ نَفْخُ الرُّوحِ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُعَذَّبُ زَمَانًا طَوِيلًا ثُمَّ يَتَخَلَّصُ . وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلَ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الزَّجْرُ الشَّدِيدُ بِالْوَعِيدِ بِعِقَابِ الْكَافِرِ لِيَكُونَ أَبْلَغُ فِي الِارْتِدَاعِ وَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُرَادٍ ، وَهَذَا فِي حَقِّ الْعَاصِي بِذَلِكَ ، وَأَمَّا مَنْ فَعَلَهُ مُسْتَحِلًّا فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ .

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - لِلُحُوقِ الْوَعِيدِ بِمَنْ تَشَبَّهَ بِالْخَالِقِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ اللَّهِ لَيْسَ بِخَالِقٍ حَقِيقَةً . وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْوَعِيدَ وَقَعَ عَلَى خَلْقِ الْجَوَاهِرِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْوَعِيدَ لَاحِقٌ بِاعْتِبَارِ الشَّكْلِ وَالْهَيْئَةِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَوْهَرٍ ، وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ غَيْرِ ذِي الرُّوحِ فَوَرَدَ مَوْرِدَ الرُّخْصَةِ كَمَا قَرَّرْتُهُ . وَفِي قَوْلِهِ : كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدَارِ تَكْلِيفٍ .

وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَارِ تَكْلِيفٍ بِعَمَلٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ أَوْ عِقَابٌ ، وَأَمَّا مِثْلُ هَذَا التَّكْلِيفِ فَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ لِأَنَّهُ نَفْسُهُ عَذَابٌ ، وَهُوَ نَظِيرُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَةٌ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا نَفْسَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ . وَأَيْضًا فَالتَّكْلِيفُ بِالْعَمَلِ فِي الدُّنْيَا حَسَنٌ عَلَى مُصْطَلَحِ أَهْلِ عِلْمِ الْكَلَامِ ، بِخِلَافِ هَذَا التَّكْلِيفِ الَّذِي هُوَ عَذَابٌ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ ، وَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ .

وَأَيْضًا فَنَفْخُ الرُّوحِ فِي الْجَمَادِ قَدْ وَرَدَ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ يُمْكِنُ وَإِنْ كَانَ فِي وُقُوعِهِ خَرْقُ عَادَةٍ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ خِطَابُ تَعْجِيزٍ لَا تَكْلِيفَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ بَيْعِ التَّصَاوِيرِ فِي أَوَاخِرِ الْبُيُوعِ زِيَادَةُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِلرَّجُلِ : وَيْحَكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ الْحَدِيثَ ، مَعَ ضَبْطِ لَفْظِهِ وَإِعْرَابِهِ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَصْوِيرِ مَا لَا رُوحَ لَهُ مِنْ شَجَرٍ أَوْ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ .

وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَجْهًا بِالْمَنْعِ لِأَنَّ مِنَ الْكُفَّارِ مَنْ عَبَدَهَا . قُلْتُ : وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَعْذِيبِ مَنْ يُصَوِّرُ مَا فِيهِ رُوحٌ بِمَا ذُكِرَ تَجْوِيزُ تَصْوِيرِ مَا لَا رُوحَ فِيهِ ، فَإِنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ : الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي يَتَنَاوَلُ مَا فِيهِ رُوحٌ وَمَا لَا رُوحَ فِيهِ ، فَإِنْ خُصَّ مَا فِيهِ رُوحٌ بِالْمَعْنَى مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مِمَّا لَمْ تَجْرِ عَادَةُ الْآدَمِيِّينَ بِصَنْعَتِهِ وَجَرَتْ عَادَتُهُمْ بِغَرْسِ الْأَشْجَارِ مَثَلًا امْتَنَعَ ذَلِكَ فِي مِثْلِ تَصْوِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَيَتَأَكَّدُ الْمَنْعُ بِمَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُضَاهِي صُورَةَ الْأَصْنَامِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ فِي مَنْعِ التَّصْوِيرِ ، وَقَدْ قَيَّدَ مُجَاهِدٌ صَاحِبَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَوَازَ تَصْوِيرِ الشَّجَرِ بِمَا لَا يُثْمِرُ ، وَأَمَّا مَا يُثْمِرُ فَأَلْحَقَهُ بِمَا لَهُ رُوحَ ، قَالَ عِيَاضٌ : لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ غَيْرُ مُجَاهِدٍ ، وَرَدَّهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ الصُّورَةَ لَمَّا أُبِيحَتْ بَعْدَ قَطْعِ رَأْسِهَا الَّتِي لَوْ قُطِعَتْ مِنْ ذِي الرُّوحِ لَمَا عَاشَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى إِبَاحَةِ مَا لَا رُوحَ لَهُ أَصْلًا . قُلْتُ : وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ تَجْوِيزَ تَصْوِيرِ مَا لَهُ رُوحٌ بِجَمِيعِ أَعْضَائِهِ إِلَّا الرَّأْسَ فِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى ، وَأَظُنُّ مُجَاهِدًا سَمِعَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَاضِي فَفِيهِ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً ، وَلْيَخْلُقُوا شَعِيرَةً فَإِنَّ فِي ذِكْرِ الذَّرَّةِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا لَهُ رُوحٌ ، وَفِي ذِكْرِ الشَّعِيرَةِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَنْبُتُ مِمَّا يُؤْكَلُ ، وَأَمَّا مَا لَا رُوحَ فِيهِ وَلَا يُثْمِرُ فَلَا تَقَعُ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ .

وَيُقَابِلُ هَذَا التَّشْدِيدَ مَا حَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ أَنَّ نَسْجَ الصُّورَةِ فِي الثَّوْبِ لَا يَمْتَنِعُ ; لِأَنَّهُ قَدْ يُلْبَسُ ، وَطَرَدَهُ الْمُتَوَلِّي فِي التَّصْوِيرِ عَلَى الْأَرْضِ وَنَحْوِهَا ، وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ تَحْرِيمَ جَمِيعِ ذَلِكَ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَيُسْتَثْنَى مِنْ جَوَازِ تَصْوِيرِ مَا لَهُ ظِلٌّ وَمِنَ اتِّخَاذِهِ لُعَبُ الْبَنَاتِ لِمَا وَرَدَ مِنَ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ . قُلْتُ : وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ وَاضِحًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث