بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا
بَاب البر والصلة ، وقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا 5970 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : الْوَلِيدُ بْنُ عَيْزَارٍ أَخْبَرَنِي قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ - قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ - عز وجل - ؟ قَالَ : الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا ، قَالَ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : ثم بِرُّ الْوَالِدَيْنِ . قَالَ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - قَالَ : حَدَّثَنِي بِهِنَّ ، وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي . قَوْله : ( ﴿بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴾- كِتابُ الْأَدَب ) قَوْلُهُ ( بَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ ، وَقَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا كَذَا لِلْأَكْثَرِ .
وَحَذَفَ بَعْضُهُمْ لَفْظَ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَبَعْضُهُمُ الْبَسْمَلَةَ ، وَاقْتَصَرَ النَّسَفِيُّ عَلَى قَوْلِهِ كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ إِلَخْ . وَوَقَعَ فِي أَوَّلِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَكِتَابُ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَحَادِيثَ زَائِدَةٍ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحِ وَفِيهِ قَلِيلٌ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ ، وَهُوَ كَثِيرُ الْفَائِدَةِ . وَالْأَدَبُ اسْتِعْمَالُ مَا يُحْمَدُ قَوْلًا وَفِعْلًا ، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ بِأَنَّهُ الْأَخْذُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَقِيلَ : الْوُقُوفُ مَعَ الْمُسْتَحْسَنَاتِ ، وَقِيلَ : هُوَ تَعْظِيمُ مَنْ فَوْقَكَ وَالرِّفْقُ بِمَنْ دُونَكَ .
وَقِيلَ : إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَأْدُبَةِ وَهِيَ الدَّعْوَةُ إِلَى الطَّعَامِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُدْعَى إِلَيْهِ ; وَهَذِهِ الْآيَةُ وَقَعَتْ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي الْعَنْكَبُوتِ وَفِي الْأَحْقَافِ لَكِنِ الْمُرَادُ هُنَا الَّتِي فِي الْعَنْكَبُوتِ ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي فِي لُقْمَانَ نَزَلَتْ فِي سَعدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، كَذَا قَالَ إِنَّهَا الَّتِي فِي لُقْمَانَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ لَا تُكَلِّمُهُ أَبَدًا حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ . قَالَتْ : زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ أَوْصَاكَ بِوَالِدَيْكَ ، فَأَنَا أُمُّكَ ، وَأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا ، فَنَزَلَتْ وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا كَذَا وَقَعَ عِنْدَهُ ، وَفِيهِ انْتِقَالٌ مِنْ آيَةٍ إِلَى آيَةٍ ، فَإِنَّ فِي آيَةِ الْعَنْكَبُوتِ وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا - إِلَى - مَرْجِعُكُمْ وَالْمَذْكُورُ عِنْدَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ : وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى إِلَخْ إِنَّمَا هُوَ فِي لُقْمَانَ . وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ إِلَى قَوْلِهِ : حُسْنًا الْآيَةَ ، فَقَطْ ، وَمِثْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ الْآيَةَ ، وَوَقَعَ فِي أُخْرَى لِأَحْمَدَ وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ - وَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ - بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَهَذَا الْقَدْرُ الْأَخِيرُ إِنَّمَا هُوَ فِي آيَةِ الْعَنْكَبُوتِ وَأَوَّلُهُ مِنْ آيَةِ لُقْمَانَ ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الْآيَتَيْنِ معا كَانَتَا فِي الْأَصْلِ ثَابِتَتَيْنِ فَسَقَطَ بَعْضُهُمَا عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَاسْمُ أُمِّ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حَمْنَةُ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ - بِنْتُ سُفْيَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ . وَاقْتَضَتِ الْآيَةُ الْوَصِيَّةَ بِالْوَالِدَيْنِ وَالْأَمْرَ بِطَاعَتِهِمَا وَلَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ ، إِلَّا إِذَا أَمَرَا بِالشِّرْكِ فَتَجِبُ مَعْصِيَتُهُمَا فِي ذَلِكَ ، فَفِيهَا بَيَانُ مَا أُجْمِلَ فِي غَيْرِهَا ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، مِنَ الْأَمْرِ بِبِرِّهِمَا . قَوْلُهُ : ( قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عَيْزَارٍ أَخْبَرَنِي ) هُوَ مِنْ تَقْدِيمِ اسْمِ الرَّاوِي عَلَى الصِّيغَةِ وَهُوَ جَائِزٌ ، وَكَانَ شُعْبَةُ يَسْتَعْمِلُهُ كَثِيرًا ، وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ الْعَيْزَارُ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَلَامٍ فِي أَوَّلِهِ ، وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ مَعَ كَثِيرٍ مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : تَقْدِيمُ الْبِرِّ عَلَى الْجِهَادِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : التَّعْدِيَةُ إِلَى نَفْعِ الْغَيْرِ ، وَالثَّانِي : أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُهُ يَرَى أَنَّهُ مُكَافَأَةٌ عَلَى فِعْلِهِمَا ، فَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ غَيْرَهُ أَفْضَلُ مِنْهُ ، فَنَبَّهَهُ عَلَى إِثْبَاتِ الْفَضِيلَةِ فِيهِ . قُلْتُ : وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِوَاضِحٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قُدِّمَ لِتَوَقُّفِ الْجِهَادِ عَلَيْهِ ، إِذْ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ اسْتِئْذَانُهُمَا فِي الْجِهَادِ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنِ الْجِهَادِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا .