بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ النَّمِيمَةِ
بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ النَّمِيمَةِ وَقَوْلِهِ تعالى : ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾، ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ وَيَعِيبُ وَاحِدٌ 6056 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هَمَّامٍ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ ؛ فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ رَجُلًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّمِيمَةِ ) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى بَعْضِ الْقَوْلِ الْمَنْقُولِ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ يَجُوزُ إِذَا كَانَ الْمَقُولُ فِيهِ كَافِرًا مَثَلًا ، كَمَا يَجُوزُ التَّجَسُّسُ فِي بِلَادِ الْكُفَّارِ وَنَقْلُ مَا يَضُرُّهُمْ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - : ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ قَالَ الرَّاغِبُ : هَمْزُ الْإِنْسَانِ اغْتِيَابُهُ ، وَالنَّمُّ إِظْهَارُ الْحَدِيثِ بِالْوِشَايَةِ ، وَأَصْلُ النَّمِيمَةِ الْهَمْسُ وَالْحَرَكَةُ .
قَوْلُهُ : ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ وَيَعِيبُ وَاحِدٌ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَيَغْتَابُ بِعيْنٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ ، ثُمَّ مُثَنَّاةٍ وَأَظُنُّهُ تَصْحِيفًا ، وَالْهُمَزَةُ الَّذِي يَكْثُرُ مِنْهُ الْهَمْزُ وَكَذَا اللُّمَزَةُ ، وَاللَّمْزُ تَتَبُّعُ الْمَعَايِبِ . وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ اللَّمْزَ الْعَيْبُ فِي الْوَجْهِ وَالْهَمْزُ فِي الْقَفَا ، وَقِيلَ : بِالْعَكْسِ ، وَقِيلَ : الْهَمْزُ الْكَسْرِ وَاللَّمْزُ الطَّعْنُ ، فَعَلَى هَذَا هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَسْرِ الْكَسْرُ مِنَ الْأَعْرَاضِ وَبِالطَّعْنِ الطَّعْنُ فِيهَا ، وَحُكِيَ فِي مِيمِ يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ الضَّمُّ وَالْكَسْرُ ، وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : الْهَمْزُ بِالْعَيْنِ وَالشَّدْقِ وَالْيَدِ ، وَاللَّمْزُ بِاللِّسَانِ . قَوْلُهُ : ( سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ مُعْتَمِرٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ ، وَهَمَّامٌ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ .
قَوْلُهُ : ( إِنَّ رَجُلًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، وَعُثْمَانُ هُوَ ابْنُ عَفَّانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ حُذَيْفَةُ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي : فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : فَقَالَ حُذَيْفَةُ وَأَرَادَهُ أَنْ يَسْمَعَهُ . قَوْلُهُ : ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ) أَيْ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ .
قَوْلُهُ : ( قَتَّاتٌ ) بِقَافٍ وَمُثَنَّاةٍ ثَقِيلَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُثَنَّاةٌ أُخْرَى هُوَ النَّمَّامُ ، وَوَقَعَ بِلَفْظِ نَمَّامٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَقِيلَ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَتَّاتِ وَالنَّمَّامِ أَنَّ النَّمَّامَ الَّذِي يَحْضُرُ القصة فَيَنْقُلُهَا ، وَالْقَتَّاتُ الَّذِي يَتَسَمَّعُ مِنْ حَيْثُ لَا يُعْلَمُ بِهِ ثُمَّ يَنْقُلُ مَا سَمِعَهُ . قَالَ الْغَزَالِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ : يَنْبَغِي لِمَنْ حُمِلَتْ إِلَيْهِ نَمِيمَةٌ أَنْ لَا يُصَدِّقَ مَنْ نَمَّ لَهُ ، وَلَا يَظُنُّ بِمَنْ نُمَّ عَنْهُ مَا نُقِلَ عَنْهُ ، وَلَا يَبْحَثُ عَنْ تَحْقِيقِ مَا ذُكِرَ لَهُ ، وَأَنْ يَنْهَاهُ وَيُقَبِّحَ لَهُ فِعْلَهُ ، وَأَنْ يَبْغُضَهُ إِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ وَأَنْ لَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ مَا نُهِيَ النَّمَّامُ عَنْهُ فَيَنِمَّ هُوَ عَلَى النَّمَّامِ فَيَصِيرَ نَمَّامًا ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي النَّقْلِ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَإِلَّا فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ ، كَمَنِ اطَّلَعَ مِنْ شَخْصٍ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُؤْذِي شَخْصًا ظُلْمًا فَحَذَّرَهُ مِنْهُ ، وَكَذَا مَنْ أَخْبَرَ الْإِمَامَ أَوْ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ بِسِيرَةِ نَائِبِهِ مَثَلًا فَلَا مَنْعَ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ : النَّمِيمَةُ فِي الْأَصْلِ نَقْلُ الْقَوْلِ إِلَى الْمَقُولِ فِيهِ ، وَلَا اخْتِصَاصَ لَهَا بِذَلِكَ بَلْ ضَابِطُهَا كَشْفُ مَا يُكْرَهُ كَشْفُهُ سَوَاءٌ كَرِهَهُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ أَوِ الْمَنْقُولُ إِلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُمَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَنْقُولُ قَوْلًا أَمْ فِعْلًا ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَيْبًا أَمْ لَا ، حَتَّى لَوْ رَأَى شَخْصًا يُخْفِي مَا لَهُ فَأَفْشَى كَانَ نَمِيمَةً . وَاخْتُلِفَ فِي الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ هَلْ هُمَا مُتَغَايِرَتَانِ أَوْ مُتَّحِدَتَانِ ، وَالرَّاجِحُ التَّغَايُرُ ، وَأَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا وَجْهِيًّا ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّمِيمَةَ نَقْلُ حَالِ الشَّخْصِ لِغَيْرِهِ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ بِغَيْرِ رِضَاهُ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلْمِهِ أَمْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ ، وَالْغِيبَةُ ذِكْرُهُ فِي غِيبَتِهِ بِمَا لَا يُرْضِيهِ ، فَامْتَازَتِ النَّمِيمَةُ بِقَصْدِ الْإِفْسَادِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْغِيبَةِ ، وَامْتَازَتِ الْغِيبَةُ بِكَوْنِهَا فِي غِيبَةِ الْمَقُولِ فِيهِ ، وَاشْتَرَكَتَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ .
وَمَنِ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي الْغِيبَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَقُولُ فِيهِ غَائِبًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .