بَاب الْكِبْرِ
بَاب الْكِبْرِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ ثَانِيَ عِطْفِهِ مُسْتَكْبِرا فِي نَفْسِهِ عِطْفُهُ رَقَبَتُهُ 6071 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ الْقَيْسِيُّ ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَاعِفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْكِبْرِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ رَاءٌ ، قَالَ الرَّاغِبُ : الْكِبْرُ وَالتَّكَبُّرُ وَالِاسْتِكْبَارُ مُتَقَارِبٌ ، فَالْكِبْرُ الْحَالَةُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا الْإِنْسَانُ مِنْ إِعْجَابِهِ نَفْسِهِ . وَذَلِكَ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَكْبَرَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَأَعْظَمُ ذَلِكَ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَلَى رَبِّهِ بِأَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ وَالْإِذْعَانِ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ وَالطَّاعَةِ .
وَالتَّكَبُّرُ يَأْتِي عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ الْأَفْعَالُ الْحَسَنَةُ زَائِدَةً عَلَى مَحَاسِنِ الْغَيْرِ وَمِنْ ثَمَّ وُصِفَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - بِالْمُتَكَبِّرِ ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّفًا لِذَلِكَ مُتَشَبِّعًا بِمَا لَيْسَ فِيهِ ، وَهُوَ وَصْفُ عَامَّةِ النَّاسِ نَحْوَ قَوْلِهِ : كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ وَالْمُسْتَكْبِرُ مِثْلَهُ ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ : الْكِبْرُ عَلَى قِسْمَيْنِ : فَإِنْ ظَهَرَ عَلَى الْجَوَارِحِ يُقَالُ : تَكَبَّرَ ، وَإِلَّا قِيلَ : فِي نَفْسِهِ كِبْرٌ . وَالْأَصْلُ هُوَ الَّذِي فِي النَّفْسِ وَهُوَ الِاسْتِرْوَاحُ إِلَى رُؤْيَةِ النَّفْسِ ، وَالْكِبْرُ يَسْتَدْعِي مُتَكَبَّرًا عَلَيْهِ يَرَى نَفْسَهُ فَوْقَهُ وَمُتَكَبَّرًا بِهِ ، وَبِهِ يَنْفَصِلُ الْكِبْرُ عَنِ الْعُجْبِ ، فَمَنْ لَمْ يُخْلَقْ إِلَّا وَحْدَهُ يَتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُعْجَبًا لَا مُتَكَبِّرًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ثَانِيَ عِطْفِهِ مُسْتَكْبِرًا فِي نَفْسِهِ ، عِطْفُهُ رَقَبَتُهُ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ثَانِيَ عِطْفِهِ قَالَ : رَقَبَتُهُ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ثَانِيَ عِطْفِهِ قَالَ : مُسْتَكْبِرًا فِي نَفْسِهِ ، وَمَنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ : لَاوِي عُنُقَهُ .
وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ ثَانِيَ عِطْفِهِ أَيْ مُعْرِضٌ مِنَ الْعَظَمَةِ . وَمَنْ طَرِيقِ أَبِي صُخَرٍ الْمَدَنِيِّ ، قَالَ : كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ يَقُولُ : هُوَ الرَّجُلُ يَقُولُ : هَذَا شَيْءٌ ثَنَيْتُ عَلَيْهِ رِجْلِي ، فَالْعِطْفُ هُوَ الرِّجْلُ ، قَالَ أَبُو صَخْرٍ : وَالْعَرَبُ تَقُولُ الْعِطْفُ الْعُنُقُ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ .
ثم ذكر فيه حديثين : أحدهما حَدِيثُ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ ن ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ وَصْفُ الْمُسْتَكْبِرِ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ . وَقَوْلُهُ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ . هُوَ بِرَفْعِ كُلُّ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ هُمْ كُلُّ ضَعِيفٍ إِلَخْ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ أَهْلِ .