بَاب الصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى
بَاب الصَّبْرِ في الْأَذَى وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ 6099 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيْسَ أَحَدٌ أَوْ لَيْسَ شَيْءٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا ، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّبْرِ فِي الْأَذَى ) أَيْ حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الْمُجَازَاةِ عَلَى الْأَذَى قَوْلًا أَوْ فِعْلًا ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْحِلْمِ ( وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : الصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى جِهَادُ النَّفْسِ ، وَقَدْ جَبَلَ اللَّهُ الْأَنْفُسَ عَلَى التَّأَلُّمِ بِمَا يُفْعَلُ بِهَا وَيُقَالُ فِيهَا ; وَلِهَذَا شَقَّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسْبَتُهُمْ لَهُ إِلَى الْجَوْرِ فِي الْقِسْمَةِ ، لَكِنَّهُ حَلُمَ عَنِ الْقَائِلِ فَصَبَرَ لِمَا عَلِمَ مِنْ جَزِيلِ ثَوَابِ الصَّابِرِينَ ، وَأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَأْجُرُهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَالصَّابِرُ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُنْفِقِ ؛ لِأَنَّ حَسَنَتَهُ مُضَاعَفَةٌ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ، وَالْحَسَنَةُ فِي الْأَصْلِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَّا مَنْ شَاءَ الله أَنْ يَزِيدَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْإِيمَانِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ : الصَّبْرُ نِصْفُ الْإِيمَانِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي فضل الصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى حَدِيثٌ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ : الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ صَحَابِيٍّ لَمْ يُسَمَّ . قَوْلُهُ : حَدِيثُ أَبِي مُوسَى ( لَيْسَ أَحَدٌ أَوْ لَيْسَ شَيْءٌ ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِيِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِسَنَدِ الْبُخَارِيِّ .
وَقَالَ فِيهِ : أَحَدٌ بِغَيْرِ شَكٍّ . قَوْلُهُ : ( أَصْبَرَ عَلَى أَذًى ) هُوَ بِمَعْنَى الْحِلْمِ ، أَوْ أَطْلَقَ الصَّبْرَ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْحَبْسِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ حَبْسُ الْعُقُوبَةِ عَلَى مُسْتَحِقِّهَا عَاجِلًا ، وَهَذَا هُوَ الْحِلْمُ . قَوْلُهُ : ( عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ ) قَدْ بَيَّنَهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يُشْرِكُونَ بِهِ وَيَرْزُقُهُمْ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - .