بَاب إِكْرَامِ الضَّيْفِ وَخِدْمَتِهِ إِيَّاهُ بِنَفْسِهِ
بَاب إِكْرَامِ الضَّيْفِ وَخِدْمَتِهِ إِيَّاهُ بِنَفْسِهِ وَقَوْلِهِ تعالى : ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : يُقَالُ هُوَ زَوْرٌ ، وَهَؤُلَاءِ زَوْرٌ وَضَيْفٌ ، وَمَعْنَاهُ أَضْيَافُهُ وَزُوَّارُهُ ؛ لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ مِثْلُ قَوْمٍ رِضًا وَعَدْلٍ ويُقَالُ مَاءٌ غَوْرٌ ، وَمَاءَانِ غَوْرٌ ، وَمِيَاهٌ غَوْرٌ ، وَيُقَالُ : الْغَوْرُ الْغَائِرُ لَا تَنَالُهُ الدِّلَاءُ ، كُلَّ شَيْءٍ غُرْتَ فِيهِ فَهُوَ مَغَارَةٌ تَزَاوَرُ تَمِيلُ مِنْ الزَّوَرِ ، وَالْأَزْوَرُ الْأَمْيَلُ 6135 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ . حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ .. . مِثْلَهُ ، وَزَادَ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ .
قَوْلُهُ : ( بَابُ إِكْرَامِ الضَّيْفِ وَخِدْمَتِهِ إِيَّاهُ بِنَفْسِهِ وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - : ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ لَفْظَ ضَيْفٍ يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا ، وَجَمْعُ الْقِلَّةِ أَضْيَافٌ ، وَالْكَثْرَةِ ضُيُوفٌ وَضِيفَانٌ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : يُقَالُ هُوَ زَوْرٌ وَضَيْفٌ وَمَعْنَاهُ أَضْيَافُهُ وَزُوَّارُهُ ; لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ مِثْلَ قَوْمِ رِضًا وَعَدْلٍ ، وَيُقَالُ مَاءٌ غَوْرٌ وَبِئْرٌ غَوْرٌ ، وَمَاآنِ غَوْرٌ وَمِيَاهٌ غَوْرٌ ) قُلْتُ : ثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي وَالْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَطْ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْفَرَّاءِ قَالَ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا الْعَرَبُ تَقُولُ : مَاءٌ غَوْرٌ وَمَاآنِ غَوْرٌ وَمِيَاهٌ غَوْرٌ وَلَا يَجْمَعُونَ غَوْرًا وَلَا يُثَنُّونَهُ فَلَمْ يَقُولُوا مَاآنِ غَوْرَانِ وَلَا مِيَاهٌ أَغْوَارٌ ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الزَّوْرِ يُقَالُ هَؤُلَاءِ زَوْرُ فُلَانٍ وَضَيْفُ فُلَانٍ مَعْنَاهُ أَضْيَافُهُ وَزُوَّارُهُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ فَأُجْرِيَ عَلَى مِثْلِ قَوْلِهِمْ قَوْمٌ عَدْلٌ وَقَوْمٌ رِضًا وَمُقْنَعٌ وَقَالَ غَيْرُهُ : الزَّوْرُ جَمْعُ زَائِرٍ كَرَاكِبٍ وَرَكْبٌ . قُلْتُ : وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الصِّحَاحِ .
قَوْلُهُ : ( وَيُقَالُ الْغَوْرُ الْغَائِرُ لَا تَنَالُهُ الدِّلَاءُ ، كُلُّ شَيْءٍ غُرْتَ فِيهِ فَهُوَ مَغَارَةٌ ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : غَوْرٌ أَيْ غَائِرٌ وَالْغَوْرُ مَصْدَرٌ . قَوْلُهُ : ( تَزَاوَرُ تَمِيلُ مِنَ الزَّوْرِ ، وَالْأَزْوَرُ الْأَمْيَلُ ) . قُلْتُ : هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْكَهْفِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ أَيْ تَمِيلُ ، وَهُوَ مِنَ الزَّوْرِ يَعْنِي بِفَتْحِ الْوَاوِ وَهُوَ الْعِوَجُ وَالْمَيْلُ .
ثُمَّ ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ : أحدها : حَدِيثُ أَبِي شُرَيْحٍ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ، وَقَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، أَنْبَأَنَا مَالِكٌ مِثْلَهُ يَعْنِي بِإِسْنَادِهِ ، وَقَوْلُهُ : أَوْ لِيَصْمُتْ ضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَقَالَ الطُّوفِيُّ : سَمِعْنَاهُ بِكَسْرِهَا وَهُوَ الْقِيَاسُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَ التَّخْيِيرُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ : فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ إِذَا كَانَ فِي أَحَدِ الشِّقَّيْنِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ فَيَكُونُ وَاجِبًا ، أَوْ مَنْهِيًّا فَيَكُونُ حَرَامًا ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ صِيغَةَ أَفْعَلَ فِي قَوْلِهِ : فَلْيَقُلْ وَفِي قَوْلِهِ : لِيَسْكُتْ لِمُطْلَقِ الْإِذْنِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمُبَاحِ وَغَيْرِهِ ; نَعَمْ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمُبَاحُ حَسَنًا لِدُخُولِهِ فِي الْخَيْرِ ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَلْيُفَكِّرْ قَبْلَ كَلَامِهِ ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ وَلَا يَجُرُّ إِلَى مُحَرَّمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ فَلْيَتَكَلَّمْ ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فَالسَّلَامَةُ فِي السُّكُوتِ لِئَلَّا يَجُرَّ الْمُبَاحُ إِلَى الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيلِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَمَنْ حَسِبَ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ . ثانيها : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْهُ ، وَفِي أَحَدِهِمَا مَا لَيْسَ فِي الْآخَرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ فِي بَابِ إِكْرَامِ الْجَارِ بِاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ وَبَيَانُ الْمُرَادِ بِهِ .
قَالَ الطُّوفِيُّ : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ انْتِفَاءُ الْإِيمَانِ عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ أُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ : إِنْ كُنْتَ ابْنِي فَأَطِعْنِي ، تَهْيِيجًا لَهُ عَلَى الطَّاعَةِ ، لَا أَنَّهُ بِانْتِفَاءِ طَاعَتِهِ يَنْتَفِي أَنَّهُ ابْنُهُ . ثالثها : حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونَنَا الْحَدِيثَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ . قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ ( جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ) قَالَ السُّهَيْلِيُّ : رُوِيَ جَائِزَتُهُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَهُوَ وَاضِحٌ ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى بَدَلِ الِاشْتِمَالِ أَيْ يُكْرَمُ جَائِزَتَهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً .
قَوْلُهُ : ( وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ سُئِلَ عَنْهُ مَالِكٌ فَقَالَ : يُكْرِمُهُ وَيُتْحِفُهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ضِيَافَةٌ . قُلْتُ : وَاخْتَلَفُوا هَلِ الثَّلَاثُ غَيْرُ الْأَوَّلِ أَوْ بعد مِنْهَا ؟ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : يَتَكَلَّفُ لَهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ بِالْبِرِّ وَالْإِلْطَافِ ، وَفِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ : يُقَدِّمُ لَهُ مَا حَضَرَهُ وَلَا يَزِيدُهُ عَلَى عَادَتِهِ ، ثُمَّ يُعْطِيهِ مَا يَجُوزُ بِهِ مَسَافَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَتُسَمَّى الْجِيزَةُ ، وَهِيَ قَدْرُ مَا يَجُوزُ بِهِ الْمُسَافِرُ مِنْ مَنْهَلٍ إِلَى مَنْهَلٍ ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ أَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا نَزَلَ بِهِ الضَّيْفُ أَنْ يُتْحِفَهُ وَيَزِيدَهُ فِي الْبِرِّ عَلَى مَا بِحَضْرَتِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، وَفي الْيَوْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ يُقَدِّمُ لَهُ مَا يَحْضُرُهُ ، فَإِذَا مَضَى الثَّلَاثُ فَقَدْ قَضَى حَقَّهُ ، فَمَا زَادَ عَلَيْها مِمَّا يُقَدِّمُهُ لَهُ يَكُونُ صَدَقَةً . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَمُسْلِمٍ بِلَفْظِ الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ .
وَأَجَابَ الطِّيبِيُّ بِأَنَّهَا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيَانٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى ، كَأَنَّهُ قِيلَ كَيْفَ يُكْرِمُهُ ؟ قَالَ : جَائِزَتُهُ . وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ زَمَانُ جَائِزَتِهِ أَيْ بِرُّهُ ، وَالضِّيَافَةُ يَوْمُ وَلَيْلَةٌ ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، وَرِوَايَةُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَلَى الْيَوْمِ الْأَخِيرِ أَيْ قَدْرَ مَا يَجُوزُ بِهِ الْمُسَافِرُ مَا يَكْفِيهِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى هَذَا عَمَلًا بِالرِّوَايَتَيْنِ انْتَهَى . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : وَجَائِزَتُهُ بَيَانًا لِحَالَةٍ أُخْرَى ، وَهِيَ أَنَّ الْمُسَافِرَ تَارَةً يُقِيمُ عِنْدَ مَنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ ، فَهَذَا لَا يُزَادُ عَلَى الثَّلَاثِ بِتَفَاصِيلِهَا ، وَتَارَةً لَا يُقِيمُ فَهَذَا يُعْطَى مَا يَجُوزُ بِهِ قَدْرَ كِفَايَتِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، وَلَعَلَّ هَذَا أَعْدَلُ الْأَوْجُهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَاسْتَدَلَّ بِجَعْلِ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ صَدَقَةً عَلَى أَنَّ الَّذِي قَبْلَهَا وَاجِبٌ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِتَسْمِيَتِهِ صَدَقَةً التَّنْفِيرُ عَنْهُ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ خُصُوصًا الْأَغْنِيَاءَ يَأْنَفُونَ غَالِبًا مِنْ أَكْلِ الصَّدَقَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَجْوِبَةُ مَنْ لَمْ يُوجِبِ الضِّيَافَةَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ عُقْبَةَ ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ بَطَّالٍ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ : جَائِزَتُهُ قَالَ : وَالْجَائِزَةُ تَفَضُّلٌ وَإِحْسَانٌ لَيْسَتْ وَاجِبَةً . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجَائِزَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَطِيَّةَ بِالْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ ، وَهِيَ مَا يُعْطَاهُ الشَّاعِرُ وَالْوَافِدُ ، فَقَدْ ذَكَرَ فِيِ الْأَوَائِلِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ سَمَّاهَا جَائِزَةً بَعْضُ الْأُمَرَاءِ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَائِزَةِ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُعْطِيهِ مَا يُغْنِيهِ عَنْ غَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ قَبْلُ . قُلْتُ : وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الْمُرَادِ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الْعَطِيَّةِ لِلشَّاعِرِ وَنَحْوِهِ جَائِزَةً فَلَيْسَ بِحَادِثٍ : لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَجِيزُوا الْوَفْدَ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْعَبَّاسِ أَلَا أُعْطِيكَ ، أَلَا أَمْنَحُكَ ، أَلَا أُجِيزُكَ ؟ فَذَكَرَ حَدِيثَ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَهَا كَذَلِكَ لَيْسَ بِحَادِثٍ .
قَوْلُهُ : ( وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِي عِنْدَهُ ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : هُوَ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَبِفَتْحِهَا فِي الْمَاضِي وَبِكَسْرِهَا فِي الْمُضَارِعِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى يُحْرِجَهُ ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مِنَ الْحَرَجِ وَهُوَ الضِّيقُ . وَالثَّوَاءُ بِالتَّخْفِيفِ وَالْمَدُّ الْإِقَامَةُ بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ حَتَّى يُؤَثِّمَهُ أَيْ يُوقِعَهُ فِي الْإِثْمِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَغْتَابُهُ لِطُولِ مَقَامِهِ أَوْ يَعْرِضُ لَهُ بِمَا يُؤْذِيهِ أَوْ يَظُنُّ بِهِ ظَنًّا سَيِّئًا ، وَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْإِقَامَةُ بِاخْتِيَارِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ بِأَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ الزِّيَادَةَ فِي الْإِقَامَةِ أَوْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ ، وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ : حَتَّى يُحْرِجَهُ لِأَنَّ مَفْهُومَهُ إِذَا ارْتَفَعَ الْحَرَجُ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ .
وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ قِيلَ : يَا رَسُولَ ، وَمَا يُؤَثِّمُهُ ؟ قَالَ : يُقِيمُ عِنْدَهُ لَا يَجِدُ شَيْئًا يُقَدِّمُهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ ، وَفِيهِ قِصَّةٍ لِسَلْمَانَ مَعَ ضَيْفِهِ حَيْثُ طَلَبَ مِنْهُ زِيَادَةً عَلَى مَا قَدَّمَ لَهُ فَرَهَنَ مَطْهَرَتَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ إِنَّمَا كُرِهَ لَهُ الْمَقَامُ بَعْدَ الثَّلَاثِ لِئَلَّا يُؤْذِيَهُ فَتَصِيرَ الصَّدَقَةُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْمَنِّ وَالْأَذَى . قُلْتُ : وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ فَمَا زَادَ فَهُوَ صَدَقَةٌ ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّ الَّذِي فِي الثَّلَاثِ لَا يُسَمَّى صَدَقَةً ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ : لِئَلَّا يُؤْذِيَهُ فَيُوقِعَهُ فِي الْإِثْمِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَأْجُورًا .