بَاب مَنْ نَاجَى بَيْنَ يَدَيْ النَّاسِ وَمَنْ لَمْ يُخْبِرْ بِسِرِّ صَاحِبِهِ فَإِذَا مَاتَ أَخْبَرَ بِهِ
بَاب مَنْ نَاجَى بَيْنَ يَدَيْ النَّاسِ وَمَنْ لَمْ يُخْبِرْ بِسِرِّ صَاحِبِهِ ، فَإِذَا مَاتَ أَخْبَرَ بِهِ . 6285 ، 6286 حَدَّثَنَا مُوسَى ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، حَدَّثَنَا فِرَاسٌ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِيِنَ قَالَتْ : إِنَّا كُنَّا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهُ جَمِيعًا لَمْ تُغَادَرْ مِنَّا وَاحِدَةٌ ، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَام تَمْشِي ، لَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَى مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ ، قَالَ : مَرْحَبًا بِابْنَتِي ، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ، ثُمَّ سَارَّهَا فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا ، فَلَمَّا رَأَى حُزْنَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَإِذَا هِيَ تَضْحَكُ ، فَقُلْتُ لَهَا : أَنَا مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسِّرِّ مِنْ بَيْنِنَا ، ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلْتُهَا عَمَّا سَارَّكِ ، قَالَتْ : مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِرَّهُ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ ، قُلْتُ لَهَا : عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنْ الْحَقِّ لَمَّا أَخْبَرْتِنِي ، قَالَتْ : أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ ، فَأَخْبَرَتْنِي قَالَتْ : أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً ، وَإِنَّهُ قَدْ عَارَضَنِي بِهِ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ ، وَلَا أَرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدْ اقْتَرَبَ ، فَاتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي ، فَإِنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ ، قَالَتْ : فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ ، قَالَ : يَا فَاطِمَةُ ، أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ . قَوْلُهُ : بَابُ مَنْ نَاجَى بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ وَلَمْ يُخْبِرْ بِسِرِّ صَاحِبِهِ ، فَإِذَا مَاتَ أَخْبَرَ بِهِ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِذْ بَكَتْ لَمَّا سَارَّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ ضَحِكَتْ لَمَّا سَارَّهَا ثَانِيًا ، فَسَأَلَتْهَا عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَتْ : مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ ، وَفِيهِ : أَنَّهَا أَخْبَرَتْ بِذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمَنَاقِبِ ، وَفِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ .
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : مُسَارَرَةُ الْوَاحِدِ مَعَ الْوَاحِدِ بِحَضْرَةِ الْجَمَاعَةِ جَائِزٌ ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يُخَافُ مِنْ تَرْكِ الْوَاحِدِ لَا يُخَافُ مِنْ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ ، قُلْتُ : وَسَيَأْتِي إِيضَاحُ هَذَا بَعْدَ بَابٍ ، قَالَ وَفِيهِ : أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي إِفْشَاءُ السِّرِّ إِذَا كَانَتْ فِيهِ مَضَرَّةٌ عَلَى المسر ; لِأَنَّ فَاطِمَةَ لَوْ أَخْبَرَتْهُنَّ لَحَزِنَّ لِذَلِكَ حُزْنًا شَدِيدًا ، وَكَذَا لَوْ أَخْبَرَتْهُنَّ أَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ لَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ ، وَاشْتَدَّ حُزْنُهُنَّ ، فَلَمَّا أَمِنَتْ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِنَّ أَخْبَرَتْ بِهِ . قُلْتُ : أَمَّا الشِّقُّ الْأَوَّلُ فَحَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ فِيهِ جَوَازُ إِفْشَاءِ السِّرِّ إِذَا زَالَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إِفْشَائِهِ مِنَ الْمَضَرَّةِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي السِّرِّ الْكِتْمَانُ وَإِلَّا فَمَا فَائِدَتُهُ ؟ وَأَمَّا الشِّقُّ الثَّانِي ، فَالْعِلَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا مَرْدُودَةٌ لِأَنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَاتَتْ قَبْلَهُنَّ كُلِّهِنَّ ، وَمَا أَدْرِي كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا ؟ ثُمَّ جَوَّزْتُ أَنْ يَكُونَ فِي النُّسْخَةِ سَقَمٌ ، وَأَنَّ الصَّوَابَ فَلَمَّا أَمِنَتْ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَهُوَ أَيْضًا مَرْدُودٌ ؛ لِأَنَّ الْحُزْنَ الَّذِي عُلِّلَ بِهِ لَمْ يَنْزِلْ بِمَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ لَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ لَاسْتَمَرَّ حُزْنُهُنَّ عَلَى مَا فَاتَهُنَّ مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ : عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ جَوَازُ الْعَزْمِ بِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ : وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ إِذَا قَالَ أَعْزِمُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ فَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَحْنَثْ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ ، وَإِنْ قَالَ : أَعْزِمُ بِاللَّهِ أَنْ تَفْعَلَ فَلَمْ يَفْعَلْ حَنِثَ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَمِينٌ .
انْتَهَى . وَالَّذِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الصُّورَتَيْنِ يَرْجِعُ إِلَى قَصْدِ الْحَالِفِ ، فَإِنْ قَصَدَ يَمِينَ نَفْسِهِ فَيَمِينٌ ، وَإِنْ قَصَدَ يَمِينَ الْمُخَاطَبِ أَوِ الشَّفَاعَةَ أَوْ أَطْلَقَ فَلَا .