حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب لَا تُتْرَكُ النَّارُ فِي الْبَيْتِ عِنْدَ النَّوْمِ

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ كَثِيرٍ هُوَ ابْنُ شِنْظِيرٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَمِّرُوا الْآنِيَةَ ، وَأَجِيفُوا الْأَبْوَابَ ، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتْ الْفَتِيلَةَ ، فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَقَوْلُهُ فِي السَّنَدِ كَثِيرٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ ، زَادَ أَبُو ذَرٍّ فِي رِوَايَتِهِ هُوَ ابْنُ شِنْظِيرٍ وَهُوَ كَذَلِكَ وَشِنْظِيرٌ بِكَسْرِ الشِّينِ وَالظَّاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ بَيْنَهُمَا نُونٌ سَاكِنَةٌ ، تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ ذِكْرِ الْجِنِّ مِنْ كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ وَشَرْحُ حَدِيثِهِ هَذَا وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَوَقَعَ فِي رِجَالِ الصَّحِيحِ لِلْكَلَابَاذِيِّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ لَهُ أَيْضًا فِي بَابِ اسْتِعَانَةِ الْيَدِ فِي الصَّلَاةِ ، فَرَاجَعْتُ الْبَابَ الْمَذْكُورَ مِنَ الصَّحِيحِ ، وَهُوَ قُبَيْلَ كِتَابِ الْجَنَائِزِ ، فَمَا وَجَدْتُ لَهُ هُنَاكَ ذِكْرًا ، ثُمَّ وَجَدْتُ لَهُ بَعْدَ الْبَابِ الْمَذْكُورِ بِأَحَدَ عَشَرَ بَابًا حَدِيثًا آخَرَ بِسَنَدِهِ هَذَا ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ فِي بَابِ ذِكْرِ الْجِنِّ وَالشِّنْظِيرُ فِي اللُّغَةِ السَّيِّئُ الْخُلُقِ وَكَثِيرٌ الْمَذْكُورُ يُكَنَى أَبَا قُرَّةَ ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِلْإِرْشَادِ قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ لِلنَّدْبِ وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لِلْإِرْشَادِ لِكَوْنِهِ لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إِلَى مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ ، وَهِيَ حِفْظُ النَّفْسِ الْمُحَرَّمِ قَتْلُهَا وَالْمَالِ الْمُحَرَّمِ تَبْذِيرُهُ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْوَاحِدَ إِذَا بَاتَ بِبَيْتٍ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ ، وَفِيهِ نَارٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْفِئَهَا قَبْلَ نَوْمِهِ أَوْ يَفْعَلَ بِهَا مَا يُؤْمَنُ مَعَهُ الِاحْتِرَاقُ ، وَكَذَا إِنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ جَمَاعَةٌ ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى بَعْضِهِمْ وَأَحَقُّهُمْ بِذَلِكَ آخِرُهُمْ نَوْمًا فَمَنْ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ كَانَ لِلسُّنَّةِ مُخَالِفًا وَلِأَدَائِهَا تَارِكًا .

ثُمَّ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَاءَتْ فَأْرَةٌ فَجَرَّتِ الْفَتِيلَةَ فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا ، فَأَحْرَقَتْ مِنْهَا مِثْلَ مَوْضِعِ الدِّرْهَمِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا سِرَاجَكُمْ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذِهِ عَلَى هَذَا فَيُحْرِقُكُمْ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ سَبَبِ الْأَمْرِ أَيْضًا ، وَبَيَانُ الْحَامِلِ لِلْفُوَيْسِقَةِ - وَهِيَ الْفَأْرَةُ - عَلَى جَرِّ الْفَتِيلَةِ ، وَهُوَ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَعِينُ وَهُوَ - عَدُوُّ الْإِنْسَانِ عَلَيْهِ - بَعْدُوٍّ آخَرَ وَهِيَ النَّارُ - أَعَاذَنَا اللَّهُ بِكَرَمِهِ مِنْ كَيَدِ الْأَعْدَاءِ إِنَّهُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ فِي إِطْفَاءِ السِّرَاجِ الْحَذَرَ مِنْ جَرِّ الْفُوَيْسِقَةِ الْفَتِيلَةَ ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ السِّرَاجَ إِذَا كَانَ عَلَى هَيْئَةٍ لَا تَصِلُ إِلَيْهَا الْفَأْرَةُ لَا يُمْنَعُ إِيقَادُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى مَنَارَةٍ مِنْ نُحَاسٍ أَمْلَسَ لَا يُمَكِّنُ الْفَأْرَةَ الصُّعُودَ إِلَيْهِ أَوْ يَكُونُ مَكَانَهُ بَعِيدًا عَنْ مَوْضِعٍ يُمْكِنُهَا أَنْ تَثِبَ مِنْهُ إِلَى السِّرَاجِ .

قَالَ : وَأَمَّا وُرُودُ الْأَمْرِ بِإِطْفَاءِ النَّارِ مُطْلَقًا كَمَا فِي حَدِيثَيِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي مُوسَى - وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ نَارِ السِّرَاجِ - فَقَدْ يَتَطَرَّقُ مِنْهُ مَفْسَدَةٌ أُخْرَى غَيْرُ جَرِّ الْفَتِيلَةِ كَسُقُوطِ شَيْءٍ مِنَ السِّرَاجِ عَلَى بَعْضِ مَتَاعِ الْبَيْتِ ، وَكَسُقُوطِ الْمَنَارَةِ فَيُنْثَرُ السِّرَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْمَتَاعِ فَيُحْرِقُهُ فَيَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِيثَاقِ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِذَا اسْتَوْثَقَ بِحَيْثُ يُؤْمَنُ مَعَهُ الْإِحْرَاقُ فَيَزُولُ الْحُكْمُ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ . قُلْتُ : وَقَدْ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِذَلِكَ فِي الْقِنْدِيلِ مَثَلًا ؛ لِأَنَّهُ يُؤْمَنُ مَعَهُ الضَّرَرُ الَّذِي لَا يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي السِّرَاجِ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَيْضًا : هَذِهِ الْأَوَامِرُ لَمْ يَحْمِلْهَا الْأَكْثَرُ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَيَلْزَمُ أَهْلَ الظَّاهِرِ حَمْلُهَا عَلَيْهِ ، قَالَ : وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالظَّاهِرِيِّ بَلِ الْحَمْلُ عَلَى الظَّاهِرِ إِلَّا لِمُعَارِضٍ ظَاهِرٍ يَقُولُ بِهِ أَهْلُ الْقِيَاسِ ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الظَّاهِرِ أَوْلَى بِالِالْتِزَامِ بِهِ لِكَوْنِهِمْ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى الْمَفْهُومَاتِ وَالْمُنَاسَبَاتِ ، وَهَذِهِ الْأَوَامِرُ تَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ مَقَاصِدِهَا فَمِنْهَا مَا يُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ وَهُوَ التَّسْمِيَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَمِنْهَا مَا يُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ وَالْإِرْشَادِ مَعًا كَإِغْلَاقِ الْأَبْوَابِ مِنْ أَجْلِ التَّعْلِيلِ بِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا ؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ مِنْ مُخَالَطَةِ الشَّيْطَانِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ مَصَالِحُ دُنْيَوِيَّةٌ كَالْحِرَاسَةِ ، وَكَذَا إِيكَاءُ السِّقَاءِ وَتَخْمِيرُ الْإِنَاءِ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث