بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ ، فَقَالَتَا لِي : إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا فَخَرَجَتَا ، وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَجُوزَيْنِ .. . وَذَكَرْتُ لَهُ ، فَقَالَ : صَدَقَتَا ، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ كُلُّهَا ، فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَجَرِيرٌ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ ، وَأَبُو وَائِلٍ هُوَ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَهُوَ وَمَسْرُوقٌ شَيْخُهُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ إِلَى عَائِشَةَ ، وَرِوَايَةُ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ مِنَ الْأَقْرَانِ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُسْتَمْلِي ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : مَنْصُورٌ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، وَمَسْرُوقٌ عَنْ عَائِشَةَ بِوَاوٍ بَدَلَ عَنْ ، قَالَ : وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، وَلَا يُحْفَظُ لِأَبِي وَائِلٍ عَنْ عَائِشَةَ رِوَايَةٌ . قُلْتُ : أَمَّا كَوْنُهُ الصَّوَابَ ، فَصَوَابٌ ؛ لِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ فِي الْبُخَارِيِّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ مَنْصُورٍ ، وَأَمَّا النَّفْيُ فَمَرْدُودٌ ؛ فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَائِشَةَ حَدِيثَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : مَا رَأَيْتُ الْوَجَعَ عَلَى أَحَدٍ أَشَدَّ مِنْهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ، وَالثَّانِي : إِذَا تَصَدَّقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ : سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنْ عَائِشَةَ ، وَهَذَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مَنْصُورٍ ، وَالْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ، وَهَذَا جَمِيعُ مَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ لِأَبِي وَائِلٍ عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَائِشَةَ حَدِيثَ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا دُونَهَا ، إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً الْحَدِيثَ ، وَفِي بَعْضِ هَذَا مَا يَرُدُّ إِطْلَاقَ أَبِي عَلِيٍّ .
قَوْلُهُ : ( دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ ) عُجُزِ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ بَعْدَهَا زَايٌ ، جَمْعُ عَجُوزٍ ، مِثْلُ عَمُودٍ وَعُمُدٍ ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى عَجَائِزَ ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ ، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : وَلَا يُقَالُ عَجُوزَةٌ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : هِيَ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ . وَقَوْلُهُ : وَلَمْ أُنْعِمْ هُوَ رُبَاعِيٌّ مِنْ أَنْعَمَ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا لَمْ تُصَدِّقْهُمَا أَوَّلًا . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ .. .
وَذَكَرْتُ لَهُ ، فَقَالَ : صَدَقَتَا ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : حُذِفَ خَبَرُ إِنَّ لِلْعِلْمِ بِهِ ، وَالتَّقْدِيرُ : دَخَلَتَا . قُلْتُ : ظَهَرَ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ هُوَ الَّذِي اخْتَصَرَهُ ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَسَاقَهُ ، وَلَفْظُهُ : فَقُلْتُ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عَجَائِزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ ، فَزَعَمَتَا أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ ، فَقَالَ : صَدَقَتَا ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَرِيرٍ شَيْخِ عُثْمَانَ فِيهِ ، فَعَلَى هَذَا فَيُضْبَطُ : وَذَكَرْتُ لَهُ بِضَمِّ التَّاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، أَيْ : ذَكَرْتُ لَهُ مَا قَالَتَا ، وَقَوْلُهُ : تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى ، وَبَيَّنْتُ طَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَ جَزْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُنَا بِتَصْدِيقِ الْيَهُودِيَّتَيْنِ فِي إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ : عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ ، فَقَالَ : إِنَّمَا يُفْتَنُ يَهُودُ فَجَرَى عَلَى مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ ، ثُمَّ لَمَّا عَلِمَ بِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ لِغَيْرِ الْيَهُودِ اسْتَعَاذَ مِنْهُ وَعَلَّمَهُ ، وَأَمَرَ بِإِيقَاعِهِ فِي الصَّلَاةِ ؛ لِيَكُونَ أَنْجَحَ فِي الْإِجَابَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .