بَاب الْمَوْعِظَةِ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ
بَاب الْمَوْعِظَةِ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ 6411 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ : حَدَّثَنِي شَقِيقٌ ، قَالَ : كُنَّا نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللَّهِ إِذْ جَاءَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قلت : أَلَا تَجْلِسُ ، قَالَ : لَا وَلَكِنْ أَدْخُلُ فَأُخْرِجُ إِلَيْكُمْ صَاحِبَكُمْ وَإِلَّا جِئْتُ أَنَا فَجَلَسْتُ فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِهِ ، فَقَامَ عَلَيْنَا فَقَالَ : أَمَا إِنِّي أُخْبَرُ بِمَكَانِكُمْ وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا . قَوْلُهُ ( بَابُ الْمَوْعِظَةِ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ ) مُنَاسَبَةُ هَذَا الْبَابِ لِكِتَابِ الدَّعَوَاتِ أَنَّ الْمَوْعِظَةَ يُخَالِطُهَا غَالِبًا التَّذْكِيرُ بِاللَّهِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الذِّكْرَ مِنْ جُمْلَةِ الدُّعَاءِ وَخَتَمَ بِهِ أَبْوَابَ الدَّعَوَاتِ الَّتِي عَقَّبَهَا بِكِتَابِ الرِّقَاقِ لِأَخْذِهِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا شَوْبًا .
قَوْلُهُ ( حَدَّثَنِي شَقِيقٌ ) هُوَ أَبُو وَائِلٍ وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَقَدْ ذَكَرْتُ هُنَاكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِسَمَاعِ الْأَعْمَشِ لَهُ مِنْ أَبِي وَائِلٍ . قَوْلُهُ ( كُنَّا نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللَّهِ ) يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ . قَوْلُهُ ( إِذْ جَاءَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ شَقِيقٍ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ بَابِ عَبْدِ اللَّهِ نَنْتَظِرُهُ فَمَرَّ بِنَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيُّ .
قُلْتُ : وَهُوَ كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ عَابِدٌ ، ذَكَرَ الْعِجْلِيُّ أَنَّهُ مِنْ طَبَقَةِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّهُ قُتِلَ غَازِيًا بِفَارِسَ كَأَنَّهُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَا أَحْفَظُ لَهُ رِوَايَةً وَهُوَ نَخَعِيٌّ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى ابْنِ التِّينِ فِي حِكَايَتِهِ أَنَّهُ عَبْسِيٌّ بِالْمُوَحَّدَةِ . قَوْلُهُ ( قُلْتُ : أَلَا تَجْلِسُ ؟ قَالَ : لَا وَلَكِنْ أَدْخُلُ فَأُخْرِجُ إِلَيْكُمْ صَاحِبَكُمْ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَقُلْنَا : أَعْلِمْهُ بِمَكَانِنَا فَدَخَلَ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ ( أَمَا إِنِّي ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ ( أُخْبَر ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ جَوَابُ قَوْلِهِمْ وَدِدْنَا أَنَّكَ لَوْ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ وَأَنَّهُ كَانَ يُذَكِّرُهُمْ كُلَّ خَمِيسٍ .
وَزَادَ فِيهِ : أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَمَلَّكُمْ . قَوْلُهُ ( كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ ) تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ وَبَيَانُ مَعْنَاهُ وَقَوْلُ مَنْ حَدَّثَ بِهِ بِالنُّونِ بَدَلَ اللَّامِ مِنْ يَتَخَوَّلُنَا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يُرَاعِي الْأَوْقَاتِ فِي تَعْلِيمِهِمْ وَوَعْظِهِمْ وَلَا يَفْعَلُهُ كُلَّ يَوْمٍ خَشْيَةَ الْمَلَلِ وَالتَّخَوُّلُ التَّعَهُّدُ ، وَقِيلَ : إِنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَفَسَّرَهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ يَتَفَقَّدُ أَحْوَالَهُمُ الَّتِي يَحْصُلُ لَهُمْ فِيهَا النَّشَاطُ لِلْمَوْعِظَةِ فَيَعِظُهُمْ فِيهَا وَلَا يُكْثِرُ عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَمَلُّوا حَكَى ذَلِكَ الطِّيبِيُّ ، ثُمَّ قَالَ : وَلَكِنَّ الرِّوَايَةَ فِي الصِّحَاحِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ .
قَوْلُهُ ( فِي الْأَيَّامِ ) يَعْنِي فَيُذَكِّرُهُمْ أَيَّامًا وَيَتْرُكُهُمْ أَيَّامًا ، فَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً . قَوْلُهُ ( كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا ) أَيْ أَنْ تَقَعَ مِنَّا السَّآمَةُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ عَلَيْنَا فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَأَنَّ السَّآمَةَ ضُمِّنَتْ مَعْنَى الْمَشَقَّةِ فَعُدِّيَتْ بِعَلَى ، وَفِيهِ رِفْقُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَصْحَابِهِ وَحُسْنُ التَّوَصُّلِ إِلَى تَعْلِيمِهِمْ وَتَفْهِيمِهِمْ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ بِنَشَاطٍ لَا عَنْ ضَجَرٍ وَلَا مَلَلٍ وَيُقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ التَّعْلِيمَ بِالتَّدْرِيجِ أَخَفُّ مُؤْنَةً وَأَدْعَى إِلَى الثَّبَاتِ مِنْ أَخْذِهِ بِالْكَدِّ وَالْمُغَالَبَةِ ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِابْنِ مَسْعُودٍ لِمُتَابَعَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَمُحَافَظَتِهِ عَلَى ذَلِكَ . ( خَاتِمَة ) : اشْتَمَلَ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا مِنْهَا أَحَدٌ وَأَرْبَعُونَ مُعَلَّقَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَةٌ وَأَحَدٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا وَالْبَقِيَّةُ خَالِصَةٌ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ شَدَّادٍ فِي سَيِّدِ الِاسْتِغْفَارِ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي عَدَدِ الِاسْتِغْفَارِ كُلَّ يَوْمٍ وَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ فِي الْقَوْلِ عِنْدَ النَّوْمِ وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي ذَلِكَ وَحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي اجْتِنَابِ السَّجْعِ فِي الدُّعَاءِ وَحَدِيثِ جَابِرٍ فِي الِاسْتِخَارَةِ وَحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ فِي التَّهْلِيلِ ، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ تِسْعَةُ آثَارٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .