بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْمَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ
بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا الْمَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، وَقَوله تَعَالَى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قَالَ عُمَرُ : اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَهُ لَنَا ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ . 6441 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَانِي ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ، ثُمَّ قَالَ : إن هَذَا الْمَالُ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ : قَالَ لِي يَا حَكِيمُ ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ - خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا فِي بَابِ مَا يُحْذَرُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ .
قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُهُ تَعَالَى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ الْآيَةَ ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلِأَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ حُبُّ الشَّهَوَاتِ الْآيَةَ ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِثْلُ أَبِي ذَرٍّ ، وَزَادَ : إِلَى قَوْلِهِ : ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَسَاقَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ . وَقَوْلُهُ زُيِّنَ قِيلَ : الْحِكْمَةُ فِي تَرْكِ الْإِفْصَاحِ بِالَّذِي زُيِّنَ أَنْ يَتَنَاوَلَ اللَّفْظُ جَمِيعَ مَنْ تَصِحُّ نِسْبَةُ التَّزْيِينِ إِلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ أَحَاطَ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْفَاعِلُ بِالْحَقِيقَةِ ، فَهُوَ الَّذِي أَوْجَدَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَهَيَّأَهَا لِلِانْتِفَاعِ ، وَجَعَلَ الْقُلُوبَ مَائِلَةً إِلَيْهَا ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِالتَّزْيِينِ لِيَدْخُلَ فِيهِ حَدِيثُ النَّفْسِ وَوَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ ، وَنِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - بِاعْتِبَارِ الْخَلْقِ وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّهْيِئَةِ ، وَنِسْبَةُ ذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ بِاعْتِبَارِ مَا أَقْدَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ التَّسَلُّطِ عَلَى الْآدَمِيِّ بِالْوَسْوَسَةِ النَّاشِئِ عَنْهَا حَدِيثُ النَّفْسِ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ بَدَأَ فِي الْآيَةِ بِالنِّسَاءِ ؛ لِأَنَّهُنَّ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ فِتْنَةً لِلرِّجَالِ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ : مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ قَالَ : وَمَعْنَى تَزْيِينِهَا إِعْجَابُ الرَّجُلِ بِهَا وَطَوَاعِيَتُهُ لَهَا ، وَالْقَنَاطِيرُ جَمْعُ قِنْطَارٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِهِ فَقِيلَ : سَبْعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ وَقِيلَ : سَبْعَةُ آلَافِ دِينَارٍ وَقِيلَ : مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا ، وَقِيلَ : مِائَةُ رِطْلٍ وَقِيلَ : أَلْفُ مِثْقَالٍ وَقِيلَ : أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ وَقِيلَ : مَعْنَاهُ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ مَأْخُوذٌ مِنْ عَقْدِ الشَّيْءِ وَإِحْكَامِهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ : الْقَوْلُ الْأَخِيرُ قِيلَ هَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ ، لَكِنْ يَخْتَلِفُ الْقِنْطَارُ فِي الْبِلَادِ بِاخْتِلَافِهَا فِي قَدْرِ الْوُقِيَّةِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُمَرُ : اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَهُ لَنَا ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ ) سَقَطَ هَذَا التَّعْلِيقُ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ ، وَفِي هَذَا الْأَثَرِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ فَاعِلَ التَّزْيِينِ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ هُوَ اللَّهُ ، وَأَنَّ تَزْيِينَ ذَلِكَ بِمَعْنَى تَحْسِينِهِ فِي قُلُوبِ بَنِي آدَمَ وَأَنَّهُمْ جُبِلُوا عَلَى ذَلِكَ ، لَكِنَّ مِنْهُمْ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلَى مَا طُبِعَ عَلَيْهِ مَنْ ذَلِكَ وَانْهَمَكَ فِيهِ وَهُوَ الْمَذْمُومُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَاعَى فِيهِ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ ، وَوَقَفَ عِنْدَ مَا حُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ بِمُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَهُ فَهَذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الذَّمُّ ، وَمِنْهُمْ مَنِ ارْتَقَى عَنْ ذَلِكَ فَزَهِدَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ مَعَ إِقْبَالِهِ عَلَيْهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْهُ ، فَهَذَا هُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ عُمَرَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ . وَأَثَرُهُ هَذَا وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى بِمَالٍ مِنَ الْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهُ : نَفْلُ كِسْرَى ، فَأَمَرَ بِهِ فَصُبَّ وَغُطِّيَ ، ثُمَّ دَعَا النَّاسَ فَاجْتَمَعُوا ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَكُشِفَ عَنْهُ فَإِذَا حُلِيٌّ كَثِيرٌ وَجَوْهَرٌ وَمَتَاعٌ ، فَبَكَى عُمَرُ وَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالُوا لَهُ : مَا يُبْكِيكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ هَذِهِ غَنَائِمُ غَنِمَهَا اللَّهُ لَنَا وَنَزَعَهَا مِنْ أَهْلِهَا ، فَقَالَ : مَا فُتِحَ مِنْ هَذَا عَلَى قَوْمٍ إِلَّا سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا حُرْمَتَهُمْ . قَالَ : فَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّهُ بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ مَنَاطِقُ وَخَوَاتِمُ فَرُفِعَ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَمَ : حَتَّى مَتَى تَحْبِسُهُ لَا تُقَسِّمُهُ ؟ قَالَ : بَلَى إِذَا رَأَيْتَنِي فَارِغًا فَآذِنِّي بِهِ ، فَلَمَّا رَآهُ فَارِغًا بَسَطَ شَيْئًا فِي حُشِّ نَخْلَةٍ ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ فِي مِكْتَلٍ فَصَبَّهُ ، فَكَأَنَّهُ اسْتَكْثَرَهُ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَنْتَ قُلْتَ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ فَتَلَا الْآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ : لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ نُحِبَّ مَا زَيَّنْتَ لَنَا ، فَقِنِي شَرَّهُ وَارْزُقْنِي أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّكَ ، فَمَا قَامَ حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى الْمَدَنِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ نَحْوَهُ ، وَهَذَا مَوْصُولٌ لَكِنْ فِي سَنَدِهِ إِلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ ضَعْفٌ ، وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَاسْتَحَلُّوا حُرْمَتَهُمْ وَقَطَعُوا أَرْحَامَهُمْ : فَمَا رَامَ حَتَّى قَسَمَهُ ، وَبَقِيَتْ مِنْهُ قِطَعٌ ، وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ يَتَزَيَّنَ لَنَا مَا زَيَّنْت لَنَا ، وَالْبَاقِي نَحْوُهُ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ قِصَّةً أُخْرَى .
قَوْلُهُ : ( سُفْيَانُ ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ : إِنَّ هَذَا الْمَالَ - رُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ : قَالَ لِي يَا حَكِيمُ ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ ) فَاعِلُ قَالَ أَوَّلًا هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْقَائِلُ رُبَّمَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدَايِنِيِّ رَاوِيهِ عَنْ سُفْيَانَ ، وَالْقَائِلُ قَالَ لِي هُوَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ صَحَابِيُّ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ، وَحَكِيمٌ بِالرَّفْعِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ مُنَادًى مُفْرَدٌ ، حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ حَكِيمًا قَالَ لِسُفْيَانَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ ، لِأَنَّ بَيْنَ وَفَاةِ حَكِيمٍ وَمَوْلِدِ سُفْيَانَ نَحْوَ الْخَمْسِينَ سَنَةً ، وَلِهَذَا لَا يُقْرَأُ حَكِيمٌ بِالتَّنْوِينِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ سُفْيَانَ رَوَاهُ مَرَّةً بِلَفْظِ : ثُمَّ قَالَ ؛ أَيِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ هَذَا الْمَالَ ، وَمَرَّةً بِلَفْظِ : ثُمَّ قَالَ لِي : يَا حَكِيمُ ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ إِلَخْ ، وَقَدْ وَقَعَ بِإِثْبَاتِ حَرْفِ النِّدَاءِ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ ، وَإِنَّمَا سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ قَوْلِهِ : فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ إِلَخْ فِي بَابِ : الِاسْتِعْفَافِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ قَوْلِهِ فِي آخِرِهِ : وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى فِي بَابِ لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ أَيْضًا ، وَقَوْلُهُ : بُورِكَ لَهُ فِيهِ ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سُفْيَانَ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ ، وَإِبْرَاهِيمُ كَانَ أَحَدَ الْحُفَّاظِ وَفِيهِ مَقَالٌ .