حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب فَضْلِ الْفَقْرِ

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : لَقَدْ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ ، إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي ، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ ، وَأَبُو شَيْبَةَ جَدُّهُ لِأَبِيهِ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَاسْمُهُ إِبْرَاهِيمَ ، أَصْلُهُ مِنْ وَاسِطَ ، وَسَكَنَ الْكُوفَةَ وَهُوَ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْكِبَارِ ، وَقَدْ أَكْبرَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ ، وَكَذَا مُسْلِمٌ لَكِنْ مُسْلِمٌ يُكَنِّيهِ دَائِمًا ، وَالْبُخَارِيُّ يُسَمِّيهِ وَقَلَّ أَنْ كَنَّاهُ . قَوْلُهُ : ( وَمَا فِي بَيْتِي شَيْءٌ إِلَخْ ) لَا يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَصَايَا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْمُصْطَلِقِيِّ : مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ مَوْتِهِ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَيْئًا ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالشَّيْءِ الْمَنْفِيِّ مَا تَخَلَّفَ عَنْهُ مِمَّا كَانَ يَخْتَصُّ بِهِ ، وَأَمَّا الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ عَائِشَةُ ، فَكَانَ بَقِيَّةَ نَفَقَتِهَا الَّتِي تَخْتَصُّ بِهَا فَلَمْ يَتَّحِدِ الْمَوْرِدَانِ . قَوْلُهُ : ( يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ ) شَمِلَ جَمِيعَ الْحَيَوَانِ وَانْتَفَى جَمِيعُ الْمَأْكُولَاتِ .

قَوْلُهُ : ( إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ ) الْمُرَادُ بِالشَّطْرِ هُنَا الْبَعْضُ ، وَالشَّطْرُ يُطْلَقُ عَلَى النِّصْفِ وَعَلَى مَا قَارَبَهُ وَعَلَى الْجِهَةِ وَلَيْسَتْ مُرَادَةً هُنَا ، وَيُقَالُ : أَرَادَتْ نِصْفَ وَسْقٍ . قَوْلُهُ : ( فِي رَفٍّ لِي ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الرَّفُّ شِبْهُ الطَّاقِ فِي الْحَائِطِ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : الرَّفُّ خَشَبٌ يَرْتَفِعُ عَنِ الْأَرْضِ فِي الْبَيْتِ يُوضَعُ فِيهِ مَا يُرَادُ حِفْظُهُ . قُلْتُ : وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ لِلْمُرَادِ .

قَوْلُهُ : ( فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ ، فَكِلْتُهُ ) بِكَسْرِ الْكَافِ ( فَفَنِيَ ) ؛ أَيْ فَرَغَ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : حَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْأَخْذِ مِنَ الْعَيْشِ بِالِاقْتِصَادِ وَمَا يَسُدُّ الْجَوْعَةَ . قُلْتُ : إِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُؤْثِرُ بِمَا عِنْدَهُ ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَاءَهُ مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ خَيْبَرَ وَغَيْرِهَا مِنْ تَمْرٍ وَغَيْرِهِ يَدَّخِرُ قُوتَ أَهْلِهِ سَنَةً ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ عِنْدَهُ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ - تَعَالَى - ، ثُمَّ كَانَ مَعَ ذَلِكَ إِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ طَارِئٌ ، أَوْ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ يُشِيرُ عَلَى أَهْلِهِ بِإِيثَارِهِمْ ، فَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى نَفَادِ مَا عِنْدَهُمْ أَوْ مُعْظَمِهِ .

وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ ، وَلَوْ شِئْنَا لَشَبِعْنَا ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهَا : فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِيهِ أَنَّ الطَّعَامَ الْمَكِيلَ يَكُونُ فَنَاؤُهُ مَعْلُومًا لِلْعِلْمِ بِكَيْلِهِ ، وَأَنَّ الطَّعَامَ غَيْرَ الْمَكِيلِ فِيهِ الْبَرَكَةُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ مِقْدَارُهُ قُلْتُ : فِي تَعْمِيمِ كُلِّ الطَّعَامِ بِذَلِكَ نَظَرٌ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْخُصُوصِيَّةِ لِعَائِشَةَ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي أَذْكُرُهُ آخِرَ الْبَابِ ، وَوَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مِزْوَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَحَسَّنَهُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَمَرَاتٍ فَقُلْتُ : ادْعُ لِي فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ ، قَالَ فَقَبَضَ ثُمَّ دَعَا ثُمَّ قَالَ : خُذْهُنَّ فَاجْعَلْهُنَّ فِي مِزْوَدٍ ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُنَّ ، فَأَدْخِلْ يَدَكَ فَخُذْ وَلَا تَنْثُرْ بِهِنَّ نَثْرًا ، فَحَمَلْتُ مِنْ ذَلِكَ كَذَا وَكَذَا وَسْقًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَكُنَّا نَأْكُلُ وَنُطْعِمُ ، وَكَانَ الْمِزْوَدُ مُعَلَّقًا بِحَقْوِي لَا يُفَارِقُهُ ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ انْقَطَعَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُطَوَّلًا وَفِيهِ : فَأَدْخِلْ يَدَكَ فَخُذْ ، وَلَا تُكْفِئْ فَيُكْفَأَ عَلَيْكَ ، وَمِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ ، وَنَحْوَهُ مَا وَقَعَ فِي عُكَّةِ الْمَرْأَةِ ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ أُمَّ مَالِكٍ كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عُكَّةٍ لَهَا سَمْنًا ، فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا فَيَسْأَلُونَ الْأُدْمَ ، فَتَعْمَدُ إِلَى الْعُكَّةِ ، فَتَجِدُ فِيهَا سَمْنًا ، فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدْمَ بَيْتِهَا حَتَّى عَصَرَتْهُ ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : لَوْ تَرَكْتِهَا مَا زَالَ قَائِمًا ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذَا النَّهْيُ مَعَ الْأَمْرِ بِكَيْلِ الطَّعَامِ ، وَتَرْتِيبِ الْبَرَكَةِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ بِلَفْظِ : كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَيْلَ عِنْدَ الْمُبَايَعَةِ مَطْلُوبٌ مِنْ أَجْلِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَلِهَذَا الْقَصْدِ يُنْدَبُ ، وَأَمَّا الْكَيْلُ عِنْدَ الْإِنْفَاقِ فَقَدْ يَبْعَثُ عَلَيْهِ الشُّحُّ فَلِذَلِكَ كُرِهَ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَطْعِمُهُ ، فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسْقِ شَعِيرٍ ، فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ وَامْرَأَتُهُ وَضَيْفُهُمَا حَتَّى كَالَهُ ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ وَلَقَامَ لَكُمْ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : سَبَبُ رَفْعِ النَّمَاءِ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَصْرِ وَالْكَيْلِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - الِالْتِفَاتُ بِعَيْنِ الْحِرْصِ مَعَ مُعَايَنَةِ إِدْرَارِ نِعَمِ اللَّهِ ، وَمَوَاهِبِ كَرَامَاتِهِ وَكَثْرَةِ بَرَكَاتِهِ ، وَالْغَفْلَةُ عَنِ الشُّكْرِ عَلَيْهَا وَالثِّقَةُ بِالَّذِي وَهَبَهَا ، وَالْمَيْلُ إِلَى الْأَسْبَابِ الْمُعْتَادَةِ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ خَرْقِ الْعَادَةِ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ رُزِقَ شَيْئًا ، أَوْ أُكْرِمَ بِكَرَامَةٍ ، أَوْ لُطِفَ بِهِ فِي أَمْرٍ مَا فَالْمُتَعَيِّنُ عَلَيْهِ مُوَالَاةُ الشُّكْرِ ، وَرُؤْيَةُ الْمِنَّةِ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَلَا يُحْدِثُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ تَغْيِيرًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث