بَاب كَيْفَ كَانَ عَيْشُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَتَخَلِّيهِمْ مِنْ الدُّنْيَا
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ قَالَ : سَمِعْتُ سَعْدًا يَقُولُ : إِنِّي لَأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَرَأَيْتُنَا نَغْزُو وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ وَهَذَا السَّمُرُ ، وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ مَا لَهُ خِلْطٌ ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الْإِسْلَامِ ، خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ سَعْيِي . الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَوْلُهُ : ( يَحْيَى ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَسَعْدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ . قَوْلُهُ : ( إِنِّي لَأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) ، زَادَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ بَيَانٍ عَنْ قَيْسٍ : سَمِعْتُ سَعْدًا يَقُولُ : إِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ أَهَرَاقَ دَمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعْدٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي السَّرِيَّةِ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا مَعَ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ فِي سِتِّينَ رَاكِبًا ، وَهِيَ أَوَّلُ السَّرَايَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ .
قَوْلُهُ : ( وَرَأَيْتُنَا ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ . قَوْلُهُ : ( وَرَقُ الْحُبْلَةِ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَبِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْضًا ، وَوَقَعَ فِي مَنَاقِبِ سَعْدٍ بِالتَّرَدُّدِ بَيْنَ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ . قَوْلُهُ : ( وَهَذَا السَّمُرُ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ : هُمَا نَوْعَانِ مِنْ شَجَرِ الْبَادِيَةِ ، وَقِيلَ : الْحُبْلَةُ ثَمَرُ الْعِضَاهِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَةِ شَجَرُ الشَّوْكِ كَالطَّلْحِ وَالْعَوْسَجِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا جَيِّدٌ عَلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ لِعَطْفِهِ الْوَرَقَ عَلَى الْحُبْلَةِ .
قُلْتُ : هِيَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ : إِلَّا الْحُبْلَةُ وَوَرَقُ السَّمُرِ ، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَابْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَفِي رِوَايَةِ بَيَانٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ : وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَغْزُو فِي الْعِصَابَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا نَأْكُلُ إِلَّا وَرَقَ الشَّجَرِ وَالْحُبْلَةَ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ عِنْدَ مُسْلِمٍ : إِلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ هَذَا السَّمُرُ ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : الْحُبْلَةُ ثَمَرُ السَّمُرِ يُشْبِهُ اللُّوبِيَة ، وَفِي رِوَايَةِ التَّيْمِيِّ ، وَالطَّبَرِيِّ فِي مُسْلِمٍ : وَهَذَا السَّمُرُ بِزِيَادَةِ وَاوٍ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ أَحْسَنُهَا ؛ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْوَرَقِ وَالسَّمُرِ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا . قَوْلُهُ : ( لَيَضَعُ ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ كِنَايَةٌ عَنِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ فِي حَالِ التَّغَوُّطِ . قَوْلُهُ : ( كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ ) زَادَ بَيَانٌ فِي رِوَايَتِهِ وَالْبَعِيرُ .
قَوْلُهُ : ( مَا لَهُ خِلْطٌ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ ؛ أَيْ يَصِيرُ بَعْرًا لَا يَخْتَلِطُ مِنْ شِدَّةِ الْيُبْسِ النَّاشِئِ عَنْ قَشَفِ الْعَيْشِ ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي مَنَاقِبِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ ) ؛ أَيِ ابْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ ، وَبَنُو أَسَدٍ هُمْ إِخْوَةُ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ جَدِّ قُرَيْشٍ ، وَبَنُو أَسَدٍ كَانُوا فِيمَنِ ارْتَدَّ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَبِعُوا طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيَّ لَمَّا ادَّعَى النُّبُوَّةَ ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَكَسَرَهُمْ وَرَجَعَ بَقِيَّتُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَتَابَ طُلَيْحَةُ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ ، وَسَكَنَ مُعْظَمُهُمُ الْكُوفَةَ بَعْدَ ذَلِكَ ، ثُمَّ كَانُوا مِمَّنْ شَكَا سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَهُوَ أَمِيرُ الْكُوفَةِ إِلَى عُمَرَ حَتَّى عَزَلَهُ ، وَقَالُوا فِي جُمْلَةٍ مَا شَكَوْهُ : إِنَّهُ لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي بَابِ وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ مِنْ أَبْوَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ ، وَبَيَّنْتُ أَسْمَاءَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ بَنِي أَسَدٍ الْمَذْكُورِينَ ، وَأَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَنَقَلَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مُرَادَ سَعْدٍ بِقَوْلِهِ : فَأَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ بَنُو الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَامِّ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الْقِصَّةَ إِنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي وَقَعَتْ فِي عَهْدِ عُمَرَ فَلَمْ يَكُنْ لِلزُّبَيْرِ إِذْ ذَاكَ بَنُونَ يَصِفُهُمْ سَعْدٌ بِذَلِكَ ، وَلَا يَشْكُو مِنْهُمْ ، فَإِنَّ أَبَاهُمُ الزُّبَيْرَ كَانَ إِذْ ذَاكَ مَوْجُودًا وَهُوَ صَدِيقُ سَعْدٍ ، وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ . قَوْلُهُ : ( تُعَزِّرُنِي ) ؛ أَيْ تُوقِفُنِي ، وَالتَّعْزِيزُ التَّوْقِيفُ عَلَى الْأَحْكَامِ وَالْفَرَائِضِ ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَاهُ تُقَوِّمُنِي وَتُعَلِّمُنِي ، وَمِنْهُ تَعْزِيرُ السُّلْطَانِ وَهُوَ التَّقْوِيمُ بِالتَّأْدِيبِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ سَعْدًا أَنْكَرَ أَهْلِيَّةَ بَنِي أَسَدٍ لِتَعْلِيمِهِ الْأَحْكَامَ مَعَ سَابِقِيَّتِهِ وَقِدَمِ صُحْبَتِهِ ، وَقَالَ الْحَرْبِيُّ : مَعْنَى تُعَزِّرُنِي تَلُومُنِي وَتَعْتِبُنِي ، وَقِيلَ : تُوَبِّخُنِي عَلَى التَّقْصِيرِ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ أَنْ حَكَى ذَلِكَ : فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ بُعْدٌ عَنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ ، قَالَ : وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْأَلْيَقَ بِمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّعْزِيرِ هُنَا الْإِعْظَامُ وَالتَّوْقِيرُ كَأَنَّهُ وَصَفَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ حَالَتُهُمْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مِنْ شِدَّةِ الْحَالِ وَخُشُونَةِ الْعَيْشِ وَالْجَهْدِ ، ثُمَّ إِنَّهُمُ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِمُ الدُّنْيَا بِالْفُتُوحَاتِ وَوُلُّوا الْوِلَايَاتِ ، فَعَظَّمَهُمُ النَّاسُ لشُهْرَتِهِمْ وَفَضْلِهِمْ ، فَكَأَنَّهُ كَرِهَ تَعْظِيمَ النَّاسِ لَهُ ، وَخَصَّ بَنِي أَسَدٍ بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَفْرَطُوا فِي تَعْظِيمِهِ ، قَالَ : وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ الَّذِي بَعْدَهُ فِي مُسْلِمٍ نَحْوُ حَدِيثِ سَعْدٍ فِي الْإِشَارَةِ إِلَى مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ ضِيقِ الْعَيْشِ ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ : فَالْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ - أَيِ ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - فَاتَّزَرْتُ بِنِصْفِهَا ، وَاتَّزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا ، فَمَا أَصْبَحَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ انْتَهَى ، وَكَانَ عُتْبَةُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرَ الْبَصْرَةِ وَسَعْدٌ أَمِيرَ الْكُوفَةِ .
قُلْتُ : وَهَذَا كُلُّهُ مَرْدُودٌ لِمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّ بَنِي أَسَدٍ شَكَوْهُ ، وَقَالُوا فِيهِ مَا قَالُوا ، وَلِذَلِكَ خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَنَاقِبِ سَعْدٍ بَعْدَ قَوْلِهِ : وَضَلَّ عَمَلِي : وَكَانُوا وَشَوْا بِهِ إِلَى عُمَرَ قَالُوا : لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي ، وَوَقَعَ كَذَلِكَ هُنَا فِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُمْ شَكَوْهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ سَعْدٌ : أَتُعَلِّمُنِي الْأَعْرَابُ الصَّلَاةَ ، فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَتَفْسِيرُ التَّعْزِيرِ عَلَى مَا شَرَحَهُ مَنْ تَقَدَّمَ مُسْتَقِيمٌ ، وَأَمَّا قِصَّةُ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ فَإِنَّمَا قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ مَا قَالَ ؛ لِأَنَّهُ خَطَبَ بِذَلِكَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرٌ ، فَأَرَادَ إِعْلَامَ الْقَوْمِ بِأَوَّلِ أَمْرِهِ وَآخِرِهِ إِظْهَارًا مِنْهُ لِلتَّوَاضُعِ وَالتَّحَدُّثِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ ، وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِالدُّنْيَا ، وَأَمَّا سَعْدٌ فَقَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ عُزِلَ ، وَجَاءَ إِلَى عُمَرَ فَاعْتَذَرَ ، وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ سَعَى فِيهِ بِمَا سَعَى . قَوْلُهُ : ( عَلَى الْإِسْلَامِ ) فِي رِوَايَةِ بَيَانٍ عَلَى الدِّينِ . قَوْلُهُ : ( خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ سَعْيِي ) فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ عَمَلِي كَمَا تَرَى ، وَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ ، وَفِي رِوَايَةِ بَيَانٍ لَقَدْ خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي .
وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ ، عَنْ يَعْلَى ، وَمُحَمَّدٍ ابْنَيْ عُبَيْدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِسَنَدِهِ فِي آخِرِهِ وَضَلَّ عَمَلِيَهْ بِزِيَادَةِ هَاءٍ فِي آخِرِهِ وَهِيَ هَاءُ السَّكْتِ ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : إِنْ قِيلَ : كَيْفَ سَاغَ لِسَعْدٍ أَنْ يَمْدَحَ نَفْسَهُ ، وَمِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ تَرْكُ ذَلِكَ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ ، فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ سَاغَ لَهُ لَمَّا عَيَّرَهُ الْجُهَّالُ بِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ ، فَاضْطَرَّ إِلَى ذِكْرِ فَضْلِهِ ، وَالْمِدْحَةُ إِذَا خَلَتْ عَنِ الْبَغْيِ وَالِاسْتِطَالَةِ ، وَكَانَ مَقْصُودُ قَائِلِهَا إِظْهَارَ الْحَقِّ ، وَشُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ لَمْ يُكْرَهْ ، كَمَا لَوْ قَالَ الْقَائِلُ : إِنِّي لَحَافِظٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَالِمٌ بِتَفْسِيرِهِ وَبِالْفِقْهِ فِي الدِّينِ ، قَاصِدًا إِظْهَارَ الشُّكْرِ أَوْ تَعْرِيفَ مَا عِنْدَهُ لِيُسْتَفَادَ ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ ، وَلِهَذَا قَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَقَالَ عَلِيٌّ : سَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي لَأَتَيْتُهُ ، وَسَاقَ فِي ذَلِكَ أَخْبَارًا وَآثَارًا عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ .