حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الصَّبْرِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ

حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ قَالَ : سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ - أَوْ تَنْتَفِخَ - قَدَمَاهُ ، فَيُقَالُ لَهُ ، فَيَقُولُ : أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ؟ . الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ : قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَرِمَ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَقَوْلُهُ : أَوْ تَنْتَفِخَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَهُوَ بِمَعْنَاهُ ، وَقَوْلُهُ : فَيُقَالُ لَهُ الْقَائِلُ لَهُ ذَلِكَ عَائِشَةُ . قَوْلُهُ : ( أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مَعَ شَرْحِ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ أَبْوَابِ التَّهَجُّدِ ، وَوَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الشُّكْرَ وَاجِبٌ وَتَرْكَ الْوَاجِبِ حَرَامٌ ، وَفِي شَغْلِ النَّفْسِ بِفِعْلِ الْوَاجِبِ صَبْرٌ عَلَى فِعْلِ الْحَرَامِ .

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشُّكْرَ يَتَضَمَّنُ الصَّبْرَ عَلَى الطَّاعَةِ وَالصَّبْرَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ ، قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ : الصَّبْرُ يَسْتَلْزِمُ الشُّكْرَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ ، وَبِالْعَكْسِ فَمَتَى ذَهَبَ أَحَدُهُمَا ذَهَبَ الْآخَرُ ، فَمَنْ كَانَ فِي نِعْمَةٍ فَفَرْضُهُ الشُّكْرُ وَالصَّبْرُ ، أَمَّا الشُّكْرُ فَوَاضِحٌ وَأَمَّا الصَّبْرُ فَعَنِ الْمَعْصِيَةِ ، وَمَنْ كَانَ فِي بَلِيَّةٍ فَفَرْضُهُ الصَّبْرُ وَالشُّكْرُ ، أَمَّا الصَّبْرُ فَوَاضِحٌ وَأَمَّا الشُّكْرُ فَالْقِيَامُ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْبَلِيَّةِ ، فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَى الْعَبْدِ عُبُودِيَّةً فِي الْبَلَاءِ كَمَا لَهُ عَلَيْهِ عُبُودِيَّةً فِي النَّعْمَاءِ ، ثُمَّ الصَّبْرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : صَبْرٌ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فَلَا يَرْتَكِبُهَا ، وَصَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا ، وَصَبْرٌ عَلَى الْبَلِيَّةِ فَلَا يَشْكُو رَبَّهُ فِيهَا ، وَالْمَرْءُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ ، فَالصَّبْرُ لَازِمٌ لَهُ أَبَدًا لَا خُرُوجَ لَهُ عَنْهُ ، وَالصَّبْرُ سَبَبٌ فِي حُصُولِ كُلِّ كَمَالٍ ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ : إِنَّ الصَّبْرَ خَيْرُ مَا أُعْطِيَهُ الْعَبْدُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الصَّبْرُ تَارَةً يَكُونُ لِلَّهِ ، وَتَارَةً يَكُونُ بِاللَّهِ ، فَالْأَوَّلُ الصَّابِرُ لِأَمْرِ اللَّهِ طَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ فَيَصْبِرُ عَلَى الطَّاعَةِ وَيَصْبِرُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ ، وَالثَّانِي : الْمُفَوِّضُ لِلَّهِ بِأَنْ يَبْرَأَ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ وَيُضِيفَ ذَلِكَ إِلَى رَبِّهِ ، وَزَادَ بَعْضُهُمُ الصَّبْرَ عَلَى اللَّهِ ، وَهُوَ الرِّضَا بِالْمَقْدُورِ ، فَالصَّبْرُ لِلَّهِ يَتَعَلَّقُ بِإِلَهِيَّتِهِ وَمَحَبَّتِهِ ، وَالصَّبْرُ بِهِ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ ، وَالثَّالِثُ : يَرْجِعُ إِلَى الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ ، فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنِ الصَّبْرِ عَلَى أَحْكَامِهِ الدِّينِيَّةِ وَهِيَ أَوَامِرُهُ وَنَوَاهِيهِ ، وَالصَّبْرُ عَلَى ابْتِلَائِهِ وَهُوَ أَحْكَامُهُ الْكَوْنِيَّةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث