حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب حِفْظِ اللِّسَانِ

حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ يَزِيدَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا ، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ حَدَّثَنِي بِالْإِفْرَادِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ . قَوْلُهُ : ( ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ دِينَارٍ ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ : أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي حَازِمٍ ، وَعَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيَّ حَدَّثَاهُ عَنْ يَزِيدَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيَّ اقْتَصَرَ عَلَى ابْنِ أَبِي حَازِمٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَدَّثَ عَنْهُمَا ، فَحَذَفَ الْبُخَارِيُّ ذِكْرَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا إِشْكَالَ ، وَعَلَى الثَّانِي يَتَوَقَّفُ الْجَوَازُ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ لِلِاثْنَيْنِ سَوَاءٌ ، وَإنَّ الْمَذْكُورَ لَيْسَ هُوَ لَفْظَ الْمَحْذُوفِ ، أَوْ أَنَّ الْمَعْنَى عَلَيْهِمَا مُتَّحِدٌ تَفْرِيعًا عَلَى جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى ، وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، حَدِيثًا جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ ، وَالدَّرَاوَرْدِيِّ ، وَهُوَ فِي بَابِ فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ .

قَوْلُهُ : ( عَنْ يَزِيدَ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْهَادِ ، وَوَقَعَ مَنْسُوبًا فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورَةِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ التَّيْمِيُّ ، وَرِجَالُ هَذَا الْإِسْنَادِ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ ، وَعِيسَى بْنُ طَلْحَةَ هُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَطَلْحَةَ هُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ يَتَكَلَّمُ بِحَذْفِ اللَّامِ . قَوْلُهُ : ( بِالْكَلِمَةِ ) ؛ أَيِ الْكَلَامِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى مَا يُفْهِمُ الْخَيْرَ أَوِ الشَّرِّ سَوَاءٌ طَالَ أَمْ قَصُرَ ، كَمَا يُقَالُ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ ، وَكَمَا يُقَالُ لِلْقَصِيدَةِ كَلِمَةُ فُلَانٍ .

قَوْلُهُ مَا : ( يَتَبَيَّنُ فِيهَا ) ؛ أَيْ لَا يَتَطَلَّبُ مَعْنَاهَا ، أَيْ لَا يُثْبِتُهَا بِفِكْرِهِ وَلَا يَتَأَمَّلُهَا حَتَّى يَتَثَبَّتَ فِيهَا فَلَا يَقُولُهَا إِلَّا إِنْ ظَهَرَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي الْقَوْلِ ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ : الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُبَيِّنُهَا بِعِبَارَةٍ وَاضِحَةٍ ، وَهَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ بَيَّنَ وَتَبَيَّنَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ : مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا ، وَهَذِهِ أَوْضَحُ ، وَ مَا الْأُولَى نَافِيَةٌ ، و مَا الثَّانِيَةُ مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مَا يَتَّقِي بِهَا وَمَعْنَاهَا يَؤولُ لِمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( يَزِلُّ بِهَا ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الزَّايِ بَعْدَهَا لَامٌ أَيْ يَسْقُطُ . قَوْلُهُ : ( أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ ) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الَّتِي وَقَعَتْ لَنَا فِي الْبُخَارِيِّ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ بِلَفْظِ : أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ بَطَّالٍ وَشَرَحَهُ الْكِرْمَانِيُّ عَلَى مَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَقَالَ : قَوْلُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ لَفْظُ بَيْنَ يَقْتَضِي دُخُولَهُ عَلَى الْمُتَعَدِّدِ ، وَالْمَشْرِقِ مُتَعَدِّدٌ مَعْنًى ؛ إِذْ مَشْرِقُ الصَّيْفِ غَيْرُ مَشْرِقِ الشِّتَاءِ وَبَيْنَهُمَا بُعْدٌ كَبِيرٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اكْتَفَى بِأَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ عَنِ الْآخَرِ مِثْلَ : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ قَالَ : وَقَدْ ثَبَتَ فِي بَعْضِهَا بِلَفْظِ : بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْكَلِمَةُ الَّتِي يَهْوِي صَاحِبُهَا بِسَبَبِهَا فِي النَّارِ هِيَ الَّتِي يَقُولُهَا عِنْدَ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ ، وَزَادَ ابْنُ بَطَّالٍ : بِالْبَغْيِ أَوْ بِالسَّعْيِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَتَكُونُ سَبَبًا لِهَلَاكِهِ وَإِنْ لَمْ يُرِدِ الْقَائِلُ ذَلِكَ لَكِنَّهَا رُبَّمَا أَدَّتْ إِلَى ذَلِكَ فَيُكْتَبُ عَلَى الْقَائِلِ إِثْمُهَا ، وَالْكَلِمَةُ الَّتِي تُرْفَعُ بِهَا الدَّرَجَاتُ وَيُكْتَبُ بِهَا الرِّضْوَانُ هِيَ الَّتِي يَدْفَعُ بِهَا عَنِ الْمُسْلِمِ مَظْلِمَةً ، أَوْ يُفَرِّجَ بِهَا عَنْهُ كُرْبَةً ، أَوْ يَنْصُرَ بِهَا مَظْلُومًا .

وَقَالَ غَيْرُهُ فِي الْأُولَى : هِيَ الْكَلِمَةُ عِنْدَ ذِي السُّلْطَانِ يُرْضِيهِ بِهَا فِيمَا يُسْخِطُ اللَّهَ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : هَذَا هُوَ الْغَالِبُ وَرُبَّمَا كَانَتْ عِنْدَ غَيْرِ ذِي السُّلْطَانِ مِمَّنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ ذَلِكَ . وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا التَّلَفُّظُ بِالسُّوءِ وَالْفُحْشُ مَا لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْجَحْدَ لِأَمْرِ اللَّهِ فِي الدِّينِ ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْخَنَى وَالرَّفَثِ ، وَأَنْ تَكُونَ فِي التَّعْرِيضِ بِالْمُسْلِمِ بِكَبِيرَةٍ أَوْ بِمُجُونٍ ، أَوِ اسْتِخْفَافٍ بِحَقِّ النُّبُوَّةِ وَالشَّرِيعَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ ، وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي لَا يَعْرِفُ الْقَائِلُ حُسْنَهَا مِنْ قُبْحِهَا ، قَالَ : فَيَحْرُمُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا لَا يَعْرِفُ حُسْنَهُ مِنْ قُبْحِهِ . قُلْتُ : وَهَذَا الَّذِي يَجْرِي عَلَى قَاعِدَةٍ مُقَدَّمَةُ الْوَاجِبِ .

وَقَالَ النَّوَوِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَثٌّ عَلَى حِفْظِ اللِّسَانِ ، فَيَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْطِقَ أَنْ يَتَدَبَّرَ مَا يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ ، فَإِنْ ظَهَرَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ تَكَلَّمَ وَإِلَّا أَمْسَكَ ، قُلْتُ : وَهُوَ صَرِيحُ الْحَدِيثِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ . ( تَنْبِيه ) : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ تَأْخِيرُ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنِ الطَّرِيقِ الْأُخْرَى ، وَلِغَيْرِهِ بِالْعَكْسِ ، وَسَقَطَ طَرِيقُ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عِنْدَ النَّسَفِيِّ أَصْلًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث