بَاب فِي الْحَوْضِ
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنْ اللَّبَنِ ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا . الْحَدِيثُ السَّادِسُ : قَوْلُهُ ( نَافِعٌ ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْجُمَحِيُّ الْمَكِّيُّ . قَوْلُهُ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ بِسَنَدِهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَقَدْ خَالَفَ نَافِعُ بْنُ عُمَرَ فِي صَحَابِيِّهِ ، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، فَقَالَ : عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَنَافِعُ بْنُ عُمَرَ أَحْفَظُ مِنِ ابْنِ خُثَيْمٍ .
قَوْلُهُ : حَوْضِي مَسِيرَةَ شَهْرٍ ) زَادَ مُسْلِمٌ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي رِوَايَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَدْفَعُ تَأْوِيلَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الْأَحَادِيثِ فِي تَقْدِيرِ مَسَافَةِ الْحَوْضِ عَلَى اخْتِلَافِ الْعَرْضِ وَالطُّولِ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، فَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي بَعْدَهُ : كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ مِنَ الْيَمَنِ ، وَأَيْلَةُ مَدِينَةٌ كَانَتْ عَامِرَةً وَهِيَ بِطَرَفِ بَحْرِ الْقُلْزُمِ مِنْ طَرَفِ الشَّامِ وَهِيَ الْآنَ خَرَابٌ يَمُرُّ بِهَا الْحَاجُّ مِنْ مِصْرَ ، فَتَكُونُ شَمَالِيَّهُمْ ، وَيَمُرُّ بِهَا الْحَاجُّ مِنْ غَزَّةَ وَغَيْرِهَا فَتَكُونُ أَمَامَهُمْ ، وَيَجْلِبُونَ إِلَيْهَا الْمِيرَةَ مِنَ الْكُرْكِ وَالشَّوْبَكِ وَغَيْرِهِمَا يَتَلَقَّوْنَ بِهَا الْحَاجَّ ذَهَابًا وَإِيَابًا ، وَإِلَيْهَا تُنْسَبُ الْعَقَبَةُ الْمَشْهُورَةُ عِنْدَ الْمِصْرِيِّينَ ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ نَحْوَ الشَّهْرِ بِسَيْرِ الْأَثْقَالِ إِنِ اقْتَصَرُوا كُلَّ يَوْمٍ عَلَى مَرْحَلَةٍ ، وَإِلَّا فَدُونَ ذَلِكَ ، وَهِيَ مِنْ مِصْرَ عَلَى أَكْثَرِ مِنَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُصِبْ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ : إِنَّهَا عَلَى النِّصْفِ مِمَّا بَيْنَ مِصْرَ وَمَكَّةَ ، بَلْ هِيَ دُونَ الثُّلُثِ ؛ فَإِنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى مِصْرَ . وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ أَيْلَةَ شِعْبٌ مِنْ جَبَلِ رَضْوَى الَّذِي فِي يَنْبُعَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ اسْمٌ وَافَقَ اسْمًا ، وَالْمُرَادُ بِأَيْلَةَ فِي الْخَبَرِ هِيَ الْمَدِينَةُ الْمَوْصُوفَةُ آنِفًا ، وَقَدْ ثَبَتَ ذِكْرُهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي قِصَّةِ غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَفِيهِ : أَنَّ صَاحِبَ أَيْلَةَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَالَحَهُ ، وَتَقَدَّمَ لَهَا ذِكْرٌ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ ، وَأَمَّا صَنْعَاءُ فَإِنَّمَا قُيِّدَتْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالْيَمَنِ احْتِرَازًا مِنْ صَنْعَاءَ الَّتِي بِالشَّامِ ، وَالْأَصْلُ فِيهَا صَنْعَاءُ الْيَمَنِ لَمَّا هَاجَرَ أَهْلُ الْيَمَنِ فِي زَمَنِ عُمَرَ عِنْدَ فُتُوحِ الشَّامِ نَزَلَ أَهْلُ صَنْعَاءَ فِي مَكَانٍ مِنْ دِمَشْقَ ، فَسُمِّيَ بِاسْمِ بَلَدِهِمْ ، فَعَلَى هَذَا فَمِنْ فِي قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنَ الْيَمَنِ : إِنْ كَانَتِ ابْتِدَائِيَّةً ، فَيَكُونُ هَذَا اللَّفْظُ مَرْفُوعًا ، وَإِنْ كَانَتْ بَيَانِيَّةً ، فَيَكُونُ مُدْرَجًا مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الرُّوَاةِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الزُّهْرِيُّ . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَيْضًا : كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَأَيْلَةَ ، وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مِثْلُهُ ، لَكِنْ قَالَ : عَدَنَ بَدَلَ صَنْعَاءَ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَبْعَدَ مِنْ أَيْلَةَ إِلَى عَدَنَ ، وَعَدَنُ بِفَتْحَتَيْنِ بَلَدٌ مَشْهُورٌ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فِي أَوَاخِرِ سَوَاحِلِ الْيَمَنِ وَأَوَائِلِ سَوَاحِلِ الْهِنْدِ ، وَهِيَ تُسَامِتُ صَنْعَاءَ ، وَصَنْعَاءُ فِي جِهَةِ الْجِبَالِ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ : مَا بَيْنَ عُمَانَ إِلَى أَيْلَةَ ، وَعُمَانُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ بَلَدٌ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ جِهَةِ الْبَحْرَيْنِ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ : مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ مُتَقَارِبَةٌ ؛ لِأَنَّهَا كُلُّهَا نَحْوَ شَهْرٍ أَوْ تَزِيدُ أَوْ تَنْقُصُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَاتٍ أُخْرَى التَّحْدِيدُ بِمَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ ؛ فَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ : كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى الْجُحْفَةِ ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ : كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَفِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ : مَا بَيْنَ عَدَنَ وَعَمَّانَ الْبَلْقَاءَ ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ حِبَّانَ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ .
وَعَمَّانُ هَذِهِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ لِلْأَكْثَرِ ، وَحُكِيَ تَخْفِيفُهَا ، وَتُنْسَبُ إِلَى الْبَلْقَاءِ لِقُرْبِهَا مِنْهَا . وَالْبَلْقَاءُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ وَبِالْمَدِّ بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنْ فِلَسْطِينَ ، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ : مَا بَيْنَ بُصْرَى إِلَى صَنْعَاءَ أَوْ مَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى مَكَّةَ ، وَبُصْرَى بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَلَدٌ مَعْرُوفٌ بِطَرَفِ الشَّامِ مِنْ جِهَةِ الْحِجَازِ ، تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا فِي بَدْءِ الْوَحْيِ ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ أَحْمَدَ : بُعْدَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَأَيْلَةَ ، وَفِي لَفْظٍ : مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَعَمَّانَ ، وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ : مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إِلَى بُصْرَى ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ حِبَّانَ فِي حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ إِلَى أَيْلَةَ أَوْ بَيْنَ صَنْعَاءَ وَمَكَّةَ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَابْنِ مَاجَهْ : مَا بَيْنَ الْكَعْبَةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَفِي حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ : كَمَا بَيْنَ الْبَيْضَاءِ إِلَى بُصْرَى ، وَالْبَيْضَاءُ بِالْقُرْبِ مِنَ الرَّبَذَةِ الْبَلَدِ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، وَهَذِهِ الْمَسَافَاتُ مُتَقَارِبَةٌ ، وَكُلُّهَا تَرْجِعُ إِلَى نَحْوِ نِصْفِ شَهْرٍ أَوْ تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ قَلِيلًا أَوْ تَنْقُصُ ، وَأَقَلُّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِسَنَدِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَزَادَ قَالَ : قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ ، فَسَأَلْتُهُ قَالَ : قَرْيَتَانِ بِالشَّامِ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَنَحْوُهُ لَهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، لَكِنْ قَالَ : ثَلَاثَ لَيَالٍ . وَقَدْ جَمَعَ الْعُلَمَاءُ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ ؛ فَقَالَ عِيَاضٌ : هَذَا مِنِ اخْتِلَافِ التَّقْدِيرِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ ، فَيُعَدُّ اضْطِرَابًا مِنَ الرُّوَاةِ ، وَإِنَّمَا جَاءَ فِي أَحَادِيثَ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، سَمِعُوهُ فِي مَوَاطِنَ مُخْتَلِفَةٍ ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَضْرِبُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَثَلًا لِبُعْدِ أَقْطَارِ الْحَوْضِ وَسَعَتُهُ بِمَا يَسْنَحُ لَهُ مِنَ الْعِبَارَةِ ويقرب ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِبُعْدِ بَيْنَ الْبِلَادِ النَّائِيَةِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ لَا عَلَى إِرَادَةِ الْمَسَافَةِ الْمُحَقَّقَةِ ، قَالَ : فَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى انْتَهَى مُلَخَّصًا .
وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ ضَرْبَ الْمَثَلِ وَالتَّقْدِيرِ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَقَارَبُ ، وَأَمَّا هَذَا الِاخْتِلَافُ الْمُتَبَاعِدُ الَّذِي يَزِيدُ تَارَةً عَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَيَنْقُصُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَا ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ظَنَّ بَعْضُ الْقَاصِرِينَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي قَدْرِ الْحَوْضِ اضْطِرَابٌ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، ثُمَّ نَقَلَ كَلَامَ عِيَاضٍ وَزَادَ : وَلَيْسَ اخْتِلَافًا بَلْ كُلُّهَا تُفِيدُ أَنَّهُ كَبِيرٌ مُتَّسِعٌ مُتَبَاعِدُ الْجَوَانِبِ ، ثُمَّ قَالَ : وَلَعَلَّ ذِكْرَهُ لِلْجِهَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ بِحَسَبِ مَنْ حَضَرَهُ مِمَّنْ يَعْرِفُ تِلْكَ الْجِهَةَ فَيُخَاطِبُ كُلَّ قَوْمٍ بِالْجِهَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا ، وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذِكْرِ الْمَسَافَةِ الْقَلِيلَةِ مَا يَدْفَعُ الْمَسَافَةَ الْكَثِيرَةَ ؛ فَالْأَكْثَرُ ثَابِتٌ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ؛ فَلَا مُعَارَضَةَ . وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ أَخْبَرَ أَوَّلًا بِالْمَسَافَةِ الْيَسِيرَةِ ، ثُمَّ أُعْلِمَ بِالْمَسَافَةِ الطَّوِيلَةِ ، فَأَخْبَرَهُ بِهَا كَأَنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِاتِّسَاعِهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ، فَيَكُونُ الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَطْوَلِهَا مَسَافَةً ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ مَنْ جَمَعَ الِاخْتِلَافَ بِتَفَاوُتِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ ، وَرَدَّهُ بِمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : زَوَايَاهُ سَوَاءٌ . وَوَقَعَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ، وَجَابِرٍ ، وَأَبِي بَرْزَةَ ، وَأَبِي ذَرٍّ : طُولُهُ وَعَرْضُهُ سَوَاءٌ ، وَجَمَعَ غَيْرُهُ بَيْنَ الِاخْتِلَافَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بِاخْتِلَافِ السَّيْرِ الْبَطِيءِ ، وَهُوَ سَيْرُ الْأَثْقَالِ ، وَالسَّيْرِ السَّرِيعِ وَهُوَ سَيْرُ الرَّاكِبِ الْمُخِفِّ ، وَيُحْمَلُ رِوَايَةُ أَقَلِّهَا وَهُوَ الثَّلَاثُ عَلَى سَيْرِ الْبَرِيدِ ؛ فَقَدْ عُهِدَ مِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ مَسَافَةَ الشَّهْرِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَلَوْ كَانَ نَادِرًا جِدًّا ، وَفِي هَذَا الْجَوَابِ عَنِ الْمَسَافَةِ الْأَخِيرَةِ نَظَرٌ ، وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهُ مُسَلَّمٌ ، وَهُوَ أَوْلَى مَا يُجْمَعُ بِهِ ، وَأَمَّا مَسَافَةُ الثَّلَاثِ فَإِنَّ الْحَافِظَ ضِيَاءَ الدِّينِ الْمَقْدِسِيَّ ذَكَرَ فِي الْجُزْءِ الَّذِي جَمَعَهُ فِي الْحَوْضِ أَنَّ فِي سِيَاقِ لَفْظِهَا غَلَطًا ، وَذَلِكَ الِاخْتِصَارُ وَقَعَ فِي سِيَاقِهِ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ : فَوَائِدِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْهَيْثَمِ الدَّيْرَعَاقُولِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فِي ذِكْرِ الْحَوْضِ ، فَقَالَ فِيهِ : عَرْضُهُ مِثْلُ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرَحَ ، قَالَ الضِّيَاءُ : فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّهُ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ كَمَا بَيْنَ مَقَامِي وَبَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرَحَ فَسَقَطَ مَقَامِي وَبَيْنَ .
وَقَالَ الْحَافِظُ صَلَاحُ الدِّينِ الْعَلَائِيُّ بَعْدَ أَنْ حَكَى قَوْلَ ابْنِ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ : هُمَا قَرْيَتَانِ بِالشَّامِ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، ثُمَّ غَلَّطَهُ فِي ذَلِكَ ، وَقَالَ : لَيْسَ كَمَا قَالَ ، بَلْ بَيْنَهُمَا غَلْوَةَ سَهْمٍ ، وَهُمَا مَعْرُوفَتَانِ بَيْنَ الْقُدْسِ وَالْكَرْكِ ، قَالَ : وَقَدْ ثَبَتَ الْقَدْرُ الْمَحْذُوفُ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ : مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَجَرْبَاءَ وَأَذْرَحَ . قُلْتُ : وَهَذَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ : كَمَا بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرُ جَرْبَاءَ وَأَذْرَحَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَفِيهِ : وَافَى أَهْلُ جَرْبَاءَ وَأَذْرَحَ بِحَرَسِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ قَوْلَ الْعَلَائِيِّ أَنَّهُمَا مُتَقَارِبَتَانِ ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ رَجَعَ جَمِيعُ الْمُخْتَلِفِ إِلَى أَنَّهُ لِاخْتِلَافِ السَّيْرِ الْبَطِيءِ وَالسَّيْرِ السَّرِيعِ ، وَسَأَحْكِي كَلَامَ ابْنِ التِّينِ فِي تَقْدِيرِ الْمَسَافَةِ بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرَحَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ السَّادِسَ عَشَرَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ ) قَالَ الْمَازِرِيُّ : مُقْتَضَى كَلَامِ النُّحَاةِ أَنْ يُقَالَ : أَشَدُّ بَيَاضًا ، وَلَا يُقَالَ : أَبْيَضُ مِنْ كَذَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ فِي الشِّعْرِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ بِقِلَّةٍ ، وَيَشْهَدُ لَهُ هَذَا الْحَدِيثُ وَغَيْرُهُ ، قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ ؛ فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ : أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ ، وَكَذَا لِابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَكَذَا لِأَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ . قَوْلُهُ : وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكَ ) فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ : أَطْيَبُ رِيحًا مِنَ الْمِسْكَ ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ : رَائِحَةً ، وَزَادَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ : وَأَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ ، وَزَادَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَثَوْبَانَ : وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ ، وَمِثْلُهُ لِأَحْمَدَ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَلَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ : وَأَحْلَى مَذَاقًا مِنَ الْعَسَلِ ، وَزَادَ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : وَأَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ ، وَعِنْدَ الْبَزَّارِ مِنْ رِوَايَةِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : وَمَاؤُهُ أَشَدُّ بَرْدًا مِنَ الثَّلْجِ . قَوْلُهُ : وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ ، فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي بَعْدَهُ : وَفِيهِ مِنَ الْأَبَارِيقِ كَعِدَّةِ نُجُومِ السَّمَاءِ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَنَسٍ : أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ ، وَفِي حَدِيثِ الْمُسْتَوْرِدِ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ : فِيهِ الْآنِيَةُ مِثْلُ الْكَوَاكِبِ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ أَبَارِيقُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ .
قَوْلُهُ : مَنْ شَرِبَ مِنْهَا ، أَيْ مِنَ الْكِيزَانِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : مَنْ شَرِبَ مِنْهُ ، أَيْ مِنَ الْحَوْضِ ، فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا ، فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الْآتِي قَرِيبًا : مَنْ مَرَّ عَلِيَّ شَرِبَ ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا . وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ : مَنْ وَرَدَهُ فَشَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا ، وَهَذَا يُفَسِّرُ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : مَنْ مَرَّ بِهِ شَرِبَ ، أَيْ مَنْ مَرَّ بِهِ فَمُكِّنَ مِنْ شُرْبِهِ فَشَرِبَ لَا يَظْمَأُ ، أَوْ مَنْ مُكِّنَ مِنَ الْمُرُورِ بِهِ شَرِبَ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ : وَلَمْ يَسْوَدَّ وَجْهُهُ أَبَدًا ، وَزَادَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : مَنْ صُرِفَ عَنْهُ لَمْ يُرْوَ أَبَدًا ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا : أَوَّلُ مَنْ يَرِدُ عَلَيْهِ مَنْ يَسْقِي كُلَّ عَطْشَانَ .